هل سننتقل من ميزان العدالة إلى عدالة الميزان؟

هل سننتقل من ميزان العدالة إلى عدالة الميزان؟
الجمعة 11 فبراير 2022 - 11:22

كلنا نعلم أن العدالة يُرمز لها كما هو متعارف عليه عالميا بامرأة معصوبة العينين تحمل سيفا بيدها اليمنى والميزان بيدها اليسرى، فهي مغمضة العينين لكي تساوي بين الخصوم والملفات والسيف بيدها اليمنى لتبطش به وتسحق الظلم وتُميته، وتحمل الميزان بيدها لتساوي في حكمها بين الجميع لا فرق عندها بين غني وفقير، وهي امرأة وليست رجلا، لأن النساء بطبيعتهن تملأ قلوبهن الرحمة، والعدالة في أحيان كثيرة تحتاج أن تكون رحيمة، لأن قسوتها يمكن أن تكون ظلما في حق بعض المحكوم عليهم.

أما مع التعديلات الجديدة التي تُنذر بشؤمها مسودة مشروع المسطرة المدنية، فهي ستزيل العصبة عن عينيها لكي تفرق بين الخصوم وبين ملفاتهم، وستحمل ميزانا إلكترونيا تستعمله قبل أن تقضي بين الخصوم يكون الهدف منه تصفية الملفات والتفريق بينها، فحسب المادة 29 من مسودة مشروع المسطرة المدنية فالملف الذي لا يبلغ مبلغا معينا بقسطاس الدراهم لن يحق لصاحبه الطعن بالاستئناف أو النقض، ونفس الشيء بالنسبة للملف الذي تجاوز فيه الطلب 50000 درهم، وسمح لأطراف إذا أعطى الميزان إشارة بأنه أقل من 100001 درهم، فلن يحق لصاحبه الطعن فيه بالنقض.

وسبب هذا المقال راجع إلى قبل أيام خلت خرجت إلى فضاءات الأنترنت مسودة مشروع قانون يتعلق بقانون المسطرة المدنية، ووجهت وزارة العدل كما أُشيع نسخة منه إلى جمعية هيئة المحامين بالمغرب، وطلب منها أن تبدي ملاحظاتها على المشروع بشأنه خلال أيام معدودات. قانون المسطرة المدنية كما هو معروف هو قانون يعود تاريخه إلى سنة 1974 وهو قانون عرف تعديلات لا بأس بها منذ التسعينات، ولكن إذا كانت بعض هذه التعديلات كان الهدف منها تجويد عمل المحاكم وتبسيط الإجراءات فيها وحصر المكلفين بالعمل فيها في المهنيين الممثلين في المحامين، عبر توسيع دائرة المساطر الكتابية والحد من في كل تعديل من المساطر الشفوية، وهو المقتضى الذي عُزز بمقتضيات المادة 32 من قانون المحاماة، وإذا كانت عدالة زمان كانت القلة حينها هي سمتها، قلة المحاكم، قلة الموظفين، قلة القضاة والمحاكم والأوراق ووسائل العمل، وكان من حق الجميع فقراء وطبقة متوسطة وأغنياء، أن يلجوا المحاكم ويعرضوا نزاعاتهم أمام المحاكم الابتدائية، وإذا اعتبر أحد الأطراف أن قاضي البداية أو المحكمة الابتدائية أخطأ في حكمه أو لم ينصفه، كان من حقه أن يستأنف الحكم ويعرض أسباب طعنه أمام محكمة الاستئناف، وبعد صدور الحكم كان يحق لأي طرف مقابل رسوم زهيدة ومناسبة وعادية أن يطعن في النقض في كل قرار استئنافي ظهر له أنه مخطئ في حقه أو أنه ظلمه، وكان لمحكمة النقض حتى حق التصدي حتى تحسم النزاع ولا تجعله يُداوم على السفر بين محكمة الاستئناف والنقض في بعض الملفات في رحلة البحث عن عدالة تجري ويجري وراءها المتقاضي لمدة زمنية قد تستمر لسنوات.
مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية المعروض حاليا بدأ العديد من الزملاء والمختصين والممارسين يوجهون لها سهام نقدهم التي تكون في الغالب معقولة، خصوصا إذا كانت مصوبة من ممارسين خبروا مشاكل المسطرة أمام المحاكم وعراقيلها التي يجب أن توجد لها حلول، وبخبرتهم وتجربتهم العملية يمكن أن يصلوا إلى الحل بشأنها لأن من يجد مشكلة يبحث عن الحلول القانونية لها.

من بين ما أثارني في مسودة هذا المشروع هو المادة 29 منه والتي جاءت لتعوض المادة 19 من قانون المسطرة المدنية وجاء فيها ما يلي: (مع مراعات المقتضيات الخاصة، تختض المحاكم الابتدائية بالنظر:

– ابتدائيا وانتهائيا إلى غاية خمسين ألف درهم.

– ابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف في جميع الطلبات التي تتجاوز خمسين ألف درهم.

– يبت ابتدائيا في الحالة المنصوص عليها في المادة 22 قبله).

والوسيلة الوحيدة للطعن في هذه الأحكام التي تصدر ابتدائيا وانتهائيا هي الطعن فيها أمام رئيس المحكمة الابتدائية حسب المادة 31 من مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية، والتي يجب أن يكون الطعن فيها مشروطا بالشروط التي حددتها هذه المادة وإلا لن يقبل الطعن فيها أمام رئيس المحكمة وهذه الشروط هي: (1- إذا لم يحترم القاضي اختصاصه النوعي أو القيمي. 2- إذا بت فيما لم يطلب منه أو بث في أكثر مما طلب منه أو أغفل البت في أحد الطلبات. 3- إذا بت رغم أن أحد الأطراف جرحه عن حق. 4- إذا بتت دون أن يتحقق مسبقا من هوية الأطراف. 5- إذا حكم على المدعى عليه دون أن تكون له الحجة على أنه توصل بصفة بالاستدعاء طبقا للقانون. 7- إذا وجد تناقض بين أجزاء الحكم.

8- إذا وقع تدليس أثناء تحقيق الدعوى).

الأكيد أن هذه الأحكام التي ستصدر ابتدائيا وتكون بعشرات الآلاف كل سنة، رغم محدودية الحالات والشروط المحددة للطعن فيها بمقتضى المادة 31 من مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية أمام رؤساء المحاكم الابتدائية، سيتم الطعن في أغلبها أمام هؤلاء الرؤساء الذين سيصعقون بشلال من الطعون تُغرق مكاتبهم الغارقة أصلا بكثرة الملفات والمهام، فهم مشغولون بآلاف ملفات الأوامر المبينة على طلبات التي يبتون فيها سنويا، والأوامر التي يبثون فيها في القضايا الاستعجالية، وأعمالهم الإدارية المتنوعة والكثيرة والتي تحتاج حضورا يوميا وعملا متواصلا، سيصعقون بسيف الآلاف من الملفات التي سيطعن فيها وتتعلق بالقضايا التي تقل عن خمسين ألف درهم، ويجب أن يبتوا فيها طبقا للمادة 31 من قانون المسطرة المدنية، وأمام قلة نواب الرؤساء والقضاة على العموم أمام المحاكم الابتدائية سيقترح رؤساء المحاكم الابتدائية على المجلس الأعلى للسلطة القضائية بضرورة ترحيل كم هائل من السادة القضاة في رحلة عكسية من الشمال إلى الجنوب، من محاكم الاستئناف والنقض إلى المحاكم الابتدائية ليتغلبوا على مشاكل هذه الفكرة التي فكر فيها شخص ما، دون أن يمحصها بمقلة العين البعيدة الرؤيا ويطرح جميع الافتراضات والاحتمالات، ويُفكر ويطرح الحلول التي ستكون صالحة لعشرات السنين المقبلة، وتحل مشكلة حاضرة بحلول آنية تستمر لعشرات السنين، لا أن يطرح مثل هذه الفكرة التي سترجع بنا إلى الوراء ويظهر لنا منذ أول إطلالة عليها أنها ستفرز مشاكل واضحة وآنية قبل الشروع في العمل بها. فكيف سيكون مستقبلها بعد بداية العمل بها، وبداية العمل بأي شيء كما نعلم قد يُبرز مشاكل كان من الصعب معرفتها قبل العمل بها.

سيصبح رئيس المحكمة الابتدائية في هذه الملفات هو الآمر الناهي وهو المرجع الاستئنافي بصيغة الطعون فيها القديمة وليس الجديدة، وتجربتنا مع الطعون التي كنا نقدمها أمام رؤساء المحاكم الابتدائية في الأحكام المتعلقة بقضاء القرب هي تجربة لم تكن مفرحة للمتقاضين لأن أغلبها تنتهي نهاية تبتعد عن المس بحكم قضاء القرب.

والمادة 31 نفسها ستطرح مشاكل كثيرة حتى قبل الشروع في العمل بها، فماذا سيكون حكم رئيس المحكمة إذا وجد أن القاضي الابتدائي لم يحترم اختصاصه القيمي أو النوعي؟ هل سيبت بعدم الاختصاص ويحيل الملف على المحكمة المختصة؟ وعن أي اختصاص قيمي ونوعي تتكلم هذه المادة، والمحكمة الابتدائية لها الولاية العامة حتى بالنسبة للقضايا التجارية والإدارية في حدود معينة؟ فمثلا أعتقد حسب فهمي المتواضع أن الحالة الوحيدة هنا ستكون فقط حين يحكم القاضي في ملف يقل عن خمسة آلاف درهم، وهو اختصاص خاص بمحاكم القرب، هل سيتدخل رئيس المحكمة ليحكم بأن القاضي الابتدائي غير مختص للبت في هذا الطلب، وكيف سيكون حكمه هل سيحكم بأن الاختصاص هو موكول لقاضي القرب وليس لقاضي المحكمة الابتدائية؟ وهل من حقه أن يبت في الملف ويتصدى، أم أنه يجب عليه أن يحيل الملف لقاضي القرب؟ هل رأيتم عبثية الفرضية وغموضها؟

تعالوا لنهبط إلى الفقرة الثانية من المادة 31 من المسودة لنجد أن رئيس المحكمة يمكن الطعن أمامه إذا بت القاضي الابتدائي في ما لم يطلب منه أو بت في أكثر مما طلب منه، أو أغفل الب في أحد الطلبات، فكيف سيحكم رئيس المحكمة، هل سيلغي الحكم ويقضي برفض الطلب كليا أو جزئيا إذا حكم القاضي فيما لم يطلب منه، أو سيلغي القاضي الحكم جزئيا فيما تجاوز المطلوب ويحكم في حدود المطلوب متى تجاوز القاضي المطلوب؟ أو أنه سيتصدى ويبت في الطلب الذي أغفل القاضي البت فيها، الخطير هو أن رئيس المحكمة الابتدائية يبت في غيبة الأطراف، وأمره أو حكمه لا نعرف طبيعته التي وسمه بها مفكرو المسودة وهو بالإضافة إلى ذلك غير قابل لأي طعن، فيمكن لرئيس المحكمة أن يخرق القانون ويظلم أي شخص أو يخطئ في حقه وأمره أو حكمه محصن من كل طعن ضده الحقيقة أنه مع بعض تعديلات هذه المسودة، سندخل في ثورة جديدة على مبادئ الإجراءات القانونية المعروفة والمتعارف عليها، حينها سيصبح بالإمكان لأي وثيقة ما زلنا لا نعرف طبيعتها هل هي أمر أم حكم تصدر في غيبة الأطراف وتتوكأ على خصوصيات الأوامر المبينة على طلب من بت سريع وبت في غيبة الأطراف ودون استدعائهم، لتحسم وتلغي حكما ابتدائيا أصدره قاضي الموضوع صدر بحضور الأطراف وبعد اللجوء إلى كل وسائل التحقيق المتعارف عليها. والخطير والعجيب هو أن أمر رئيس المحكمة أو نائبه لا يقبل أي طعن، إذ سيصبح كالقرآن المنزل.

كذلك سيكون من حق رئيس المحكمة أن يبت في هذه الأحكام متى جُرح القاضي الابتدائي عن حق ورغم ذلك بت في الطلب. وفي هذه الحالة كيف سيبت الرئيس وهل سيتطرق لموضوع النزاع ويعيد إجراءات التحقيق في الملف؟ لأنها ستكون في حكم الباطلة أم أنه سيبت في غيبة الأطراف ويعتمد تلك الإجراءات رغم أن قاضي كان يجب أن يجرح نفسه وكانت له مصلحة في الملف هو الذي أجراها وأمر بها، كإجرائه للبحث أو المعاينة أو الخبرة.

كذلك هناك شرط غريب جاء في المادة 31 من المسودة وهو المتعلق بالتحقق من هوية الأطراف، وهو الذي يوحي لنا بأن من جاء بهذه الأفكار لديه عقدة تاريخية أو مستحكمة مع رجال الدفاع، لأننا نعلم جميعا أن أغلب الملفات المدنية التي تٌعرض على المحاكم المغربية تكون بناء على مقال يقدمه دفاعه، ولا يتم التحقق من أية هوية، بل يتأكد القاضي فقط من وجود المصلحة والصفة والأهلية من عدمها، ليبت في الملف حسب الأحوال.
وتحقيق الهوية يكون فقط في الملفات الجنحية، والتحقق من الهوية قد تُطلب أمام المحاكم المدنية حين تأمر المحكمة بإجراء بحث ويطلب القاضي من الأطراف الإدلاء ببطاقتهم الوطنية، فمُدبج هذه الفكرة ربما يفكر أو يرتب لأن تُعرض أغلب الملفات بدون محامين وبدون دفاع لذلك سيكون القاضي ملزما بطلب البطاقة الوطنية للأطراف للتأكد من هويتهم.

وفي شرط غريب للطعن في الأحكام أمام رئيس المحكمة فإن من حق الطرف الذي لم يستدع للمحكمة طبقا للقانون وهو غالبا سيكون المدعى عليه، أن يطعن في الحكم الابتدائي أمام رئيس المحكمة، ولكن في الوقت الذي سمحنا للمدعى عليه الذي لم يتوصل بصفة قانونية بأن يطعن في الحكم بهذه الطريقة أمام رئيس المحكمة، ألزمت المسودة رئيس المحكمة أن يبت في غيبة المطلوب في الطعن، والذي يمكن أن يلغى الحكم الصادر ضده دون أن يدري ودون أن يتوصل في خرق واضح وفاضح لكل الإجراءات القانونية المتعلقة بطرق الطعن في الأحكام وفي خرق واضح لحقوق الدفاع ولمبدأ التواجهية.

كذلك يمكن لطرف أن يطعن أمام رئيس المحكمة إذا كان هناك تناقض بين أجزاء الحكم، وبت الرئيس سيكون في غيبة الأطراف ودون استدعائهم، وكأنه يبت في أمر ولائي، وبأمره أو حكمه هذا الذي ما زلنا لا نعرف طبيعته يمكنه أن يلغي حكما في الموضوع بهذه الطريقة الحديثة والعجيبة التي استحدثها واقترحها مدبجو هذه المسودة.

كذلك يمكن للطرف أن يطعن في الحكم الابتدائي أمام رئيس المحكمة حسب المادة 31 من مسودة المشروع إذا وقع تدليس أثناء تحقيق الدعوى، وعلى الرئيس أن يبت دون استدعاء الأطراف وفي غيبتهم، وكيف للرئيس أن يتحقق من التدليس دون أن يلجأ لوسائل التحقيق المشار إليها في المسطرة المدنية من خبرة وبحث ومعاينة. فكيف يكون له السبيل إلى ذلك؟

على من يفكر في طرح مشروع معين أن يكون ممارسا لعشرات السنين، ومن الأفضل أن يكون مارس المحاماة أو مارس مهنة القضاء في المادة التي اقترح للتشريع فيها لعشرات السنين ابتدائيا واستئنافيا أو أمام محكمة النقض، لأن مثل هؤلاء يعرفون المشاكل بشكل جلي ويعرفون ما يمكن أن يثيره أي نص قانوني مقترح من مشاكل ويحاولون أن يجدوا لها الحلول في النص المراد تعديله، أما البعيد عن الممارسة وعن ساحات المحاكم والذي ينظر من برج عال لا يمكن إلا أن ينتج مثل هذه النصوص التي ستقف عاجزة أمام كم المشاكل التي ستواجهها في أول امتحان أو عرض لها بساحات المحاكم.

إذن كما لاحظنا الطلبات التي لا تتجاوز 50000 درهم سيصبح بالإمكان الطعن فيها فقط أمام رئيس المحكمة الابتدائية ولا يمكن استئنافها، وحق الاستئناف سيبقى محصورا ومقبولا فقط في الملفات التي تفوق قيمتها المالية 50000 درهم، ونحن كممارسين نعرف أن أكثر من 90 % من الملفات المعروضة على المحاكم تقل قيمتها المالية عن خمسين ألف درهم، ومثل هذه الملفات والنزاعات أغلبها تتعلق بالطبقة الفقيرة أو المتوسطة من المتقاضين المغاربة، إذن من خلال هذا التعديل الجديد يتضح لنا أن الداعين إليه لا تهمهم لا عدالة ولا هم يحزنون، بل همهم الوحيد هو العمل ما أمكن على تقليل عدد الملفات التي تُعرض على محاكم الاستئناف ومحكمة النقض، معتقدين أن بساطة المبلغ المتقاضى بشأنه لا تمنح الحق لهذا المتقاضي للبحث عن العدالة في مرحلة أعلى، فيكفي أن الدولة فتحت له باب المحكمة الابتدائية لكي يعرض نزاعه أمامها، ويكفي أنه نظر في ملفه قاض ونواب لوكيل الملك في الحالة التي تستوجب ذلك، وسهر على ملفه موظفون، وهو وحظه المختفي فإن كان حكم القاضي الابتدائي حكما عادلا بالنسبة له، فقد وافق هذا التعديل هواه، ولكن إن كان هذا التعديل ظالما لخصمه بسبب خطأ القاضي أو جهله، فمع هذا التعديل سيصبح المشرع منكرا للعدالة وقاطعا لسيرها الطبيعي، لكل طرف يسعى نحو قاضيه الأعلى والأقدم والأكثر تجربة لكي يُرجع له حقه الذي ضاع مع الحكم الابتدائي بالطرق المتعارف عليها وسيفتح له فقط حق الطعن أمام رئيس المحكمة بكل المشاكل التي شرحناها أعلاه.

إذن على الداعيين لهذه التعديلات المُخجلة والظالمة للطبقة الفقيرة والمتوسطة أن يضعوا ميزانا كبيرا أمام أبواب المحاكم توزن فيها الملفات ليعلموا أصحابها، ويقولوا لأصحاب الملفات الصغيرة لقد ضقنا ذرعا بكم وبملفاتكم الصغيرة التي نبذل جهدا ووقتا كبير وطاقات هائلة للبت فيها، لذلك ورحمة بنا وكجميل منا نُقدمه لكم، سنسمح لكم بعرض نزاعكم فقط أمام المحاكم الابتدائية، وبعدها سيبت رئيس المحكمة الابتدائية في طعنكم في الحكم الابتدائي بسرعة وفي غيبتكم وبحكم أو أمر غير قابل لأي طعن ودون مباشرة أي إجراءات أو تحقيقات موضوعية في الملف، وبعدها اغربوا عن وجوهنا أنتم وملفاتكم.

أما أصحاب الملفات الكبيرة التي تفوق قيمتها المالية 50000 درهم، فما عاش من يحرمكم من المحاكم وكل درجاتها ومحاكم الموضوع فيها، فادخلوها سالمين مرحب بكم أمام المحاكم الابتدائية وإن لم تعجبكم أحكام قضاة المحاكم الابتدائية فيمكنكم أن تعرضوا نزاعكم على محاكم استئنافنا وحتى لو وجدتم أن محاكم الاستئناف لم تنصفكم، فأهلا ومرحبا بكم في العاصمة الرباط لتعرضوا طعنكم أمام محكمة النقض، فملفاتكم ملفات مهمة وكل ظُلم أو خطأ يقع على طرف من أطراف هذه الملفات لا نقبله ويجب أن يُصححه قاض في محكمة أعلى وذي تجربة أكبر، لذلك سمحنا لكم بسلوك الطعون الأعلى ومنعناه عن أصحاب الملفات ذات القيمة المالية الهزيلة.

فعلا إذا كان مبلغ 5000 درهم قد ظهر لمن عرض هذا التعديل أنه مبلغ هزيل لا تحتاج العدالة ومؤسساتها لتضييع الوقت معه لكي يحصل صاحبه على حكم عادل في أية مرحلة من مراحل التقاضي العادي المتعارف عليه، فإن هذا المبلغ بالنسبة لذلك المتقاضي قد يكون مبلغا مهما وكبيرا، أو قد تكون قضيته هي قضية مبدأ رغم زهادة قيمة ملفه المالية.

فمع تعديلاتكم غير المفهومة سنقول وداعا لمن كانوا يتقدمون بطلب درهم رمزي ساعين إلى الحصول على حكم قيمة وحكم مبدأ تهتدي به المحاكم بعد ذلك، ويَصلحُ به حال الأمة والإدارات، سيكون مصير من يطلب درهما رمزيا هو الدعاء لله أن يتوفق قاضيه الابتدائي في الحكم له. أما إذا رفض طلبه فما عليه إلا أن يرفع أكفه إلى العادل وينتظر.

كل تعديل تخوض غماره الحكومة أو الفرق البرلمانية وتُقدم عليه يكون من ورائه هدف محدد واضح المعالم، والأكيد أن قصر حق الطعن بالاستئناف في الملفات التي تزيد قيمتها المالية عن 50000 درهم، الهدف من ورائه هو التقليل من عدد الملفات التي ستُعرض على محاكم الاستئناف معتقدين أن هذه الملفات بسيطة وغير ذات أهمة ليُنظر فيها مرتين قضاة الموضوع، ليس جميلا ومنصفا ما تُفكرون فيه بل فظيع ما تُقدمون عليه، فما هو البديل الذي ستُقدمون للمتقاضي الذي تكون قيمة ملفه تقل عن 50000 درهم إذا ظلمه أو أخطأ في حقه قاضيه الابتدائي بعد أن حرمتموه من حق الاستئناف؟ إذن من خلال تعديلاتكم تؤكدون على أن همكم ليس العدالة وإنما البت في الملف في مرحلة لا غير كيفما كانت النتيجة فالهدف هو منحه فرصة حظ واحدة لكي يحظى بحُكم يجب أن يقبل به حتى ولو ظلمه ولا حق له في الطعن فيه، إلا أمام رئيس المحكمة وبشروط غاية في الغرابة ونتيجتها ستكون بتا في الشكل أكثر ما تكون بتا في الموضوع وبحثا عن العدالة والإنصاف.

على الأقل إذا أردتم أن تحرموا هذا المتقاضي من حق الاستئناف، فيجب أن تُفكروا بأن قاضيه يمكن أن يُخطأ أو يَفهم نصوص القانون بشكل غير عادل أو يظلمه، وتحاولون إيجاد الحلول لكي تُصلحوا ما ستفسدونه بأيدي تعديلاتكم، وإن كنا عموما مع حق جميع المتقاضين في ولوج العدالة بكل مراحلها وإقرار حق الطعن في الأحكام للجميع بدون استثناء.

والخطير كذلك هو المقتضى الذي جاء في المادة 371 من مسودة مشروع المسطرة المدنية الذي ينص على ما يلي: تختص محكمة النقض، ما لم ينص نص على خلاف ذلك بالبت في: 1- الطعن بالنقض ضد المقررات الانتهائية الصادرة عن جميع محاكم المملكة، باستثناء القرارات الاستئنافية الصادرة في مادة فحص شرعية القرارات الإدارية، والأحكام الصادرة في الطلبات التي تتجاوز قيمتها المابية 100000 درهم (عشرة ملايين سنيتم) وإن كانت هذه المادة تنص خطأ على عبارة لا تتجاوز 100000 درهم.

إذن الجديد المُرعب والخطير حسب مقتضى المادة 29 والمادة 371 هو أن الأحكام التي تقل قيمتها طلباتها عن 50000 درهم تكون انتهائية ولا تقبل الاستئناف، والقرارات الاستئنافية التي تقل قيمتها طلباتها المالية عن 10.0001 درهم وتكون انتهائية لا تقبل الطعن بالنقض، وهذا يعني أن الأحكام الابتدائية بطبيعة الحال التي لا تقبل الاستئناف لن تقبل النقض كذلك.

والأحكام التي ستعرف طريقها إلى مرحلة النقض ويمكن لأصحابها الطعن فيها بالنقض بعد مرحلة الاستئناف هي الملفات التي تزيد قيمتها المالية عن مائة ألف درهم، وسيكون على المسؤولين كذلك أن يضعوا موازين بصناديق محاكم الاستئناف لتزن الملفات التي وصلت للوزن الحقيقي المسموح فيه لأصحابها بأن يركبوا قطار النقض، ويخبرونهم بذلك في إطار الحق في الحصول على المعلومة.

وسنصبح أمام ظاهرة لا قبل لنا بها ولا يمكن أن نجدها إلا عند أفهام المسؤولين الساهرين على هذه المسودة، حين يُصبح نقض ملف متعلق بقضاء القرب تقل قيمته عن 5000 درهم مُباحا وقانونيا واستئناف أو طلب نقض ملف تفوق قيمته 5000 درهم وتقل عن 50000 درهم مُحرما وغير قانوني، ونفس الحرمان والمنع يسري على كل قرار استئنافي يوازي الطلب فيه أو يقل عن 100000 درهم.

كلماتي هذه موجهة لمن يسهرون على تدبيج هذه المسودة، ألم تتحرك فيكم مشاعر العدالة التي وقفت مرتعبة غير مصدقة وأنتم سابقوكم يحرمون آلاف المتقاضين ممن قدموا ملفات استيفاء الوجيبة الكرائية أو الأحكام التي فيها الطلبات عن 20000 درهم من حق الطعن بالنقض حين أدرجوه في تعديل سابق لقانون المسطرة المدنية، دون أن يُقدموا بدائل فعالة ومُنصفة لمن تصدر ضدهم قرارات خاطئة أو ظالمة في هذا النوع من الملفات؟ أم أن كل همكم كان وما زال هو أن تنقصوا من كم هذه الملفات ذات المبالغ البسيطة والمتوسطة التي كان يطعن فيها بالنقض، وتشمروا على أكمامكم بدون وجه حق وفي خطوة غير دستورية عوض أن تكون لضمان حق الطعن بالنقض والاستئناف لجميع المتقاضين، مقررين أن الوقت حان لحرمان هذه الفئة من حق الطعن بالاستئناف أو النقض دون اكتراث بالنتائج، مقررين قطع ديدن العدالة الذي كان لمئات السنين.

إذا كان همكم هو أن تقللوا من عدد الملفات التي تُعرض على محاكم الاستئناف ومحكمة النقض، فهو مسعى خائب تحرمون بسلوكه فئة عريضة من الشعب من الطبقة الفقيرة والمتوسطة من حق الطعن بالاستئناف أو النقض وحق اتباع طريق العدالة حتى يصلوا إليها.

من فضلكم أوقفوا ما أنتم مقدمون عليه، وارجعوا إلى نصوص المسطرة المدنية التي كانت في بداية القرن وفي بداية السبعينات حين كانت تسمح للمتقاضين بسلوك كل طرق الطعن في وقت لم تكن فيه لا معلوميات ولا وسائل نقض ولا إمكانيات بشرية ولا مكتبية، وحين كان المحامون قلة، وحتى تحفظ الحقوق ولا تضيع بسبب الأمية التي كانت مستشريه وما زالت، كان يُسمح للمتقاضين حفاظا على حقوقهم في أن يمسك ملفاتهم من له خبرة في المحاكم والقانون والمساطر، وكان يُسمح للوكلاء الشرعيين في تمثيل الأطراف حتى لا تضيع حقوقهم مع قلة المنتسبين لمهنة المحاماة وكثرة الملفات، وحين زاد عدد المحامين وقل عدد الوكلاء الشرعيين جاءت تعديلات أخرى لتنهي استعانة المحاكم بالوكلاء الشرعيين وجعلها حكرا على المحامين، وكان حق الطعن بالاستئناف أو النقض من حق الجميع، وكان المتقاضون يؤدون عن الطعون رسوما قضائية بسيطة، وحتى المتقاضون الفقراء كفلت لهم المسطرة حق طلب المساعدة القضائية عن أداء الرسوم القضائية أو من أجل توكيل محام في إطار المسطرة القضائية. عجبا كيف كان هاجس من كانوا يعدلون القوانين ويخرجونها للحياة من قبل، هو أن العدالة يجب أن تكون من حق الجميع دون تمييز بين المتقاضين وهو الهاجس الذي كان يسكن ويُعذب ضمير أسلافنا مع قلة وندرة كل شيء، والعجب العجيب يتحول إلى دهشة لا تُصدق ونحن نرى كيف أصبح هاجس وقف سيل الملفات ومنحها فرصة واحدة أمام مرحلة واحدة بعلة تكاثر كم الملفات وضرورة التغلب على مشكلتها ووقف سيلها بطريقة غير عادلة ومنصفة ومجحفة بحق المتقاضين المغربة، نتساءل كيف استطاع هؤلاء ومن يسكنهم هذا الهاجس في جعل الملفات ذات المبالغ الصغيرة أو البسيطة قربانا لحل المشاكل التي هي طبيعية بحكم زيادة السكان، وكيف آمنوا بأن هذه الملفات هي التي تُغرق المحاكم ويجب أن نُقفل صنبورها بالقانون ونرتاح منها ومن أصحابها، وهم بفعلهم هذا آمنوا ببعض وكفروا بالكثير من آيات الملفات وظلموا أصحابها بئس التفكير الذي انحدرنا فيه، في وقت كثرة كل شيء، كثرة المحاكم، القضاة، المحامين، الوسائل البشرية والمكتبية وفي فورة المعلومات والاتصال.

الولوج إلى العدالة بكل درجاتها من حق الجميع وممارسة الطعن في الأحكام أمام جميع الجهات من حق الجميع، لذلك لا يكون تفكيركم تفكيرا يُعدم فئة من حق الطعن في الأحكام وتمتعون بها فئة أخرى بهذا الحقوق لأنهم أغنياء وملفاتهم ذات قيمة مالية مهمة.

البحث عن الحلول للإشكاليات لا يجب أن تكون على حساب العدالة والمتقاضين ولا يجب أن نُفرق بين من يستحق فتح باب الطعن في الحكم الصادر ضده بحسب قيمة الملف المالية، وإلا سينطبق على المتقاضين المغاربة المثل المتداول بين العامة والقائل: (شحال ما عندك شحال ماكتسوا عندي)، فضمان المساواة لجميع المتقاضين المغاربة في الطعون القضائية هو مبدأ عام لا يمكن المس به بهذه السهولة وبهذا الشكل المشوه والبشع والظالم.

وظفوا الكثير من القضاة والموظفين، اعملوا على تقريب المحاكم من المتقاضين بشكل أكبر.

مما لا شك فيه أن الكثير من المغاربة يتعرضون في تعاملاتهم المالية المدنية والتجارية والإدارية والعقارية لظلم بعض المتعاملين معهم، وتكون الوجهة التي يقصدونها لكي تنصفهم هي المحاكم الابتدائية، معلقين أملهم على أن تُنصفهم ، فإن لم تنصفهم حسب معتقدهم وفهمهم قالوا لك سنستأنف وهم آملون في أن تنصفهم محاكم الاستئناف غير فاقدين للأمل، وحتى لو خذلتهم محكمة الاستئناف حسب اعتقادهم ولم تنصفهم، يبقى الأمل لديهم مشتعلا ولا يخفت، ويقولون لك (غادي ندي قضيتي للرباط) أي محكمة النقض وكلهم أمل أن تُنصفهم محكمة العاصمة بعد أن خذلتهم حسب ما يعتقدون محاكم المدن الأخرى.

فمن فضلكم لا تطفئوا شمعة أمل المتقاضين المغاربة الفقراء والمتوسطين منهم وتحرمونهم من الحلم بالعدالة في سلوك طرق الطعن فأنتم ترمون بهم إلى اقتضاء الحقوق بأيديهم وترجعونهم من حيث لا تدرون إلى تفكير البعض منهم في اتباع عدالة اليد التي بادت مع ظهور القوانين وتنظيم العدالة بشكلها الحالي.

فكرة أخيرة أريد أن أثيرها قبل أن أختم مقالي هذا وأتمنى أن تعملوا على سنها، وهي أن الدول التي تحترم نفسها، تنشر أسماء الساهرين على التعديلات القانونية، في إطار الحق في الحصول على المعلومة ومعرفة من يجتهد ويجد لتعديل قانون ما، فإن أصاب في فكرته وتعديله رفعنا له القبعة وقدمنا له الشكر والتقدير، خصوصا من يعمل على عرض تعديلات حقيقية تصلح لعقود قادمة ولا نحتاج معها إلى تعديل بعد سنة أو سنين قليلة من دخولها في خدمة المتقاضين، وإن أخطأ وعرض تعديلات ضعيفة تُنذر بكثرة مشاكلها إذا عرضت وبدأ العمل بها، ليس نكاية فيه أو لإضعافه وإحباطه ولكن لدفعه في المرة القادمة لكي يُفكر ويُدير الفكرة والتعديل الذي يدور في عقله ألف مرة قبل أن يخطها على الورق ويضمها إلى أية مسودة قانون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • recuperar
    السبت 12 فبراير 2022 - 01:08

    السيّد إبراهيم و زهور القرآن

    أعادت هذه الرّواية تذكيري بجملةٍ، كثيراً ما طَرَقَت سمعي أثناء طفولتي، بل لازالت تطرقه إلى اليوم بين الفَينَةِ و الأخرى في وسائل الإعلام الفرنسيّة، إذا حضرَت مناسبةٌ ما تقتضي الحديثَ عن الشَّرق و حَضَارَتِه، هذه الجملة هي(سِحر الشَّرق).

    وليد الاسطل

  • 0.25
    الأحد 13 فبراير 2022 - 00:06

    هل تستنسخ الثقافات؟

    كم من رجل يتم اضطهاده بسبب الفقر مقارنة باضطهاد النسوة؟ لماذا نقفز على الحقائق؟ لماذا تُنتزع لبِنات محددة من بنيتنا الاجتماعية والتراثية تحت مسميات مختلفة؟ ألم نتعلم بعد من دروس الماضي؟ ألم تكن دراسة مجتمعاتنا على أيدي المستشرقين مدخلا للعبث بمستقبلنا وسببا في هزائمنا اللاحقة؟ لقد مجدنا العديد من أولئك المستشرقين لأنهم ادعوا دخولهم في الإسلام أو إعجابهم بثقافتنا في حين أعملوا معول الهدم والتآمر على تلك الثقافة؟ حتى نابليون بونابرت، ذلك السفاح ومجرم الحرب، أعلن إسلامه من الأزهر! من يقول أن هناك مفاضلة بين الأديان؟ أليس لكل دين فضائله التي تخدم مجتمعه؟ لماذا يتم التركيز على الدين الإسلامي؟

    سحر اليوسف

صوت وصورة
مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"

صوت وصورة
أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:17 1

أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"

صوت وصورة
المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:02 4

المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00 3

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة