نوائب الزمان ترمي بمنزل التشكيلي الرباطي في غياهب النسيان

نوائب الزمان ترمي بمنزل التشكيلي الرباطي في غياهب النسيان
السبت 22 شتنبر 2018 - 06:00

على بعد أمتار قليلة فقط من متحف القصبة بطنجة، بأحد الدروب الضيقة، يقبع منزل من طابق واحد، مهجورٌ متداعٍ لا يثير انتباه أحد ولا يدير رؤوس المارّة نحوه.

بطلاءٍ أزرق سماوي يغطي جزءا من جدرانه، وبمقبض بابٍ عتيق مازال يؤدي دوره كما يجب غير عابئ بفعلِ الزمن، يأبى المنزل أن يتهاوى، كما قد يُراد له، ويتشبث بالوقوف شامخاً أملاً في ترميمه والاهتمام به يوما ما.

أمّا لماذا كل هذه الأهمية، فلأن المنزل كان يوماً ما ملكا للفنان المغربي محمد بن علي الرباطي الذي جالت لوحاته العالم ومازالت تباع بأثمان باهظة، دون أن ينال حظه من التعريف أو الشهرة.

ولد محمد بن علي الرباطي بالرباط سنة 1861، ثم استقر مع أسرته بمدينة طنجة سنة 1866، حيث حصل سنة 1903 على وظيفة طباخ لدى “السير” البريطاني جون ليفري (john lavery) الذي استقر بطنجة انطلاقا من سنة 1890، وكان فنانا معتمدا في البلاط الملكي البريطاني.

يقول محمد عزيز الطويل، عضو مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة: “تميز محمد بن علي الرباطي بافتتانه بالرسم التصويري، فحصل على دعم ومساندة مشغله جون ليفري، الذي لمس فيه الموهبة رغم أنه لم يتلق أبدا أي توجيهات أو تقنيات عن الرسم، بل فرض أسلوبه وطابعه الخاص في ميدان الرسم التشكيلي”.

وابتداء من سنة 1916، يضيف الطويل: “سينظم له جون ليفري معرضا بأشهر المعارض الفنية بلندن، وهو معرض the Goupile، وكان هذا الحدث سابقة في بريطانيا؛ بحيث لم يسبق لأي فنان مسلم عرض أعماله الفنية بالمملكة المتحدة”.

حياة الرباطي كانت مليئة بالمنعطفات؛ فبعد أن عمل مع جون ليفري لفترة طويلة، قرر هذا الأخير، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، بيع ممتلكاته بطنجة والعودة إلى بريطانيا، فتوجه الرباطي إلى مدينة مارسيليا الفرنسية ليستقر بها من سنة 1919 إلى سنة 1922، اشتغل خلالها بمعمل للسكر، وتلقى دعوة من مصلحة الفن المعاصر بالحماية الفرنسية على المغرب لكي يقيم معرضا بقصر المامونية بالرباط سنة 1922.

ويسترسل الطويل موردا تفاصيل أكثر حول حياة فنان عصامي لم ينل حظه من الشهرة محليا، قائلا: “انطلاقا من سنة 1925 سيلتحق محمد بن علي الرباطي بالجيش الإسباني بمنطقة الحماية الإسبانية شمال المغرب كإطفائي، وبعد سنتين ترك الجيش الإسباني، وعمل لدى بنك بلباو الكائن آنذاك بزنقة الحاج محمد الطريس بطنجة كحارس للمقر وناقل للرسائل”.

وطوال الفترة المذكورة، لم يتخلّ الفنان الرباطي عن ولعه بالرسم وواصل إرسال لوحاته إلى جون ليفري بتوقيعه الخاص، الذي كان يكتب فيه “تمت بحول الله من قبل خادمه بن علي”.

سنة 1933 سيحصل الرباطي على عرض مهم يتمثل في منحه مرسما بقصر رياض السلطان بالقصبة من قبل مندوب السلطان بطنجة، لكن هذا الأخير نقله بعد حوالي سنتين إلى زنقة 64 بالقصبة، حيث أصبح يبيع لوحاته هناك، كما افتتح سنة 1937 مطعما بزنقة عبد الصادق ليمارس ولعه بالطبخ كذلك.

توفي الفنان محمد بن علي الرباطي سنة 1939 بعد أن أصبحت لوحاته ذائعة الصيت عالميا، كما وضعت بعض أعماله على الطوابع البريدية المغربية تكريما وعرفانا له.

حري بالذكر أن مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة نبه، خلال تقريره السنوي السادس لسنة 2017، إلى الوضعية الصعبة التي يوجد عليها منزل الرباطي، داعيا الجهات المسؤولة بالمدينة والمؤسسات الوصية على قطاع التراث التاريخي إلى العمل على تأهيل البناية، وإعادة الاعتبار لشخصية الرباطي، كفنان مغربي ذائع الصيت.

مجموعة من سكان المنطقة أفادوا، في تصريحات لهم، بأن منزل الرباطي ملك الآن لأحد الخواص، الذي يستغله مستودعا لبعض المتلاشيات، وهو ما يضع المسؤولين على الشأن الثقافي أمام مسؤولية الانتباه إلى هذا الإرث ومحاولة استرجاعه ليصبح مزاراً لمحبي الفنان وعشاق لوحاته، كي لا يضيعَ في مهبّ الإهمال مثل عدد من مآثر طنجة التي تُركت لعوامل الزمن حتى تداعتْ دون أن تحسّ من هؤلاء المسؤولين من أحد أو تسمع لهم ركزاً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • yaaaaaaaaadris
    السبت 22 شتنبر 2018 - 07:22

    آخر شيء يمكن أن تطلبه من هكذا مسؤولين ، حفظ الذاكرة مسألة يمكن تهتم بها الدول المثقفة ذات الحس الفني الراقي ، أما الدول العشوائية فهي مشغولة بنهب المال العام

  • طنجة الحضارة
    السبت 22 شتنبر 2018 - 09:03

    الحقيقة أن مدينة طنجة التاريخية تعيش اهمالا كبيرا يطال بناياتها التاريخية .. فالعديد من البنايات التي مارست وظائف مهمة أو ارتبط اسمها بشخصيات شهيرة أصبحت عرضة للضياع في أي لحظة بسبب تقادم البناية وعدم وجود خطة لصيانتها وتاهيلها بما يخدم السياحة الثقافية..

  • kamal
    السبت 22 شتنبر 2018 - 11:37

    البلاد التي يستعر أهلها من لغتهم الدارجة التي يتواصلون بها بنسبة 90 بالمائة لا تستغرب أن لا يهتمو بأي شيء له علاقة بالثقافة المغربية، و تجدهم يحتفلون بكل ماهو فرنسي و عربي.

  • tanjawi
    السبت 22 شتنبر 2018 - 12:28

    صدق شكري حين قال "الكل يغني عن طنجاه وأنا لوحدي ابكي عن طنجاي"

  • streap tease
    السبت 22 شتنبر 2018 - 13:05

    نشكر الاخ عبد الواحد استيتو على هده الالتفاتة لفنان نسيه اهله وهي تكريم لبن علي الرباطي الدي اعترف به الاجانب ووضعوا اعماله في الطوابع البريدية اكثر من اهله الدين استحودوا على سكناه -لا نعرف كيف- ليضعوا فيها المتلاشيات ..

  • مغلربي
    السبت 22 شتنبر 2018 - 15:36

    انا مع صاحب التعليق 3
    معه حق

  • الرباطي
    الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 11:17

    منزل استولت عليه فنانة تعيش بالرباط بدون واجب حق وعائلة فنان تعيش مأسي بطنجة

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب

صوت وصورة
المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:00

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة

صوت وصورة
خصاص المرافق بسلا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 17:06

خصاص المرافق بسلا

صوت وصورة
السفير اليمني والموقف المغربي
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 15:57

السفير اليمني والموقف المغربي

صوت وصورة
تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 13:00

تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية

صوت وصورة
المغاربة يترقبون الحلول
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 11:16

المغاربة يترقبون الحلول