هالزن يقتفي رسائل الكون الخفية.. رحلة علمية تنتهي بجائزة نوبل في الفيزياء

هالزن يقتفي رسائل الكون الخفية.. رحلة علمية تنتهي بجائزة نوبل في الفيزياء
صورة: أ.ف.ب
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 05:00

احتاج الفيزيائي البلجيكي فرانسيس هالزن إلى عقود من العمل في واحد من أكثر الأماكن قسوة على سطح الأرض قبل أن تصل رحلته العلمية إلى جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026، بعدما كرمت الجائزة دوره الحاسم في إنشاء مرصد “آيس كيوب” للنيوترينوات، ومساهمته في اكتشاف جسيمات عالية الطاقة قادمة من أعماق الكون، فتحت أمام علماء الفلك وسيلة مختلفة تماما للنظر إلى السماء.

بالنسبة إلى هالزن، البالغ من العمر 82 عاما، حمل إعلان الجائزة معنى شخصيا أيضا، إذ تحدث خلال مؤتمر صحافي بجامعة ويسكونسن-ماديسون الأمريكية، حيث يعمل أستاذا، عن سنوات من الانتظار والخيبة التي كانت تتجدد لديه مع حلول شهر أكتوبر من كل عام، موعد الإعلان عن جوائز نوبل.

وقال هالزن، وفق ما نقلته وكالة “فرانس بريس”: “كنت دائما أشعر بالسوء في هذا الوقت من السنة لأنني لم أحصل على الجائزة”، موضحا أن شعوره لم يكن مرتبطا فقط برغبته الشخصية في التتويج، وإنما باعتقاده أن غياب الجائزة لم يكن منصفا لمئات الباحثين الذين شاركوا على مدى سنوات في بناء وتشغيل مشروع “آيس كيوب”.

وعندما جاء الإعلان أخيرا، كان الفيزيائي البلجيكي موجودا في إيطاليا للمشاركة في اجتماع علمي، فتحدث عبر الاتصال المرئي قائلا إن المشكلة “حلت أخيرا”، معربا عن امتنانه لهذا الاعتراف العلمي.

وراء لحظة التتويج قصة بدأت قبل عقود، عندما بدا اقتراح استخدام كيلومتر مكعب من جليد القطب الجنوبي لمراقبة جسيمات تكاد تكون عصية على الرصد فكرة جريئة إلى درجة أن نجاحها لم يكن مضمونا حتى بالنسبة إلى القائمين عليها.

جسيمات تمر عبر الإنسان والأرض

تدور رحلة هالزن العلمية حول جسيم يعرف باسم “النيوترينو”، وهو واحد من أكثر الجسيمات انتشارا في الكون، وفي الوقت نفسه من أصعبها على العلماء من حيث الرصد.

النيوترينوات لا تحمل شحنة كهربائية، وكتلتها ضئيلة للغاية، وتتفاعل مع المادة بمعدلات منخفضة جدا، ولذلك تستطيع المرور عبر أجسام البشر والكواكب، وحتى عبر الأرض نفسها، من دون أن تترك في معظم الأحيان أثرا يمكن لأجهزة القياس التقاطه.

وتشير المعطيات التي أوردتها “فرانس بريس” إلى أن نحو 65 مليار نيوترينو مصدرها الشمس تمر في كل ثانية عبر مساحة تساوي تقريبا مساحة ظفر الإصبع الصغير لدى الإنسان، من دون أن يشعر المرء بأي شيء.

هذا المرور المستمر يوضح الصعوبة التي واجهت العلماء، فالجسيم الذي يعبر المادة بسهولة يحتاج إلى أجهزة ضخمة وفرص نادرة حتى يتفاعل مع ذرة أو جزيء وينتج إشارة يمكن تسجيلها.

لكن الخاصية التي تجعل النيوترينو صعب الرصد هي نفسها التي تمنحه قيمة كبيرة بالنسبة إلى علماء الفلك.

فالضوء، على أهميته، يمكن أن يتشتت أو تمتصه المادة أو يتغير مساره خلال رحلته في الفضاء، بينما تستطيع النيوترينوات السفر لمسافات هائلة من دون أن تتأثر كثيرا بما تصادفه، ولهذا ينظر إليها الباحثون باعتبارها رسائل قادمة من مناطق بعيدة وعنيفة في الكون.

قد تحمل هذه الجسيمات معلومات عن أحداث لا تستطيع التلسكوبات التقليدية مشاهدتها بالطريقة نفسها، من البيئات المحيطة بالثقوب السوداء إلى النوى النشطة للمجرات، مرورا بظواهر كونية تنتج كميات ضخمة من الطاقة.

ومن هنا جاءت فكرة أن الكون لا ينبغي أن يقرأ بالضوء وحده.

لقد بنى البشر علم الفلك قرونا طويلة اعتمادا على ما يصل إلى أعينهم ثم إلى التلسكوبات، قبل أن تتوسع أدوات الرصد إلى الموجات الراديوية والأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية وأشعة غاما، ثم جاءت النيوترينوات لتضيف قناة جديدة يمكن من خلالها التقاط أخبار الكون.

والمغزى العلمي هنا مهم، فعندما ترسل ظاهرة كونية ضوءا ونيوترينوات وأنواعا أخرى من الإشارات، يصبح جمع هذه المعطيات المختلفة أشبه بالنظر إلى الحدث نفسه من أكثر من نافذة، وكل نافذة تكشف جزءا لا تستطيع الأخرى إظهاره.

مختبر في قلب جليد القطب الجنوبي

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بدأ هالزن يدفع باتجاه فكرة تبدو في ظاهرها غريبة: استخدام جليد القطب الجنوبي نفسه أداة لمراقبة النيوترينوات.

لم يكن المطلوب بناء تلسكوب تقليدي ووضعه فوق الأرض، وإنما تحويل كتلة هائلة من الجليد إلى جزء من جهاز الرصد.

ومن هذه الفكرة ولد مرصد “آيس كيوب”، الذي يضم 5484 كاشفا ضوئيا موزعة في أعماق تتراوح بين 1450 و2450 مترا تحت سطح الجليد، داخل حجم يقارب كيلومترا مكعبا.

هذه الأجهزة لا ترى النيوترينو بصورة مباشرة.

عندما يحدث في حالات نادرة أن يتفاعل نيوترينو مع المادة، يمكن أن تنتج عن التفاعل جسيمات مشحونة تتحرك بسرعة كبيرة، فتولد ومضات ضوئية دقيقة داخل الجليد، وتلتقط الكواشف هذه الإشارات ثم تستخدم البيانات في محاولة إعادة بناء مسار الجسيم وطاقته والاتجاه الذي جاء منه.

ولهذا السبب لم يكن اختيار القطب الجنوبي مجرد بحث عن مكان بعيد.

الجليد العميق يوفر بيئة مظلمة ومستقرة نسبيا تسمح للأجهزة بالتقاط إشارات ضعيفة للغاية، كما يمنح العلماء حجما هائلا من المادة يمكن أن تحدث داخله التفاعلات النادرة التي يبحثون عنها.

المشروع، مع ذلك، كان محفوفا بالمخاطر.

هالزن نفسه تحدث عن حجم المجازفة التي تحملتها جامعة ويسكونسن حين دعمت المشروع، لأن مراحل التصميم والبناء لم تكن تحمل ضمانة مسبقة للنجاح، وكان أي خلل في الحسابات أو المعدات أو طريقة تثبيت الكواشف تحت الجليد قادرا على إضعاف المشروع أو إيقافه.

تزداد صعوبة المهمة بسبب الموقع، فالقطب الجنوبي ليس مكانا يمكن فيه إصلاح الأعطال بسهولة أو تغيير الأجهزة متى أراد العلماء، وكل قطعة تنزل إلى أعماق الجليد تصبح جزءا من منظومة يتطلب التخطيط لها دقة كبيرة.

بعد سنوات طويلة من التحضير وسبع سنوات من البناء دخل “آيس كيوب” مرحلة التشغيل بكامل طاقته عام 2011.

لكن الوصول إلى هذه اللحظة لم يكن إنجاز هالزن وحده.

الفيزيائي البلجيكي حرص بعد إعلان نوبل على الإشارة إلى نحو 450 شخصا من أكثر من عشر دول شاركوا في المشروع، وهو عدد يعكس طبيعة العلوم الكبرى في الوقت الراهن، حيث لا تعود الاكتشافات الضخمة نتاج عالم يعمل منفردا داخل مختبر صغير، وإنما ثمرة تعاون يمتد بين جامعات ومهندسين وفيزيائيين وتقنيين ومؤسسات تمويل.

كما وجه هالزن الشكر إلى المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، التي مولت الأبحاث المرتبطة بالمشروع، في إشارة إلى أن المغامرات العلمية طويلة الأمد تحتاج إلى تمويل قادر على تحمل سنوات قد تمر قبل ظهور نتائج حاسمة.

حين يصبح الجليد عينا تراقب الفضاء

مع بدء “آيس كيوب” العمل، لم يعد القطب الجنوبي مجرد مكان لدراسة مناخ الأرض وجليدها، فقد أصبح كذلك موقعا لمراقبة جسيمات تصل من أبعد مناطق الكون.

وتمكن المرصد لاحقا من تسجيل نيوترينوات بطاقات مرتفعة للغاية، تفوق بكثير الطاقات التي يستطيع العلماء إنتاجها في مسرعات الجسيمات الموجودة على الأرض.

هنا تغير السؤال من “هل يمكن رصد هذه الجسيمات؟” إلى “من أين جاءت؟”.

عندما يلتقط “آيس كيوب” نيوترينو يثير اهتمام العلماء، يمكن إرسال تنبيه إلى مراصد أخرى في العالم، فتوجه التلسكوبات أجهزتها نحو المنطقة نفسها من السماء، أملا في رصد ضوء أو أشعة غاما أو أي إشارات أخرى مرتبطة بالحدث.

هذا التنسيق بين أجهزة مختلفة أعطى دفعا لما يعرف بعلم الفلك متعدد الرسل، أي دراسة الحدث الكوني بالاعتماد على أكثر من نوع من الإشارات، بدلا من الاكتفاء بنوع واحد.

وفي حالة النيوترينوات عالية الطاقة، يحاول العلماء معرفة الأجسام القادرة على منح هذه الجسيمات تلك الطاقات الهائلة.

وتشير معطيات البحث إلى أن بعض المصادر المحتملة توجد في النوى النشطة للمجرات، حيث تقبع ثقوب سوداء فائقة الكتلة تحيط بها كميات ضخمة من المادة، وتولد البيئات المحيطة بها ظواهر شديدة العنف والطاقة.

هذه الأجسام تقع على مسافات بعيدة جدا، لكن النيوترينو يستطيع أن يغادرها ويقطع الفضاء وصولا إلى الأرض، محتفظا بمعلومات عن المكان الذي ولد فيه.

بالنسبة إلى العلماء، يمكن تشبيه الأمر برسالة قطعت ملايين أو مليارات السنين الضوئية من دون أن يفتحها أحد في الطريق، ثم انتهت رحلتها داخل الجليد في القطب الجنوبي.

وعندما ينجح الباحثون في تحديد الاتجاه الذي جاءت منه، تبدأ محاولة البحث عن المرسل.

هذه القدرة هي التي جعلت لجنة نوبل تنظر إلى أعمال هالزن باعتبارها مساهمة في تأسيس نافذة جديدة على الكون.

المسألة لا تتعلق بإضافة أداة قياس أخرى إلى أدوات الفيزياء، وإنما بتوسيع قدرة الإنسان على معرفة ما يجري في أماكن لا تستطيع وسائل الرصد التقليدية وحدها فك أسرارها.

وتبقى قائمة الأسئلة طويلة.

من أين تأتي الأشعة الكونية فائقة الطاقة؟ ما العمليات التي تحدث قرب الثقوب السوداء؟ كيف تتسارع الجسيمات إلى طاقات تتجاوز بكثير ما يمكن إنتاجه داخل مختبرات الأرض؟ وهل تستطيع النيوترينوات المساعدة في الاقتراب من ألغاز أخرى في الفيزياء الحديثة، ومنها طبيعة المادة المظلمة؟

“آيس كيوب” لا يقدم أجوبة جاهزة عن كل هذه الأسئلة، لكنه يمنح الباحثين طريقة مختلفة للبحث عنها.

وهنا تظهر المفارقة التي رافقت تجربة هالزن: من أجل رؤية أعماق الكون كان على العلماء أن ينظروا أولا إلى أعماق الجليد.

فالمرصد الذي يتلقى إشارات من مسافات كونية هائلة لا يرتفع فوق جبل ولا يدور في مدار فضائي، وإنما دُفنت أجهزته على عمق أكثر من كيلومتر تحت واحد من أبرد الأماكن على الأرض.

وقد يكون هذا التناقض جزءا من جمال المشروع العلمي نفسه، إذ تحولت بيئة تبدو بعيدة عن الفضاء إلى واحدة من أدوات استكشافه.

هالزن، رغم عقود العمل التي انتهت بجائزة نوبل، لا يتعامل مع المشروع باعتباره نهاية قصة، لأن قيمة نافذة جديدة على الكون تكمن تحديدا في أنها قد تظهر أشياء لم يكن العلماء يبحثون عنها.

وقال الفيزيائي البلجيكي إن من المستحيل التنبؤ بما ستأتي به هذه الوسيلة مستقبلا، مستندا إلى تاريخ علم الفلك الذي أظهر أن كل طريقة جديدة لمراقبة السماء قادت إلى اكتشافات لم تكن متوقعة.

وأضاف: “النتائج كانت دائما رائعة في الماضي، ولا سبب للاعتقاد بأنها لن تكون كذلك مرة أخرى”.

ولهذا تبدو جائزة نوبل محطة في رحلة “آيس كيوب” أكثر منها خاتمتها، فالمشروع الذي بدأ بفكرة طموحة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى سنوات من التخطيط والحفر وتركيب آلاف الكواشف في جليد القطب الجنوبي، تحول إلى أداة تلتقط جسيمات قادمة من مناطق لم يصل إليها الإنسان ولن يصل إليها في المستقبل المنظور.

أما هالزن، الذي كان ينتظر كل أكتوبر خبرا لا يأتي، فقد جاءه التتويج وهو في الثانية والثمانين، بعد أن تحولت الفكرة التي كان يمكن أن تفشل في أي مرحلة إلى واحد من المشاريع التي غيرت الطريقة التي يحاول بها الفيزيائيون قراءة الكون.

ومن تحت أكثر من ألف متر من الجليد، تستمر آلاف الكواشف في انتظار الإشارة التالية.

قد تمر مليارات النيوترينوات من دون أن تترك أثرا، ثم يتفاعل واحد منها، يضيء ومضة خاطفة في الظلام، ويمنح العلماء خبرا جديدا من مكان بعيد في الكون.

تلك هي الرسائل الخفية التي أمضى هالزن عقودا يقتفي أثرها، وهي أيضا الرحلة التي انتهت في أكتوبر 2026 بجائزة نوبل في الفيزياء، من دون أن ينتهي معها البحث.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء

صوت وصورة
منتجات مغربية تتألق في أبوظبي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:04 1

منتجات مغربية تتألق في أبوظبي

صوت وصورة
بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 12:37 5

بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة