هكذا غاص سكورسيزي في قاع وقمة المجتمع الأمريكي بأسلوب سينمائي أوروبي

هكذا غاص سكورسيزي في قاع وقمة المجتمع الأمريكي بأسلوب سينمائي أوروبي
صورة: أرشيف
الأحد 1 يناير 2023 - 00:00

قال الناقد محمد بنعزيز إن “المخرج السينمائي مارتن سكورسيزي صوّر، خلال مسيرته التي احتفل مؤخرًا بمرور نصف قرن على انطلاقها، حكايات من قمة المجتمع الأمريكي وقاعه بأسلوب سينمائي أوروبي”، موضحا أن فيلم “الثور الهائج” (1980) يلتقط اللحظة التاريخية حين منح حكام مقابلة الملاكمة النصر للملاكم الذي سينخرط في الجيش الأمريكي بعد أن دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية لإنقاذ أوروبا من نفسها.

وبعدما تطرق بنعزيز، في مقال له بعنوان “كيف صور سكورسيزي العصابة والعائلة والبطل الأوديبي الذي ضيعه نجاحه؟”، لمجموعة من أعمال المخرج مارتن سكورسيزي، أوضح أن “ثلاث تيمات ستخترق كل أفلامه، هي العائلة، والعصابات، وأزمة الحياة الشخصية”، مضيفا أنه “لعرض فنه في تناول هذه التيمات اعتمد المخرج كثيرا على الممثلين الكبيرين روبير دي نيرو وليوناردو دي كابريو للقيام ببطولة رجالية مطلقة”.

هذا نص المقال:

صوّر المخرج السينمائي مارتن سكورسيزي، خلال مسيرته التي احتفل مؤخرًا بمرور نصف قرن على انطلاقها، حكايات من قمة المجتمع الأمريكي وقاعه بأسلوب سينمائي أوروبي.

هذه ورقة موجزة عن عالم سكورسيزي في انتظار أن تعلن كلية فنون أو معهد سينما عن دورة دراسية تتناول منجز مخرج كبير أو نوع فيلمي محدد.

يصور مارتن سكورسيزي حكايات من قمة وقاع المجتمع الأمريكي بأسلوب سينمائي أوروبي. يلتقط فيلم “الثور الهائج” (1980) اللحظة التاريخية حين منح حكام مقابلة الملاكمة النصر للملاكم الذي سينخرط في الجيش الأمريكي بعد أن دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية لإنقاذ أوروبا من نفسها. تجرى مقابلات الملاكمة في أجواء مافيوزية. لا تكفي الموهبة والقوة للنجاح، لا بد من علاقات خطرة للصمود في المدينة العملاقة. بفضل هذا ينتشل الملاكمُ نفسه من القاع. وفي لقطة تشرح كيفية الهروب من القاع صور سكورسيزي حب الأربعينيات الأبيض والأسود والسيارة الفخمة باعتبارها أفضل طُعم لصيد النساء الجميلات. هنا يكتشف المتفرج أن المخرج مارتن سكورسيزي يملك نفسا روائيا يلتقط عمق التحولات الاجتماعية.

بينما يدخل الملاكم جحيم النجومية الذي يجرف الحياة الشخصية ينتقد الملاكم أسلوب maniérisme سلام زوجته على زعيم العصابة. يُخفي مصطلح Maniérisme حمولة تاريخية فنية تذكر بالرسام الإيطالي كارافاجيو (1571- 1610م) الذي سيسمّى أسلوبه “الجلاء والقتمة” (Chiaroscuro)، ولهذا الأسلوب الدرامي في الرسم حضور قوي في صياغة اللغة البصرية لمارتن سكورسيزي.

بعد ساعة كانت لدى المخرج تفاصيل جديدة ليضيفها. تفاصيل متماسكة مترتبة عما سبق. في النصف الثاني من الفيلم يكتشف البطل أنه ليس حرّا، يصير الملاكم الشجاع بيدقا في يد مافيا الرهانات، وعليه أن يقبل أن تصير زوجته جزءا من اللعبة.

تندلع أزمة الحياة الشخصية، فالبطل “ضيّعه نجاحه” مثل أوديب (تراجيديات سوفقليس، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 113).

وسيتكرر هذا الضياع بعد تحقق الحلم في أفلام كثيرة لسكورسيزي مثل نجاح البطل ماليا وتدهوره عاطفيا في فيلم “ذئب وال ستريت” (2013).

تتقاطع وقائع فيلم “الثور الهائج” (Raging Bull) زمنيا ومكانيا مع وقائع فيلم فرانسيس فورد كوبولا “العراب” (1972)، كما يتقاطع معه موضوعاتيا في تقديس العائلة والتضحية من أجلها.

تظهر هنا ثلاث تيمات ستخترق كل أفلام سكورسيزي: العائلة، العصابات وأزمة الحياة الشخصية حتى بعد تحقيق البطل لأحلامه، بطل يضيعه نجاحه. ولعرض فنه في تناول هذه التيمات اعتمد المخرج كثيرا على الممثلين الكبيرين روبير دي نيرو وليوناردو دي كابريو للقيام ببطولة رجالية مطلقة.

هنا تتقاطع النشأة والتصورات، فسكورسيزي (1942) كاثوليكي إيطالي من صِقلية يصور في هوليود أمريكيين، مغامرات مهاجرين وزعماء عصابات يُصلون قبل تناول العشاء، وفي الصباح يرْكلون من يعترض طريقهم نحو الثروة. هكذا حمل المخرج جينالوجيا أجداده إلى أمريكا. هكذا يمكن تلخيص منجز سكورسيزي بمناسبة عيد ميلاده الثمانين. في الحقيقة يتعذر تلخيص الصرح السينمائي الذي بناه المخرج، هذه شذرات عنه مستخلصة من مشاهدة أفلامه خلال الثلاثين سنة الماضية.

على صعيد اللغة البصرية يقدم جنيريك فيلم “طاكسي درايفر” (1976) ما يمكن وصفه بأنه قصيدة بصرية بالمعجم النقدي الذي لم يتخلص بعد من اللغة في توصيف ونقد الفنون البصرية. بدأ الفيلم بدخان وضباب يفصلان الكاميرا عن ضوء السيارات. بخار، ضوء يتراقص، ليل، يتناوب النور والظلام على وجه السائق. تتداخل الألوان في ليل نيويورك. إضاءة متداخلة توحي بشخصية غامضة. كسر المخرج اللون الأحمر الفاقع في نهاية “طاكسي درايفر”.

وهذا يذكر بالألوان في فيلمي “خليج الخوف” (1991) و”كازينو” (1995). كان اختيار ألوان ملابس الممثل الكبير روبير دي نيرو في فيلم “كازينو” نموذجا لاحترام تناسق الألوان وفق الدائرة اللونية. لكن هذه الأناقة وهذا الجمال لا يخفيان عُنف الكازينو: في النهار يعلن زعماء الكازينو أن المستقبل زاهر. في الليل، أثناء القمار، لا يرى المقامرون الصحراء الهائلة المحيطة بالمدينة. يزيد المقامر الخاسر من قيمة ما يضعه على الطاولة لعله يسترجع ماله ولا يتوقف إلا حين يخسر كل شيء، حين يخسر يكتشف حجم الصحراء التي تكاد تبتلع لاس فيغاس.

تعترف إحدى الشخصيات: عندما تحب شخصا يجب أن تثق به ثقة مطلقة وتسلمه كل مفاتيحك، وحينها ستصير أشلاء في أقرب فرصة لأنك وضعت روحك على طاولة قمار.

وقع هذا لبطل الفيلم الذي عشق شابة فاتنة (أداء شارون ستون).

صور سكورسيزي في فيلم “كازينو” ناس القمة، هناك حيث يباع السياسيون الذين يصوغون القوانين ويُشترون، وبالنظر للأرباح فثمنهم رخيص في كل كازينو.

وفي فيلم قمار من نوع آخر “ذئب وال ستريت” يجسد سكورسيزي الرأسمالية المتوحشة وهي تراكم مليارات الدولارات في يد قلة على حساب عرق وبؤس مليارات البشر.

يعتبر فيلم “عصابات نيويورك” Gangs of New York (2002) المثال الأقوى لتصوير هذا البؤس. تجري أحداث الفيلم عام 1846، يغادر البطل الشاب (أداء ليونادرو دي كابريو) الإصلاحية ويرمي بالإنجيل من فوق الجسر، يقع في يد لصّة مُسلحة بأيقونة مباركة، فيها صورة القديس ميخائيل طارد الأشرار من النعيم. مع هذا العالم من النوايا الحسنة نرى الإيرلنديين البؤساء الأميين يفتك بهم الوطني الجزار (أداء العبقري دانيال دي لويس) من أجل أمريكا في قاع المجتمع.

يصرخ العنصري الأمريكي: “عد إلى أفريقيا أيها الزنجي”.

هكذا يخاطب السود. وبعدها يسدد الوطني الجزار على بورتريه أبراهام لينكولن. كانت هذه استعارة تكثف تاريخ البلاد في لقطة واحدة. يمكن رؤية الكثير من التشابهات في هذه اللقطة بين الجزار المتعصب ضد المهاجرين وبين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي قرر بناء جدار فصل على حدود المكسيك.

لهذه الهجرة في أفلام سكورسيزي عمق تاريخي. في القسم الثالث من كتاب “عصر رأس المال 1848-1875” يتناول المؤرخ الإنجليزي إريك هابزباوم ما سماه “حراك الناس” نحو أمريكا حتى حل الإيرلنديون مكان الزنوج في خدمة المنازل (ص 343). لقد هاجروا هربا من البؤس، يحفزهم الطموح وتحقيق الأحلام. وقد عملوا في البناء والنقل، وهما مهنتان زهيدتا الأجر لا تتطلبان مهارات. وقد حل ما سبب هروبهم؟

أجاب هبزباوم: هربوا من الجحيم إلى البؤس والانحطاط والدم والقذارة التي دفعتهم البرجوازية الغربية إليها. يقدم الفيلم صورة مريعة عن واقعهم.

للإشارة، فإن سكورسيزي مهاجر من أصل إيطالي يحكي عن مهاجر إيرلندي. بعد فيلم عن الإيرلنديين البؤساء الأميين في “عصابات نيويورك” عاد مارتن سكورسيزي بفيلم عن إيرلندي غني، متعلم بربطة عنق. لقد ترقى المهاجر في السلم الاجتماعي في فيلم “الإيرلندي” (2019). سينمائيا كان أشهر إيرلندي في أمريكا هو المخرج جون فورد وقد صور ملاكما مهاجرا يعود إلى إيرلندا ليعيش قصة حب (الرجل الهادئ 1952). من جهته حكى كوبولا الإيطالي عن مافيا صقلية ورجع إلى هناك لتصويرها في معاقلها. هؤلاء مخرجون يحكون عن أصولهم، عن أجدادهم المهاجرين.

إن الهجرة ليست سفرا. يسافر الأغنياء للمتعة، بحثا عن الشمس ومياه البحر المالحة، وحين تصير جلودهم سمراء يرجعون. الهجرة هي سفر الفقراء، الفقراء لا يعودون.

تحضر مشاهد الهجرة والعصابات في أفلام سكورسيزي، العنف مربح في السينما. كتب المؤرخ الثقافي إريك هوبزباوم “منذ ستينيات القرن العشرين هيمنت السينما على سوق الترفيه وقد انتقلت من تمجيد قيم العائلة إلى تصوير العصابات وتمجيد المنحرفين الجانحين” (عصر التطرفات، ص 578).

تنتمي أفلام سكورسيزي إلى هذا النمط. وبالنظر للمعارك العنيفة التي يتورط فيها العجزة أبطال فيلم “الإيرلندي” وينتصرون، يبدو لي فيلم “الإيرلندي” أقرب إلى رسوم الخوارق من فرط المؤثرات البصرية لتزييف الوجوه وإخفاء شيخوخة روبير دي نيرو، وكأن سكورسيزي الذي انتقد أفلام الأبطال الخارقين يحاول تحويل عجوز إلى مافيوزي خارق.

تتكرر في أفلام سكورسيزي لمسة العائلة التي يجب أن تبقى موحدة مهما كان الثمن. لو كان ترافيس ينتمي إلى عائلة لاختلف مصيره في فيلم “طاكسي درايفر”. كان دفاعه العنيف عن المراهقة بحثا عن الانتماء إلى عائلة. في فيلم “كازينو” يعتبر المس بعائلة المدير خطا أحمر، في فيلم “عصابات نيويورك” صار الطفل تابعا للجزار الوطني لأن الطفل بحاجة إلى انتماء. وعندما كبر الطفل (أداء ليوناردو دي كابريو) قرر الانتقام لأبيه. حتى التاجر في البورصة يحتاج إلى عائلة في “ذئب وال ستريت”. العائلة مقدسة ومحورية في أفلام سكورسيزي “لأن الإحساس بالانتماء إلى الحياة في الكون يحرر الطاقة ويطلق المرح ويحمينا من اللاجدوى الناجمة عن العزلة”. (تريفور وايتوك، الاستعارة في لغة السينما، ترجمة إيمان عبد العزيز، مراجعة سمير فريد، المشروع القومي للترجمة، ط1، القاهدرة 2005، ص 25).

حين يغيب هذا الانتماء والحماية تتدحرج الشخصية إلى حالة نفسية صعبة. لقد قرر الأعزب الوحيد ترافيس (روبير دي نيرو) أن يعمل سائق طاكسي ليلا لأنه لا ينام. يخرج كل صباح مرهقا من قبو عمارة داكن مثل كل قاع.

للإشارة، حصل سكورسيزي على السعفة الذهبية في مهرجان كان عن “طاكسي درايفر”، وقد كان الروائي تينسي ويليامز هو رئيس لجنة التحكيم.

هذه نظرة موجزة عن الصرح السينمائي الذي بناه سكورسيزي في أكثر من نصف قرن. للإشارة، لسكورسيزي علاقة قوية بالمغرب. فقد زار المغرب مرارا لكي يصور بعض أفلامه أو لكي يحضر المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، وقد عبر عن إعجابه بفيلم “الحال” (1981) للمخرج المغربي أحمد المعنوني عن المجموعة الغنائية “ناس الغيوان”، وقد رمم سكورسيزي الفيلم وعرضه في مهرجان كان 2007. حينها صرح المخرج الأمريكي أنه شاهد فيلم “الحال” في 1981 حين كان يمر من لحظة أزمة إبداعية. وقد رسخ فيلم “الحال” في ذاكرته، لذا فإنه بعد ست وعشرين سنة عندما أسس مؤسسة لترميم الأفلام بدأ به لأنه ألهمه، بل حاكاه في فيلمه “SHINE A LIGHT” عن فرقة الرولينغ ستون 2008.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Martin Scorsese
    الأحد 1 يناير 2023 - 00:09

    تفكرت أيام كنت تنمشي لسينما مع الصحاب وصحابات نشوفو الأفلام الأمريكية والفرنسية والإيطالية ،أفلام رائعة وذكريات جميلة

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام