يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته

يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
الإثنين 17 غشت 2026 - 06:44

ليس غريباً أن يغادر الصحافي العربي مهنته عندما يصبح ناطقاً باسم الرئيس أو وزيراً أو مستشاراً في السلطة. فالمغادرة هنا ليست انتقالاً وظيفياً، بل انسلاخاً عن جوهر الصحافة نفسها. أول ما يفعله هو سحق ذلك الجوهر الذي كان يفترض أن يحميه: الحق في السؤال، والشك، والرقابة، والوقوف على مسافة من السلطة. يتحول إلى صوت يبرّر كل ما تفعله الحكومة، ويهاجم زملاءه السابقين، ويعيد إنتاج خطاب السلطة كما لو أنه جزء من جهازها الأمني. لدينا جميعاً أمثلة تبعث على الخيبة؛ زملاء كانوا يكتبون بجرأة، ثم صاروا يكتبون بجرأة ضد كل ما كتبوه سابقاً لمجرد انتقالهم إلى وظيفة حكومية.

سأبتعد عن الأمثلة العربية التي تعرفونها جيداً، لأقف عند حالة مختلفة تماماً: كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب، التي غادرت منصبها هذا الأسبوع بإرادتها لا بتغريدة غاضبة من الرئيس، ولا بتوبيخ علني، ولا بإهانة كما جرت العادة مع كثيرين ممن عملوا معه. غادرت لأنها أرادت أن تعتني بأطفالها. هذه وحدها مفارقة تستحق التأمل. لكنها وفق الزميلة أروى مهدي في صحيفة الغارديان “تركت ورائها أرثا من الأكاذيب”!

ليس منصب المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض، حين يتعلق الأمر بترامب، منصباً هيناً. فمصطلح “الانضباط في الرسالة” يصبح بلا معنى في إدارة لا يعرف أحد—بمن فيهم الرئيس نفسه—ما الذي سيقوله بعد دقيقة. يغيّر مواقفه فجأة، يناقض كبار مسؤوليه، ويناقض نفسه. ومع ذلك، كانت ليفيت قادرة على أداء الدور الأصعب: إرضاء جمهور مكوّن من شخص واحد… هو ترامب.

ترامب بارع في التلاعب بالإعلام. شيطن الصحفيين وأطراهم وتلاعب بهم لعقود. يعرف شغف الإعلام بالعناوين المتغيرة، ويستخدمه كأداة للتشتيت. وفي هذا المناخ، كانت ليفيت تؤدي دوراً يشبه تماماً دور السكرتير الصحافي للزعيم العربي، رفضت أسئلة الصحفيين، هاجمت دوافعهم، ودافعت عن الرئيس حتى عندما كان يهاجمهم بألفاظ مهينة. نالت إعجابه بسبب “شفتيها السريعتين”، مع أنه لا يحتاج إلى متحدث باسمه؛ فهو أكثر الرؤساء صخباً في التاريخ الحديث، يوصل رسالته بنفسه عبر فوضى يومية من المنشورات والمقابلات والمشاحنات.

ومع ذلك، بقيت ليفيت في النهاية موظفة تغادر منصبها بإرادتها، وتعود إلى حياتها الخاصة دون أن تتحول إلى جزء من السلطة. لم تصبح وزيرة، ولم تُمنح حقيبة، ولم تُكافأ بمنصب سياسي، ولم تُطلب منها كتابة رواية جديدة عن الرئيس. غادرت ببساطة لأنها أرادت أن تعتني بأطفالها.

وقد أخبرتني زميلة سورية تعمل مراسلة معتمدة في البيت الأبيض، وتعرف ليفيت من خلف الكاميرات، أن الصورة ليست دائماً كما تبدو على المنصة. قالت لي: إن ليفيت، رغم حدّتها في المواجهات العلنية، كانت أكثر ودّاً ومرونة في الكواليس، متاحة للصحفيين، وتعرف كيف تفصل بين وظيفتها السياسية وبين احترامها للمهنة التي تقف أمامها كل يوم.

هذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في المنصب نفسه حين يتحول من وظيفة إعلامية إلى وظيفة سياسية.

أما نظيرها العربي، حين يغادر موقعه الصحافي، فإنه لا يغادره فعلاً؛ بل ينتقل إلى داخل السلطة نفسها. يصبح وزيراً، أو مستشاراً، أو ناطقاً رسمياً، أو جزءاً من ماكينة الحكم. يغادر الصحافة ليصبح جزءاً من الرواية الرسمية، ويبدأ بتدمير ما تبقى من استقلاليته، ويحوّل الصحافة إلى ملحق إداري في مكتب الرئيس.

جوهر الصحافة ليس وظيفة، بل شرف مهني. هو القدرة على قول ما لا يريد الرئيس سماعه، والوقوف في المسافة التي تحمي الحقيقة من السلطة، والاحتفاظ بالحق في الشك حتى عندما يكون الثمن باهظاً. الصحافي الذي يصبح جزءاً من السلطة يفقد هذا الشرف، مهما كان منصبه الجديد لامعاً. أما الصحافي الذي يغادر منصبه دون أن يغادر مهنته، فيحافظ على ذلك الشرف، حتى لو أخطأ، حتى لو دافع عن رئيسه، حتى لو كان جزءاً من ماكينة سياسية.

الناطق الرسمي—في أي بلد—لا يستطيع مهاجمة الرئيس أو الحكومة، هذا مفهوم. لكن ما ليس مفهوماً، ولا مقبولاً، هو أن يتحول إلى ممرّ للأكاذيب، أو إلى جهاز تبرير يقدّم الأخطاء بوصفها إنجازات، والوقائع بوصفها مؤامرات، والحقائق بوصفها “تشويه سمعة الدولة”.

لا يُطلب من المتحدث الرسمي أن يكون معارضاً، لكن يُطلب منه أن يكون نزيهاً، أن يقول ما يعرف أنه صحيح، وأن يرفض ما يعرف أنه كاذب، وأن يحتفظ بحدٍّ أدنى من احترامه لذاته وللمهنة التي جاء منها. هذا الحدّ الأدنى هو ما يسقط عند كثيرين في العالم العربي، فيتحول المتحدث الرسمي إلى جزء من ماكينة التضليل، لا إلى موظف يشرح سياسات الدولة.

الدفاع عن السلطة وظيفة سياسية. أما الدفاع عن الحقيقة فهو وظيفة الصحافة. المتحدث باسم الرئيس الأميركي—حتى في إدارة فوضوية مثل إدارة ترامب—يعرف أن مهمته ليست كتابة التاريخ، بل شرح موقف سياسي. يعرف أن الصحافة ستسأله، وستنتقده، وستسخر منه، وأنه سيغادر منصبه يوماً ما دون أن يغيّر موقعه من الحقيقة. أما المتحدث العربي، فيُطلب منه أن يكون جزءاً من صناعة التاريخ الرسمي، وأن يشارك في إعادة كتابة الوقائع، وأن يقدّم الرواية الحكومية بوصفها الحقيقة الوحيدة التي يجب على الرأي العام أن يصدّقها.

وهذا هو الفارق الجوهري: الصحافي الأميركي يغادر منصبه دون أن يغادر الحقيقة. العربي يغادر الحقيقة ليبقى في منصبه.

الأول يعود إلى حياته، والثاني يعود إلى السلطة.

الأول ينسحب من الدور، والثاني ينسحب من الصحافة نفسها.

الأول يخطئ، والثاني يبرّر الأخطاء.

الأول يترك المنصب، والثاني يترك الحقيقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
زائرون يشيدون بتنظيم معرض الفرس
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 10:36

زائرون يشيدون بتنظيم معرض الفرس

صوت وصورة
دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 09:23 3

دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة

صوت وصورة
اختتام فعاليات معرض الفرس
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 23:48 1

اختتام فعاليات معرض الفرس

صوت وصورة
طريق الموت بالمناصرة
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 21:41 6

طريق الموت بالمناصرة

صوت وصورة
مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:43 1

مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية

صوت وصورة
أزمة الركن تخنق الرباط
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:08 6

أزمة الركن تخنق الرباط