الذكرى الأربعينية لرحيل الفنان الدخيسي .. أب رحيم وركح يتيم

الذكرى الأربعينية لرحيل الفنان الدخيسي .. أب رحيم وركح يتيم
الثلاثاء 2 ماي 2017 - 23:55

تحل اليوم الذكرى الأربعينية لرحيل علم من أعلام المسرح المغربي؛ الأستاذ جمال الدين الدخيسي، الذي وفاه الأجل المحتوم يوم الجمعة 24 مارس الماضي، بعد رحلة حافلة بالعطاء طبعت الميدان المسرحي والسينمائي ببصمة ستبقى علامة فارقة تشيد بها الأجيال.

ولد الفقيد بوجدة الأبية كما كان يقول، بها نشأ وتلقى تعليمه الأولي لينتقل إلى ثانوية عبدالعزيز، ثم يهاجر إلى روسيا للدراسة بالأكاديمية الروسية لفن المسرح، وكان من حسن الطالع أن يتلمذ على يدي كبار المدرسة الستانسلافسكية، وخاصة الأستاذة ماريا أوسبوفنا كنيبل التي نهل من معينها طريقة التحليل الحركي في فن التمثيل والتشخيص.

بعد التخرج يعود الفقيد إلى أرض الوطن مثقلا بعشق أبي الفنون، وبأمل الإسهام في حركة مسرحية مغربية تستلهم قواعدها من مدراس الإخراج العالمي، وتستمد شرعيتها من هموم وقضايا الإنسان المغربي المعاصر؛ وتشاء الأقدر أن تتزامن عودته مع انتعاشة مسرحية انبعثت من ثنايا الرسالة المولوية التي دعا فيها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني إلى الاهتمام بالمسرح والمسرحيين، ليشرع المرحوم في تنفيذ أحلامه بمحترف المسرح، حيث ألفى نفسه محاطا بشباب متلهف لتجربة فرجوية متفردة كان الأستاذ الدخيسي حامل مشعلها، وأبا حاضنا لتأسيسها.

وبأوراش تكوين الممثل التي كان يؤطرها في الملتقيات الوطنية، ومن خلال دروسه بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي أستاذا ورئيسا لشعبة التشخيص، ومن منطلق رصيده النظري والتطبيقي في الدراماتوروجية التي كان يلقنها لتلاميذه في قاعة الكنفاوي بمسرح محمد الخامس، الذي صار مديرا له قبل أن يلتحق بوزارة الثقافة رئيسا لقسم المسرح، وحتى بعد اعتلائه منصب مدير للمعهد الذي كان فيه أستاذا نصوحا وأبا رحيما لأفواج كثيرة من خريجي الفن المسرحي والتنشيط الثقافي ببلادنا؛ من خلال كل ذلك أبان الأستاذ جمال الدين الدخيسي عن صدقه وانتمائه العقلاني إلى فن الملسوعين..

طوال هذه الرحلة التأسيسية عرف الراحل بأخلاقه العالية وشدة حيائه وصرامته في العمل وجرأته وشجاعته في اتخاذ القرارات الحاسمة، إلا أن الملفت في شخصيته هو إصراره على تشبيب المشهد الثقافي والفني ببلادنا بنجوم كبار في السينما والمسرح وصناعة الفرجة على أصولها، وارتقاؤه بالمستوى الجمالي والموضوعاتي للعروض المسرحية والسينمائية، فاهتم بإعداد الأجيال لتحقيق هذا الرهان، كما اهتم بنوعية العروض انتقاء وتقويما وتشجيعا، موجها عنايته لتكوين أوركسترا سيمفونية بمسرح محمد الخامس تفخر بها بلادنا، وساعيا إلى خلق ريبيرتوار مغربي للمسرح العالمي، وكان يعتبر المسرح التجاري نوعا من التمسرح فرض نفسه تحت الطلب.. سألناه مرة “هل يتفرج على عروض المسرح التجاري”، فأجاب: “نعم، عندما يتعبني العمل وأشعر بالرغبة في الضحك من غير تفكير”.

أول عمل أنجزه الراحل بعد عودته إلى أرض الوطن مسرحية مهرجان المهابيل لمحمد مسكين، وبمناسبة عرضها نظم جولة ناجحة في المغرب والجزائر وتونس والعراق، تلاها إخراجه لتلاميذه في الريبرتوار عدة مسرحيات؛ منها “المنظفات الثلاث” لأنطوان تشيكوف و”عدو الشعب” لإبسن؛ كما شارك بالتمثيل في “الوشاح الأحمر” لمحمد اليونسي، و”الذئاب لا تنام” لهشام الجباري، و”حياة بريئة” لمراد الخودي.

بيد أن معظم إطلالاته السينمائية كانت رفقة رشيد الوالي في أفلامه “يما “، و”أوركسترا منتصف الليل”، و”نوح لا يعرف العوم”، وهو آخر فلم ودعنا فيه الراحل، ليراكم بذلك تجربة عميقة تجاوزت ثلاثين سنة من العطاء في الإخراج والتمثيل المسرحي والسينمائي والتلفزي؛ تجربة أحاطها بهالة جادة من التأطير والتنظير والتطبيق، جعلته يحظى بالتقدير والاعتبار، ويستحق عليها أول تكريم له في الدورة 18 للمهرجان المسرحي بتطوان، ثم نيل جائزة أحسن ممثل في مهرجان مكناس للدراما التلفزية، إلا أن المرض اللعين الذي غادر على فراشه الحياة غيبه عن تسلم الجائزة بيده، ولتكون آخر إطلالة له على منصة التكريم يوم افتتاح الدورة 18 في المهرجان الوطني للفلم بطنجة، حين رآه جمهوره سعيدا مبتهجا لما لاقاه من ترحاب بالرغم من أعراض المرض الذي أوغل في جسمه كثيرا.

يمرض الأستاذ جمال الدين الدخيسي، الفنان الشامخ والأب الروحي لأجيال المسرح المعاصر ببلادنا، ثم يرحل عنا كما كل الأحبة الذين يؤلمنا مرضهم ورحيلهم، ثم نتصابر.. ونكابد.. ونعزي أنفسنا بإسهاماته التي ستخلد ذكراه بالتأكيد.. لكن، أن يكون يوم الفرح بميلاده هو نفسه يوم الحزن على رحيله، فتلك هي التراجيدية التي لم يعلمنا كيفية إخراجها على ركحنا اليتيم…لن تنسى أيها الأب الرحيم.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • L IGNORANT
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 00:33

    كان صديق حميم لأحد أعز أصدقائي ـــ جالسته عدة مرات بحي الفتح ـ الرباط ـــ ولم أكن أعلم عنه كل هذا لأنه كان قليل الكلام

    بالمناسبة أقدم تعازي الخاصة لأخيه ألذي عرفته في الماضي في عدة مناسبات والذي لا يقِل عنه حنكة ولا عطائا
    وكذلك لعائلته ودويه وأصدقائه و كل رجالات الفن

    إنا لله وإنا إليه راجعون

  • عبدالجبار بهم
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 01:10

    شكرا لفريق العمل في جريدتنا الإلكترونية الرائدة على وفائها لابينا الراحل جمال الدين الدخيسي..

  • ouardi
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 06:07

    c un ami de classe a oujda au primaire ecole ibn khatib et lycee omar a oujda

  • عبدالكريم بوشيخي
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 07:55

    رحم الله الفقيد الكبير جمال الدين الخيسي في الذكرى الاربعينية لوفاته التي خلفت خسارة كبرى في الميدان المسرحي و السينمائي لانه من الصعب تعويضه في هذا الوقت و اظن ان متابعة دراسته في ثانوية عمر بن عبدالعزيز في مدينة وجدة ساهم في نبوغه و تكوين شخصيته خصوصا و ان هذه الثانوية الشهيرة كانت تعتبر منارة في التحصيل العلمي ليس في الجهة الشرقية فحسب بل في المغرب عامة و كانت تعتبر بوليتكنيك مصغرة في جودتها حيث تخرج منها صفوة الاطر المغربية و مع الاسف قد خفت بريقها مع تدهور مستوى التعليم كله فرحمة الله عليه و اسكنه فسيح جنانه.

  • يحيى البيضاوي
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 09:40

    اللهم يارب في هدا الشهر المبارك ارحمه واغفر له وارحم امي وجميع اموات المسلمين

  • abdou
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 17:01

    الذي لايعلمه الكثير عن الاستاذ جمال الدين ادخيسي رحمه الله انه اثر رجوعه الى ارض الوطن من روسيا,اشتغل مديرا بالمركز الثقافي بالمدينة المنجمية جرادة شرق المغرب.هذه المدينة كانت تحوي مسرحا رائعا بمواصفات الفن السابع..اثرها
    كنت تلميذا بالثانية اعدادي وقمنا بزيارة نحن التلاميذ لهذا المركز..السيد جمال الدين ادخيسي هوبنفسه من اعطى لنا الشروحات التفصيلية عن الكيفية التي يشتغل بها المسرح.كان رحمه الله متواضعا وكان في ريعان شبابه وسيما ; ذو شخصية جذابة يجعلك تنصت اليه لاتقانه للفصحى ولكاريزمته..رحمك الله وادخلك فسيح جنانه.

  • Dounia dkhissi
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 17:42

    Mon papa chéri la vie sans toi ne vaut rien mais vraiment tu étais une personne formidable, un homme exceptionelle, un papa formidable je t'aime d'amour mon papa lah irahmek Hbiba diali

  • Abderrahmane KROMBI
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 18:40

    Mon cher directeur et ami, Si Jamal Eddine DKHISSI
    Tu nous a quittés, mais ton âme emprunte de bonté nous la gardons dans notre esprit …Tu étais tyellement gentil avec moi, avant même que tu ne sois nommé à la de la direction du Théâtre National Mohammed V…Tu m'appelez "Mr le directeur général" je refusai cette appellation , mais tu insistais…Quand tu nous accompagnés à Baghdad en 1989 pour présenter la pièce de Med Meskine"Mihrajane Al Mahabil", ce fut un événement de faire jouer sur scène devant les ténors du théâtre arabe, nos jeunes comédiens avant la sortie du premier groupe de l'ISADAC! Qu'Allah t'aie en sa sainte miséricorde…Amine

  • النورس
    الأربعاء 3 ماي 2017 - 21:06

    الله يرحمو و يوسع عليه . من قراءة النص يعطيك لمحة عن الرجل الفذ. أعجبت بدوره في فيلم الذئاب لا تنام مع داداس . خسارة كبرى للفن المغربي.

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 5

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي