نحو منظومة تعددية دولية

نحو منظومة تعددية دولية
الخميس 12 مارس 2026 - 13:47

صوب تعدد القوى، تتجه ملامح التعددية الدولية، منبعثة بقوة ومؤشرة بانعطافة المحفل الدولي، بعد هيمنة مفاهيم النظام الدولي الجديد، المنبثقة في عمقها من احتكارية القطب الأمريكي الواحد في هذه المفاهيم، المطبوعة بسياسة العولمة الاستيطانية التجويفية، والمجهزة على كل المعايير الإنسانية والممزقة للأنساق القانونية التي لطالما اجتهدت البشرية لبلوغها، حتى تنظم عبرها حياة الجماعة الدولية. وبذلك لم يَسلم المبدأ الإنساني، في نهاية المطاف من التمثيل بروحه القانونية، ولا الإنسان سَلِم من مجازر التنكيل ومحرقات الإبادة، رغم كل شعارات التعايش والتعاون وحفظ الأمن والسلم الدوليين.

وتفعّل الولايات المتحدة الأمريكية العولمة كمفهوم مرادف للهيمنة؛ وتوظفها كأداة فعالة لبسط هيمنتها على مناطق مختلفة من العالم، في إطار سياسة سيطرة القطب الواحد، والترويج لفكرة العالم قرية صغيرة، قوامها الانفتاح والتواصل وحماية حقوق الإنسان وما إلى ذلك؛ وهذه دعاية هي عينها الشعار الذي اختارته لسياستها الجديدة في الغزو الكامن في العولمة، وسخرت لها ترسانتها الإعلامية، لإرساء قواعد هذا المفهوم وإشاعته على المستوى العالمي.

أسفر ذلك كله عن تراجع مفهوم السيادة الوطنية للدول الذي تغيرت عناصره، بحكم أن إشكاليات العلاقات الدولية نفسها تبدلت، الأمر الذي ساعد على تصاعد الهيمنة الأمريكية وتبرير وجودها عمليا. وقد كان من تداعياتها تلك الهيمنة السائدة على منظمة الأمم المتحدة، عدم قدرة هذه الأخيرة على تحقيق مراميها، وتطبيق المبادئ التي تبنتها في ميثاقها، وهذا لا يخفي صراحة كيفية تعامل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها مع أهداف ومبادئ هاته المنظمة الأممية، من منظور نفعي خالص، واستغلالها لتحقيق مصالحها.

بالطبع، فَكُل عدة عقود، يتغير النظام الدولي الذي يتصف باستمرارية الحركة والصيرورة إلى نظام دولي مختلف، نظرا إلى طبيعته المتغيرة، وذلك نتيجة للصراع بين القوى الكبرى.

فمجمل التحولات في النظام الدولي تحدث عندما تحصل متغيرات ملموسة من شأنها أن تؤدي إلى إحداث تحول في توازنات القوة للقوى الفاعلة في النظام الدولي، وتحولا في تراتبية تلك القوى سواء تعلق الأمر بالجانب العسكري أم الاقتصادي أم كلاهما، فضلا عن مقومات القوة الأخرى. فتغيير نظام توازن القوى وإقامة نظام ثنائي القطبية كان بفعل الحرب العالمية الثانية عام 1945م، أما انتهاء نظام القطبية الثنائية وإقامة نظام أحادي القطبية، فحدث بفعل تفكك أحد أقطاب النظام الدولي ثنائي القطبية.

في حين أن انتهاء نظام أحادي القطب وإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، فسيتحقق بمجرد حصول تراجع نسبي تدريجي في مؤشرات مقومات القوة للقوة المهيمنة. وما يشهده المسرح السياسي الدولي في الفترة الأخيرة من تغيرات لجهة مواقف الدول الكبرى، فيشير إلى أن تحولا سيطرأ على النظام الدولي خلال السنوات القادمة، حيث ستفسح الهيمنة الغربية الطريق على نحو متزايد أمام الانتقال إلى شكل تعددي عميق، يتضمن عديدا من مراكز الثروة والقوة والشرعية الثقافية، وقد كثر الحديث عن هذا الشأن بشكل يثير العديد من التساؤلات، بحكم أن التغيير التدريجي في النظم الدولية عملية طبيعية؛ وحيث تمر القطبية الأحادية بمرحلة وسطى أو شكل من أشكال التبلور، تمهيدا للانتقال إلى نظام دولي جديد، وذلك بعد تراجع دور القوة العسكرية في التأثير في محصلة القوة، علاوة على صعوبة قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتطويع كل القوى الكبرى في النظام الدولي؛ حيث تمتلك بعض الدول قدرة نسبية على اتخاذ مواقف مستقلة، بل ومناهضة للرؤية الأمريكية في العديد من القضايا الدولية. وفي تصور هنري كيسنجر فمن أسباب الأزمة في النظام الدولي” إبداؤه العجز عن استيعاب تغيير رئيسي في علاقات القوة…أو إن قوة صاعدة قد تفرض الدور المخصص لها في نظام لم تصممه، وقد تبرهن القوى الراسخة على أنها عاجزة عن تعديل صيغة النظام بما يمكنه من استيعابها”.

وقد تعرض نظام الهيمنة الأمريكية “القطبية الأحادية” للاختلال؛ حيث فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على العالم عقب حرب الخليج الثانية، حين أعلنت عن مولد النظام العالمي الجديد، وبعد الفشل الذي خلقته السياسة الأمريكية على مستوى العالم بعد احتلال أفغانستان والعراق.

يبدو إذاَ أن مرحلة النظام الدولي الأحادي القطبية قد دخل مرحلته الهشة، وباتت المواقف الدولية – الروسية والصينية بشكل خاص – تشير إلى تراجع الهيمنة الأمريكية لمصلحة عودة التوازن بين القوى الدولية، داخل الأمم المتحدة وخارجها، سيما بعد عودة الدور الروسي للمشهد الدولي. وفي ظل عودة التوازن على مستوى الصراع الدولي، تراجع دور الأمم المتحدة، إذ لم تنجح في وضع حد لأي من الصراعات الدولية التي تفجرت في الفترة الأخيرة، وقد بات واضحا أن أقطابا دولية باتت تنازع الولايات المتحدة سيطرتها على العالم، وتتعارض مع رؤيتها لحل الصراعات الدولية، وهذا يستدعي قراءة جديدة للمشهد السياسي الدولي. والحال أن الهيمنة دائماً وبالضرورة متعددة الأبعاد ونسبية، لذا فهي مهددة بتعدد الأبعاد، بمعنى أنها ليست اقتصادية وحسب “إنتاجية أعلى في قطاعات الإنتاج الطليعية، مبادرة في الاختراع التكنولوجي، وزن حاسم من المبادلات التجارية العالمية، تحكم بالعملة الأساسية للنظام”، بل سياسية وإيديولوجية وعسكرية. ونسبية لأن الاقتصاد الرأسمالي العالمي ليس إمبراطورية عالمية يحكمها مركز وحيد، فالمركز المهيمن مرغم دائماً على القيام بتسويات مع الآخرين، حتى لو كانوا في وضعية الخاضع، سيما إذا كانوا يرفضون هذه الوضعية، ولهذا السبب بالتحديد تظل الهيمنة مهددة بتحول موازين القوى بين شركاء النظام العالمي.

حقيقة فما يدل على تغير أبجديات الصراع الدولي، تراجع الصراع العسكري والأيديولوجي لمصلحة التعاون والاعتماد المتبادل بين مجموع القوى الدولية. ومع تزايد عدد الفاعلين الدوليين القادرين على التأثير في القضايا العالمية فإن التعددية القطبية، لم تعد مجرد نظرية فحسب، بل أصبحت واقعا ملموسا يستحيل تجاوزه مستقبلا، ويتجلى ذلك في الأدوار المتنامية لقوى مثل الصين والهند والبرازيل، إلى جانب قوى إقليمية أخرى تسعى إلى تعزيز نفوذها على الساحة الدولية. وتقدم الصين نفسها هنا المدافع الأول عن نظام عالمي متعدد الأقطاب؛ حيث تروم في جل تحركاتها إعادة تشكيل مؤسسات الحكم العالمية لتعكس ديناميات القوة المتغيرة لمصلحة الدول غير الغربية، فالصين كما هو معلوم قوة صاعدة، تسعى إلى اكتساب الاعتراف بها في النظام الدولي كقوة عظمى من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي إن قبلت الاعتراف بمكانتها الدولية فإن صعودها سيكون سلميا وبالإمكان في نهاية المطاف أن تجنب النظام الدولي حروبا ومشكلات أمنية.

بدون مبالغة فبروز تلك المنظومة العالمية الجديدة، تمثل حالة وسطية بين الاعتراف بالقوة الأمريكية كقوة عظمى لها مصالحها والنظام المتعدد الأقطاب، وهذه المنظومة بالذات من الممكن أن تتبنى نمطا توافقيا من التفاعلات الدولية، بحيث تتراجع فيه الزعامة الأمريكية، ويحدث نوع من التوازن بين التكتلات الاقتصادية الكبرى، مع تمايز المصالح في ما بينها.

فلا مجال إذاً لنشوب صراعات وجودية قائمة على الصراع الأيديولوجي قد تقود عمليا إلى حروب عالمية كبرى، وقد يتحول الصراع إلى حالة من التنافس الاقتصادي والسياسي الذي قد يصل إلى درجة من الحدة أو التأزم في الغالب الأعم، مثلما هو حاصل في الأزمتين الأوكرانية والسورية، لكن من دون الوصول إلى مستوى الصراعات العسكرية الكبرى، بسبب وجود درجة عالية من الاعتماد المتبادل فرضتها مقتضيات العلاقات الاقتصادية. هذا بطبيعة الحال، مع الأخذ بعين الاعتبار التحول الجذري في الرأي العام العالمي الذي أصبح رافضا بقوة لخوض حروب كبرى لن ينتج منها سوى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، كما أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد يحتمل حروبا خارجية، وهذا ما يبررعودة نمط الحروب بالوكالة التي تدور في مناطق مختلفة من العالم.

إن فرض إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، بعد اختلال نظام الهيمنة الأمريكية ” القطبية الأحادية”، يتوقف في الغالب على الفرص الممكنة التي تتوفر عليها القوى التعديلية من مقومات مادية ومعنوية ورغبة في الحد من الهيمنة الأمريكية، وإنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، بحيث يستحيل إعاقة تشكيله، لكونه بات فارضا لوجوده، رغم تسليمنا بأن طبيعة النظام الدولي القادم ماتزال يكتنفها الغموض. وكيفما كان الأمر، فلم يعد خافيا على أحد أن صعود التعددية القطبية يفضي إلى تصاعد الصراعات الأيديولوجية بين نماذج الحكم المتنافسة؛ ما يؤثر في التعاون الدولي في قضايا حيوية، مثل تغير المناخ والتنظيم الاقتصادي والتحالفات الأمنية. وربما سيعيد هذا المشهد الجديد تشكيل التحالفات التقليدية والديناميّات الإقليمية، حيث تتم إعادة النظر في الشراكات الإستراتيجية التي استمرت عقودا. وبما أن التعددية القطبية تفتح آفاقًا جديدة للحكم العالمي، فإنها تحمل في ذات الوقت مخاطر عدة يتطلب إدارتها عبر الدبلوماسية والتعاون المتعدد الأطراف والالتزام بالمعايير الدولية؛ لضمان استقرار النظام العالمي في المستقبل حتى يرقى إلى المستوى المنشود.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:37 5

فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية

صوت وصورة
لقجع يقدم مشروع قانون المالية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:15 3

لقجع يقدم مشروع قانون المالية

صوت وصورة
منع الأطفال من السوشل ميديا
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 12:49 2

منع الأطفال من السوشل ميديا

صوت وصورة
منحة الزواج  بين الترحيب والتحفظ
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 10:27 20

منحة الزواج بين الترحيب والتحفظ

صوت وصورة
أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 08:41 4

أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 4

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد