24 ساعة

النشرة البريدية

استطلاع الرأي

هل أنت مع العفو عن المبحوث عنهم من مزارعي الكيف غير المتورّطين في التصنيع؟

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | مدارات | الدولة السعدية... كيف نشأت امبراطورية عظيمة من قرية صغيرة؟

الدولة السعدية... كيف نشأت امبراطورية عظيمة من قرية صغيرة؟

الدولة السعدية... كيف نشأت امبراطورية عظيمة من قرية صغيرة؟

ميزت تاريخ المغرب العام أحداث عظيمة منها تأسيس الدولة السعدية خلال القرن 16م، ومن المواضيع التي تتصل بهذا الحدث العظيم دور الشيخ محمد بن مبارك الأقاوي (نسبة إلى أقا وهي منطقة تابعة حاليا لإقليم طاطا) في تأسيس هذه الدولة، و رغم أهمية هذا الحدث التاريخي إلا أن الدراسات والأبحاث التاريخية تحاشت الخوض في تفاصيله، إما بمبرر شح المادة المصدرية و انعدام الوثائق المرجعية، و إما تحت تأثير إرادة تشاء أن تظهر الهوامش كأن لا حظ لها في التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد.

ونرمي من خلال هذه المحاولة أن نقدم توضيحا حول معنى تأسيس الدولة السعدية من أقا، وطبيعة دور الشيخ بن مبارك الأقاوي في ذلك، الذي اعتاد الكثيرون الحديث عنه باقتضاب وبنوع من الافتخار المطلوب طبعا لكن دون شرح و توضيح، سيما أن المرحلة تقتضي القيام بهذا التوضيح، طالما بيننا بعض من يدبرون شؤون المنطقة دون الالتفاتة إلى ما لها من رصيد في التاريخ.

تتفق جل مصادر تاريخ المغرب في العصر الحديث على أن الشيخ محمد بن مبارك الأقاوي من مؤسسي أولى فروع الزاوية الجزولية بالجنوب المغربي، و التي تتصل بالقطب الصوفي محمد بن سليمان الجزولي، و بهذا الانتماء تكون الصورة التي يمكن نسجها عن شخصية الأقاوي، هي كونه ذلك الصوفي التقي الورع المنغمس في الروحانيات و فقه الباطن، لكن بين كتاب التاريخ من ينعثه بألقاب تنهل من السياسة من قبيل الأمير و السياسي، و نجد هذا الوصف عند الحسن الوزان (ليون الإفريقي) في كتابه وصف إفريقيا، و محمد حجي في مؤلفه الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين.

وأمام هذين الوصفين أجدني مضطرا كما يفرض علينا المنهج بداية أن أطرح سؤالا بديهيا، هل كان للأقاوي اهتماما بالسياسة؟ و أكثر من ذلك هل كان لديه طموح لإنجاز مشروع سياسي في تلك الفترة؟ و إن كان ذلك في حكم المؤكد فما طبيعة هذا المشروع و ما حدوده و امتداداته؟

حسب المعطيات التاريخية المتاحة فإن العمل السياسي للشيخ محمد بن مبارك الاقاوي بدا جليا منذ سنة 915 هــــ (1509 م)، و في مضمون الحكاية أن وفدا يمثل قبائل سوس اتصل بالشيخ في زاويته بأقا، و نفهم من خلال ما ورد في كتاب المغرب في عهد دولة السعديين للأستاذ عبد الكريم كريم أن الغاية من هذا الاتصال هي، تقديم طلب من قبائل سوس للشيخ الأقاوي للقيام بأمرها و توحيد صفوفها، و أول ما يمكن الانتباه إليه عند تأمل الحدث أن المبادرة السياسية هاته لم تكن من طرف الأقاوي، بينما ارتبطت بالقبائل السوسية، و يعني ذلك أنه لم يكن إلى حدود ذلك التاريخ يحدوه أمل بتحقيق انجاز سياسي كبير، و لم يكن يشتغل من أجل تحقيقه مشروع من هذا الطراز.

وحتى لا تبقى صلة الشيخ بن مبارك الأقاوي بالفعل السياسي محل شكوك، نطرح بالموازاة سؤالا آخر حول حدث لقائه بوفد قبائل سوس، وهو تساؤل ملح و ضروري، لماذا وقع الاختيار على الأقاوي دون غيره من شيوخ و علماء التصوف الجزوليين الذين كانت تعج بهم مناطق سوس ودرعة وجزولة؟

إذا حسمنا أن الأقاوي لم يكن يملك مشروعا سياسيا إلى حدود بداية القرن 16 م، فلا يعني ذلك أن نطعن في حسه السياسي و كفاءته، أو نقصا في تجربته في إدارة الخلافات وحل المعضلات، فجل المصادر التاريخية التي تحدثت عنه تؤكد كونه استطاع الحد من الفتن الداخلية و تحقيق الصلح و السلم الاجتماعي بقبائل أقا و المجال الجغرافي القريب منها، و بالنظر لطبيعة تلك المرحلة و الظرفية التي كان يعيشها المغرب، المتسمة بضعف الحكم المركزي و عجز الوطاسيين عن فرض سلطتهم بسوس و الجنوب، فإن الفرصة كانت متاحة للمصلحين الاجتماعيين و شيوخ التصوف للقيام بهذا الدور، و فرض الاستقرار بمجال هم أدرى بخصائصه و طباع أهله، فقد كان ذلك كافيا ليحظى بن مبارك الأقاوي بتقدير من طرف السوسيين الذين قصدوه، كشخصية تمتاز بذكاء اجتماعي و وعي سياسي، و قائد له القدرة على توحيد صفوف القبائل المتنازعة و المختلفة.

و يبدو كذلك ضروريا التساؤل لماذا قبائل سوس لوحدها هي من بادرت للقاء الشيخ الأقاوي دون غيرها من القبائل القريبة من أقا و الكثيرة أو حتى في درعة مثلا؟ فالمؤرخ المغربي محمد حجي يروي أن شيخا آخر من المتصوفة الجزوليين يدعى بركة بن محمد التيدسي (نسبة إلى قرية تيدسي قرب تارودانت)، كان يتزعم هذه القبائل و "يشرف على أعمال المجاهدين الذين يباكرون البرتغاليين و يراوحونهم بمنطقتي فونتي و ماسة في مناوشات لم تستطع ردع المسيحيين"، و المستفاد من هذا الخبر أن هذه القبائل لم تتوجه للاستعانة بالأقاوي إلا بعد فشل التيدسي في مواجهة القوات البرتغالية التي كانت تحاصر سواحل سوس، و بالتالي يكون هذا الاتصال مفروضا تحت الضغط، و قد يكون بإيعاز و أمر من بركة التيدسي لتطوير التنسيق بين فروع الزاوية الجزولية.

و هناك قضية أخرى مثيرة في لقاء قبائل سوس بمحمد بن مبارك الأقاوي، و هي إحجام هذا الأخير عن تولي أمر قيادتها، و ستظهر التطورات اللاحقة لهذا الحدث أن اللحظة كانت مهمة للأقاوي قصد التفكير في مشروع سياسي ضخم يتجاوز حدود سوس، فلم يكن هذا الاحجام يعني رفضا مطلقا، ففي هذه السنة أي 915 هـــ حسب ما تتضمنه ثنايا المصادر التاريخية، استدعى بن مبارك إلى زاويته في أقا أحد شيوخ زاوية تكمدارت بنواحي درعة، و أطلعه خلال هذا اللقاء على آخر التطورات السياسية بسوس، كما يستشف أن المرحلة كانت للتشاور و التعبئة و وضع الأسس الأولى لبناء مشروع سياسي وطني، ففي السنة الموالية 916 هـــ ترأس الشيخ بن مبارك الاقاوي تجمعا جديدا بزاويته بأقا، تم فيه التراضي بعد اقناع قبائل سوس بمبايعة شرفاء درعة و تكمدارت.

نظم تجمع آخر في نفس السنة بقرية تيدسي، بويع فيه رسميا أبو عبد الله القائم بأمر الله السعدي أميرا للجهاد بعد تزكيته من طرف محمد بن مبارك الأقاوي، و بذلك يكون دور هذا الأخير جليا في بداية الجهاد السعدي و تأسيس دولة السعديين، ليس تنظيرا، لكن اقناعا و تخطيطا، كما أن فكرته بتوحيد مناطق الجنوب الرئيسية أي درعة و باني ثم سوس، كان منطلقا لتحقيق وحدة البلاد ككل، بالتحكم في الفوضى التي عمت الجنوب يسهل توحيد باقي أطراف المغرب، كما أن التكامل في أدوار الزوايا الثلاث كان حسب رؤية الأقاوي ضروريا ليتحقق مشروع تأسيس الدولة، فإذا كانت تيدسي نموذجا للجهاد و الدور العسكري، فإن أقا كانت رمزا للسلطة الروحية و الصلح الاجتماعي، في حين يمكن اعتبار تكمدارت علامة على الزعامة السياسية.

ومختصر الكلام أن الشيخ محمد بن مبارك الأقاوي بعد استنجاد قبائل سوس به كان يفكر بمنطق مصلحة البلاد، و استطاع بحسه الوطني الوحدوي المساهمة في تأسيس دولة ارتقت إلى مصاف الأمم العظمى في القرن 16 م، و ساهم في استمرار الدولة المغربية الموحدة التي أنقدها من التمزق السياسي و التناحر القبلي، و التي امتدت حدودها الامبراطورية إلى بلاد السودان في عهد المنصور الذهبي.

*باحث في التاريخ


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (12)

1 - ayyachi الأربعاء 19 يونيو 2013 - 23:32
كثــــر و الحمــد لله البـــاحثــــــــون في التــــاريخ، فهنيئــــــا لنـــا...فمن متخصص في السعدييــن و متخصص في التـــاريخ الــراهـــن...من يتمنـــى وضعيـــة أفضـــــل؟
2 - الانصاري الخميس 20 يونيو 2013 - 00:03
اتفق معك فيما يتعلق بتهميش دور الدولة السعدية في تاريخ المغرب الحديث لكن هده الدولة قامت على الشرف الدي استمدته من نسب اهل تكمادارت بزاكورة وعلى الجهاد ثم على التصوف.
3 - tatawi wa aftakhir الخميس 20 يونيو 2013 - 10:29
je suis fière d'être un marocain et spécialement un tatawi ,
4 - baba moha الخميس 20 يونيو 2013 - 11:36
la photo est au pach glaoui de marrakech sa n a rien avoir avec les sadiennes qui ont regnes au maroc 15 et 16 siecle leurs monuments en temoigne pour leur
5 - Moslim الخميس 20 يونيو 2013 - 12:18
السلام
ملاحظة
السعديين لا علاقة لهم بالشرفاء .الدولتين الشريفتين في المغرب هم الادارسة والعلويين ان لم يقع الخطاء في التار يخ.
والسلام
6 - هشام من تارودانت الخميس 20 يونيو 2013 - 14:08
تعتبر مدينة تارودانت هي اول عاصمة انشئها السعديون محمد الشيخ السعدي وعرفت المدينة في عهدهم ازدهارا لامثيل له فكانت تتواجد بالمدينة مصانع البارود والسلاح كما تم بناء سور يحيط بالمدينة كل هدا قبل ان ينقل السعدين عاصمتهم لمراكش حيث انتقل تقريبا الصناع والحرفين والبنائين الى مدينة مراكش واستقروا بها لهدا يقال ان تارودانت هي اصل مراكش
7 - مغربي الخميس 20 يونيو 2013 - 16:45
من سلبيات السعديين : منعهم العثمانيين من المرور الى الأندلس واستردادها .
8 - ta9i lah الخميس 20 يونيو 2013 - 17:18
نشكر هيسبريس على هذه المبادرة الطيبة و نطلب من ادارة هيسبريس تقديم مقالات تاريخية للمغرب عبر مر التاريخ من قبل الرومان الى وقتنا الحالي
9 - Alaadil الخميس 20 يونيو 2013 - 18:41
يقال ان تارودانت هي اصل مراكش !!
مراكش اصلها مرابطي موحدي بالاساس.
10 - azzeddine الخميس 20 يونيو 2013 - 21:55
تساؤل : في عهد الدولة السعدية شهد المغرب ازدهارا في صناعة السلاح الحربي لكن مع مطلع القرن 17م ومباشرة بعد موت أحمد المنصور ودخول الدولة مرحلة التدهور نرى أن هذا الانتاج الحربي قد اختفى من المغرب فما السبب الذي كان وراء هذا الامر ؟؟
11 - النضال الجمعة 21 يونيو 2013 - 17:12
شكرا لصاحب المقال أود أن أعرف إن كان ممكنا ,لماذا سميت هذه الدولة بهذا الاسم(السعديون)؟
12 - ابو خالد الخميس 27 يونيو 2013 - 08:19
اشكرك يا استاذ على ما افدتنا به حول شخصية الرجل التاريخي محمد بن مبارك الذي استطاع ان يكون له نصيب من تسييس هذا الوطن والمشاركة في الدود عنه ورعايته واصلاح ذات البين بين أهله
وأخص بالذكر ما نسبته من ارتباط حركته بزاوية الشيخ باقا وانها مركز رعايته لشؤون واحوال المغرب أنئذ وكانت قبلة للمهتمين بأحوال المغرب المهدد بالاستعمار المسيحي
فجل المراجع *في اعتقادي * تقتصر على ربط حركته بأم الجريد قرب تارودانت
وأختم بما ورد في الحضيكي الجزء الثاني عن الشيخ: ( كان رضي الله عنه يبعث اذا هاجت الفتن بين القبائل بالكف عن القتال فمن تعدى أمره عجلت عقوبته في الوقت وكان رضي الله عنه جعل لهم أياما معلومة يسمونها أيام سيدي محمد بن مبارك لا يحمل فيها أحد سلاحا ولا يهيج فيها أحدعدوه ولا يقدر فيها على المشاجرة...وذلك شائع في بلاد سوس عند العرب والعجم )
وهذا النص يبين مكانة الشيخ في الظن به خيرا وقوة ثقة الناس به ثم طموحاته رحمه الله في العمل السياسي للقيادة الى ما فيه قوة المجتمع وصلابته امام التيارات وعزمه على السير به الى أمن وسلام ورخاء
فبارك الله فيك يا استاذ فأنا ابن المنطقة ومن عائلة الشيخ
المجموع: 12 | عرض: 1 - 12

التعليقات مغلقة على هذا المقال