بنيس: التزمّت الديني والاستهلاك الإعلامي يغتالان ألق العربية

بنيس: التزمّت الديني والاستهلاك الإعلامي يغتالان ألق العربية
الأحد 12 فبراير 2017 - 04:00

في ليلة باردة، تدفأ مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث بمدينة المحرق التاريخية، شمال البحرين، بباقة من قصائد الشاعر المغربي محمد بنيس. لمعت شمس الكلمات وأينعت شجرة الحلم في قصائد “فاس الدهشة”، و”تحت سماء الخطوط”، و”سكر”، و”لم أعد أذكر متى جاءني الأزرق”..

القصيدة الباذخة، معنى ومبنى، سبرت أغوار المجهول واللانهائي. شعر فرض بهاءه على الفضاء وحفر عميقا في الذوات وهي تنصت لارتطاماتها الداخلية. كانت ذبذباته لذيذة وموجعة في آن. ذبذبات كان وقعها ممتدا لا آنيا.

إنها صنعة الشعر البارعة: الصور تولد وتلاحق بعضها البعض واللغة شفيفة وكأنها تتدفق صافية من نبعها الأول. حركات اليد تؤثث المشهد وكأنها يد مايسترو يبدع تقاسيم سمفونية فريدة، والصوت ينخفض حد الهمس ثم يعلو كموج هادر قبل أن يخيم الصمت على المشهد.

إنه الشاعر الحداثي يغدق الجمال مدرارا، ويفتح نوافذ الحلم السالك نحو طهرانية الذات والعالم، نحو المرتع الخصب الشاسع للحياة والحب.. هي صرخة الحرية مدوية في وجه التحجر والانغلاق، البشاعة والقبح.. من غير الشاعر يفك طلاسم وجودنا الغامض والغرائبي ويكنس الرواسب المتحرجة في دواخلنا؟. من غيره يدثرنا بورقة البهاء لنستدفئ من برد وعراء الوقت.. ؟ “إنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره”، يؤكد ابن رشيق القيرواني في كتاب “العمدة”.

وطأ بنيس لقراءته الشعرية برسم صورة قاتمة للزمن الراهن المضاد للشعر، حيث نجتاز في زمن الأدب التجاري الإعلامي مرحلة العولمة وهجران اللغة التي لم يبق لها بعد، وهذا الهجران هو للشعر أيضا. لقد سجل بمرارة أن الشعر العربي انطلق من فكرة العروبة وأساسها اللغة والآداب، “وهذه الفكرة ستغيب عنا غيابا شبه طويل”.

فكرة العروبة هي التي أعطت اللغة العربية مكانها، وكان الشعر في مقدمة الأدب الذي قام بثورة في الثقافة العربية، وكل من يعرف الشعر العربي يدرك أن الشعراء قاموا بعمل مدهش في اللغة العربية وفي العقلية والخيال والتصور. وهذا كله يتعرض اليوم للهجران إما إلى الرواية وإما إلى خطاب ديني متزمت، أو إلى خطاب إعلامي استهلاكي.

هجران اللغة هذا يتطلب، من منظور الشاعر، مقاومة من خلال اعتبار الشعر لغة أولا. إن حب الشعر والدفاع عنه هو أولا تمسك باللغة والاشتغال عليها لأن ما يجب أن يبقى هو اللغة، وما يبقى يؤسسه الشعراء وحدهم.

الشعر سيد المجهول لا المعلوم، وثمة حاجة للعودة إلى المجهول، إلى الأساس في الإنسان. الإنسان أساسه ليس المعلوم ولكن المجهول، إنما هو ليس هذا المجهول الذي يلتبس علينا ولكنه المجهول الذي يقودنا نحو اللانهائي فينا، وهذا لا يكون إلا من خلال هذا الشعر الذي يفجر كل الحدود الممكنة من أجل بلوغ الأفق اللانهائي.

إن كل الشعراء الذين يقاومون من أجل الشعر، يؤكد صاحب ديوان “هناك تبقى”، هم واعون أكثر بدور الشاعر في هذا الزمان. إنه ليس شاعر الخطابة أو البلاغة، وليس شاعر الفتنة.. هو شاعر يشتغل في المناطق السلمية التي نكاد لا نراها.

الشاعر المغربي شدد على أن الشعر كان دائما ضروريا لأنه هو العنصر الذي يصل بالإنسان من خلال اللغة إلى أصفى حالات الأحاسيس والعلاقة بالأشياء وبالآخرين وبالكون. إلا أن هذه الضرورة تأخذ أشكالا متعددة حسب مراحل من التاريخ أو أوضاع حضارية وعلمية مختلفة.

نحن اليوم نعيش مرحلة صعبة في العالم العربي مطبوعة بالتطرف الديني وفكر الانغلاق الذي لا يرى في الحياة سوى ما بعد الموت، يردف بنيس، مبرزا أن الشعر هو لغة الحياة، والتشبث بالحياة هو تشبث بالشعر في الوقت نفسه لأنه هو الذي يعلمنا في كل لحظة كيف يمكن أن نتعامل مع تفاصيل حياتنا ولكن في نفس الوقت مع الأسئلة الكبرى التي نحس أنها تعترضنا في حياتنا أو أنها تفتح لنا أفقا لكي نتعلم كيف نعيش.

لذلك يجزم الشاعر بأن ضرورة الشعر اليوم هي ضرورة مضاعفة، وهذا ليس مجرد كلام بلاغي أو دعائي ولكنه صادر عن تصور للشعر وأهميته عبر المجتمعات والتاريخ، وهذه هي الضرورة المضاعفة التي لا بد أن ننتبه إليها اليوم في العالم العربي إذا كنا فعلا نفكر في تجاوز ما نعيشه بأفق مفتوح على المستقبل، ولا نكون في تفكيرنا منحصرين فقط في تفكير إما أمني أو وقائي محدود الفاعلية والأثر.

وعن الشعرية، يوضح بنيس أنه في القديم كان الإلمام بالتقنية الشعرية محدودا في مجموعة من القواعد الأولية وكان على الشاعر أن ينمي في ما بعد شخصيته الشعرية، أما اليوم فلم تعد هذه الضوابط بالصرامة التي كانت عليها من قبل. هناك ضوابط أخرى منها ما يمكن أن نلمسه بسهولة وهناك ما لا يمكن أن نعرفه إلا من خلال شاعر معين.

إن الشعرية اليوم، وكما في كل الأزمنة، شعرية فردية ولكن كان هناك غطاء إما للشعرية العربية أو الشعرية اليونانية أو الفارسية وغيرها وهذا شيء طبيعي، إلا أننا اليوم، يبرز الشاعر، أمام شعريات فردية أوضح، وهي شعريات تتطلب مجهودا مضاعفا في استيعاب هذا الجانب الذي كان أساس بناء القصيدة العربية أولا، ثم الانفتاح على التجربة الشعرية الحديثة في كل مكان، لأن هذا هو مصيرنا، وفي الوقت نفسه لابد من أن يستطيع الشاعر أن يصل إلى تكوين لغته الخاصة وعالمه الشعري الخاص، وهو ما يبرر كتابة الشعر، وبهذا نصل إلى النقطة الأساسية وهي الصوت الشخصي للشاعر وشاعريته.

* و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • سعيد صادق
    الأحد 12 فبراير 2017 - 07:11

    لماذا التحامل على الدين باسم الشعر و احيانا الفن .الدين يهذب الذوق وينقي الاذن من الصراخ ومن الضوضاء ويرحب بالابداع الذي يذكي في القلب معاني الحب و الجمال.
    النفوس الهادئة المطمئة تتذوق اجمل واعظم كلام كلام الله وتؤجر على تلاوته وتميل الى القول الحسن من البشر كان شعرا او نثرا .

  • شاعر
    الأحد 12 فبراير 2017 - 10:01

    هذا الشعار والله مايعرف من الشعر سوى الإسم…يدعي انه شاعر محنك وشعره حتى الحمير ترفضه…عندما أقرأ قصائده أحس وكانني أقرأ كلمات فقدت معانيها وخالية من أي صورة شعرية نصيحتي اليه من هذا المنبر الحر أن يبتعد عن الشعر وغيره وانصحه بأن يحفظ قصائد الشعر الجاهلي والمعاصر حتى يتعلم الصور الشعرية وجماليتها….

  • ansari
    الأحد 12 فبراير 2017 - 11:26

    والله إن بعض ما يسمى قصائد تكون أقرب إلى هذيان شخص محموم ..لا جمالية ولا وزن ولا هم يحزنون..أتحدى هؤلاء الشعراء أن يكتبوا قصائد على شاكلة ما كتبه أحمد مطر أو نزار قباني..

  • المجيب المقنع
    الأحد 12 فبراير 2017 - 14:15

    اصدق تعليق على قصيدة "هناك تبقى" هو بالدارجة "تما تبقا".فبالملموس الدارجة عميقة.

  • طالب
    الأحد 12 فبراير 2017 - 15:29

    رحم الله الشعر حينما كان شعرا. أما هؤلاء الشعراء الحجاثيون فوحدهم يفهمون قصائدهم. أما القارئ فلا وجود له في اعتبارهم. حينما تقرأ أحمد مطر والدرويش والبياتي والسياب وأحمد شوقي والمتنبئ تشعة إليهم مقياس للشعر ر بهيبة الشعر وجمال الشعر. أما بنيس وأمثاله من الشعراء الحداثيين المغاربة فيتعمدون الغموض من أجل الغموض. وكأن الغموض بالنسبة إليهم مقياس لشعرية الشاعر. بنيس شاعر مغمور في المغرب وهو يكتب لنفسه. ويتحدث دوما عن الشعرية الباذخة متناسيا أن الشعر هو الشعور فمتى أحس بك القارئ وفهم ما تريد قوله فقد شعر بك وشعرت به. … شخصيا أعتبره باحثا لا شاعرا..

  • ع عبد العدل
    الأحد 12 فبراير 2017 - 18:57

    لا يوجد أحد أهان الشعر مثل هؤلاء الشعراء الذين يكتبون شعرا لا يفهمه أحد، شعر بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة. شعر لا يمكن حفظه، أو الاستشهاد به.

    واللغة العربية هي من صنعت الشعر العربي، وليس العكس، لذلك يجب على الشعراء العودة للغة العربية الصافية الجميلة دون غموض، لإعادة ألق الشعر.
    أما اللغة العربية فلا تحتاج الشعر لتتألق.

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 1

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 2

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 9

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي