استهل الفنان المغربي عمر السهيلي، المعروف فنيا باسم “ديزي دروس”، حديثه خلال حلوله ضيفا على أولى حلقات الموسم الجديد من برنامج FBM لنعبر الذي يبث على قناة “ميدي1 تيفي”، بتناول علاقته بالشأن العام ونظرته إلى العملية السياسية في المغرب، مستحضرا التحولات التي طرأت على مواقفه؛ بدءا من الاعتقاد في مرحلة سابقة بأن السياسة “مسرحية” لا يملك المواطن تأثيرا فيها، مرورا بالإيمان بإمكان المشاركة والدفاع عن المصالح، وصولا إلى واقعية ممزوجة بـ”خيبة أمل” تجاه الحياة السياسية، دون أن يعني ذلك الانسحاب من المشاركة أو الاكتفاء بالانتقاد.
وأضاف ضيف الإعلامي بلال مرميد أن الفنان لا يمكن فصل أعماله عن مستوى وعيه وموقفه من محيطه، معتبرا أن ما يقدمه الفنان يعكس في نهاية المطاف درجة وعيه بالشأن العام والقضايا التي تحيط به.
كما تحدث ديزي دروس عن تجربته الفنية وخياراته الإبداعية، موضحا أن ألبومه الجديد “أفلام” يقوم على تصور موسيقي وبصري يتجاوز منطق اللحظة و”الترند”، ويراهن على أعمال قابلة للاستمرار والاستماع إليها اليوم وفي المستقبل، مع اعتماد التكثيف والاقتصاد في الكلمات والصورة دون الإفراط في الشرح.
وسجل الفنان المغربي أن رهانه على الصورة لا ينفصل عن تصوره للصناعة الفنية، مبرزا أنه يتعامل مع إنتاجاته المصورة باعتبارها استثمارا في صورته وفي اسم الفنان وفي صورة المغرب أيضا، إلى جانب حديثه عن كلفة العمل الموسيقي والعروض الحية وصعوبة بناء نموذج اقتصادي مستقر للجولات الفنية، فضلا عن تجربته في “هرس” واقترابه من مجال السينما، ومساره الذي قاده من الراب إلى تجارب أخرى في الألعاب الإلكترونية والتمثيل، مؤكدا أن حب المهنة والشغف بها يظلان بالنسبة إليه المحرك الأول للاستمرار والإبداع.
وعي الفنان
قال ديزي دروس إن خيبة الأمل من الممارسة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى انسحاب من المشاركة، مشددا على أن ترك المجال للآخرين يعني استمرارهم في اتخاذ القرارات وصناعة المستقبل.
وأبرز أن الفنان، باعتباره جزءا من المجتمع، لا يفترض أن يكتفي بالتفرج والانتقاد؛ بل عليه أن يتحمل جانبا من المسؤولية، موردا أن المواقف والأعمال التي يقدمها الفنان تعكس بالضرورة مستوى وعيه.
وفي حديثه عن طريقة تعاطي الفنانين مع الاستحقاقات الانتخابية، أوضح ضيف البرنامج سالف الذكر أن لكل فنان اختياراته وطريقته في التعبير، مشيرا إلى أن البعض قد يفضل الابتعاد عن القضايا السياسية أو الاجتماعية؛ وهو ما يمكن أن يعكس طبيعة رؤيته ومستوى اهتمامه بهذه الملفات.
زمن الترند
بخصوص ألبومه الجديد “أفلام”، الذي جاء بعد سنوات طويلة من صدور ألبومه السابق، أوضح ديزي دروس أن مدة 13 سنة لا تعني أنه ظل يشتغل على الألبوم طوال هذه الفترة، مبرزا أن العمل الفعلي استغرق نحو عامين، تخللتهما ظروف السفر والعمل في الأستوديو.
وأكد الفنان المغربي أنه اختار التعامل مع الموسيقى بمنطق يتجاوز الزمن، بحيث يكون العمل قابلا للاستماع بعد سنوات طويلة ويحافظ على قدرته على منح المستمع الإحساس ذاته، مستحضرا أعمالا موسيقية صدرت منذ عقود ولا تزال تحتفظ بقيمتها.
وسجل أن هناك فنانين يشتغلون وفق منطق “الترند” وما يشغل الجمهور خلال فترة معينة؛ بينما اختار هو الابتعاد عن هذه الممارسة والتركيز على أعمال يمكن أن تعيش لفترة أطول، لافتا إلى أن ألبوم “أفلام” جاء امتدادا لهذا الاختيار.
أشار ديزي دروس إلى أن الألبوم يحمل بعدا بصريا واضحا، مبرزا أن عددا كبيرا من مقاطعه يمكن تحويله إلى أعمال مصورة؛ وهو ما يفسر ارتباطه المتزايد بالسينما والصورة.
كما تحدث عن كليب “هرس”، الذي شارك فيه الفنان أمين الناجي، موضحا أن العمل اعتمد على عناصر سينمائية وبصرية متعددة، وأنه لم يكن يرغب في تقديم صورة سهلة الاستهلاك؛ بل في تحدي المتلقي ودفعه إلى التفكير في المضامين التي تحملها.
وتابع قائلا: إن هذا الاختيار لا يقتصر على الصورة فقط؛ بل ينسحب أيضا على الكتابة الموسيقية، مشددا على أن عددا من أغانيه بات يكتبها بطريقة بصرية، حيث لا تكون الموسيقى مجرد أصوات وكلمات، وإنما عملا يمكن أن تتشكل له صورة في ذهن المستمع.
في حديثه عن تجربته في الراب، أبرز ديزي دروس أن هدفه داخل الأستوديو يتمثل في التعبير عن أكبر عدد ممكن من الأفكار بأقل عدد من الكلمات، مصرحا بأن كل سطر ينبغي أن يحمل فكرة واضحة وأن حذف الزائد من الكلام جزء من بناء العمل الفني.
واعتبر أن هذا المنطق ينعكس كذلك على الصورة؛ إذ لا يحتاج المشهد السينمائي إلى شرح كل التفاصيل للمتلقي، بقدر ما يمكن للصورة وحدها أن تؤدي وظيفة السرد، مشيرا إلى أن السينما المغربية ما زالت، في نظره، تميل أحيانا إلى الإفراط في الشرح وقول كل شيء حتى يفهم الجمهور الرسالة.
استثمار الصورة
عن سؤال عائدات الكليبات وتكلفتها، علق الفنان المغربي على الموضوع بأن اهتمامه لا ينصب فقط على العائد المالي المباشر، وإنما يعتبر الإنتاج البصري استثمارا في صورته كفنان وفي صورة الصناعة الفنية المغربية.
واستدرك قائلا: إن العمل المصور بشكل احترافي يمكن أن يشكل “بطاقة تعريفية” للفنان وللبلد، إذ يمكن لمخرج أو فنان من الخارج أن يكتشف من خلاله الإمكانات التقنية والبشرية المتوفرة في المغرب؛ وهو ما قد يفتح المجال أمام مشاريع وتصوير أعمال أجنبية داخل المملكة.
ولفت الانتباه إلى أن الاستثمار في الصورة بالنسبة إليه مرتبط أيضا ببناء “البراند” الخاص به كفنان، حتى يعرف الرعاة والشركاء المحتملون طبيعة المستوى الذي يشتغل به، مشددا على أن جودة الصورة لا يمكن اختزالها في الجانب التجاري فقط.
جولات فنية
وفي سياق حديثه عن عودته إلى الحفلات، أشار ديزي دروس إلى أن الفنان المغربي أصبح قادرا على تنظيم جولات أوروبية، مؤكدا أن جولته المقبلة ستشمل عددا من المدن الأوروبية؛ من بينها برلين وباريس وزوريخ وأمستردام، في لقاءات مع أفراد الجالية المغربية.
وفي هذا الصدد، كشف بأن الحياة المهنية للفنان ليست دائما وردية، وأن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب التضحية وحب المهنة والشغف بها، موضحا أن بعض المشاريع قد لا تحقق مردودا ماديا مباشرا؛ لكنها تساهم في تطوير مستوى الفنان والارتقاء بتجربته وإعطاء نموذج للأجيال الجديدة.
صناعة مكلفة
وفي سياق حديثه عن الإنتاج الفني، أفاد الفنان المغربي بأن بناء نموذج اقتصادي حقيقي للموسيقى الحية في المغرب ما زال يواجه صعوبات، خصوصا بالنسبة إلى الفنانين الذين يشتغلون مع فرق موسيقية كاملة.
وأورد أن تقديم عروض موسيقية احترافية يتطلب تغطية أجور الموسيقيين وتكاليف التداريب والتنقل والتحضير، مع ضرورة وجود هامش ربح يسمح باستمرار المشروع، معتبرا أن الاقتصار على مهرجان أو مهرجانين خلال السنة لا يوفر بالضرورة الشروط الاقتصادية اللازمة لبناء فرقة موسيقية مستقرة.
وأضاف ضيف مرميد أن المغرب لا يزال يفتقر إلى نموذج منتظم للجولات الفنية يتيح للفنان معرفة عدد العروض التي سيقدمها خلال السنة؛ وهو ما يجعل الاشتغال في الموسيقى الحية يتم غالبا بطرق فردية ومتفرقة.
الراب والسينما
وتطرق ديزي دروس أيضا إلى تجربته في التمثيل، خاصة من خلال مشاركته في أعمال مصورة، مشيرا إلى أن الانتقال من الموسيقى إلى مجالات أخرى يفرض عليه خوض تجارب جديدة والاشتغال على الصورة من زوايا مختلفة.
وفي هذا السياق، استحضر مشاركته في كليب “هرس”، مبرزا أن الشخصية التي قدمها كانت مركبة وتتطلب الاشتغال على الصوت والملامح والكلام والأداء، معتبرا أن ردود الفعل التي تلقاها حول التجربة كانت إيجابية.
كما تحدث عن مشروعه في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، كاشفا أنه أتيح له تقديم المشروع أمام ولي العهد الأمير مولاي الحسن خلال افتتاح دورة مغربية لصناعة الألعاب الإلكترونية في ماي الماضي.
وخلص ديزي دروس إلى أن المسار الفني لا يصنعه الربح وحده، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى الحب والشغف والاجتهاد، معتبرا أن الإتقان والعمل الجاد يمكن أن يفتحا للفنان أبوابا جديدة لم تكن في الحسبان.
واستحضر في هذا السياق بداياته ومساره الدراسي، مؤكدا أن طفولته ومساره لم يكونا بالضرورة مليئين بالمحطات المضيئة؛ لكنه استطاع، من خلال الراب والاجتهاد، الوصول إلى تجارب جديدة والانتقال إلى مجالات أخرى، معبرا عن امتنانه للموسيقى التي شكلت مدخله إلى هذا المسار.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.