مدينة تستور التونسيّة .. حيث يحفر الناس قبورهم وهم أحياء

مدينة تستور التونسيّة .. حيث يحفر الناس قبورهم وهم أحياء
الأحد 21 فبراير 2016 - 03:00

يقول المثل الشعبي التونسي “هاذي نحكيها لحفّار قبري” ويستعمل للتعبير عن الاستغراب من موضوع ما، لدرجة عدم التصديق، بمعنى أنه من المستحيل أن أصدق ذلك، كما أنه من المستحيل أن أتقابل مع من سيحفر قبري، لكن الاستثناء في المثل والعادة فرضه سكان مدينة تستور، من محافظة باجة بالشمال الغربي لتونس، لكونهم يحفرون قبورهم قبل مماتهم.

“ساحة النّارنج” أو”ساحة برتقال إشبيليا”، وهو برتقال بمذاق مرّ، تعتبر القلب النّابض لمدينة “تستور” منذ تأسيسها خلال وصول المُورسكيين،قادمين من الأندلس، ممن اختاروا هذه السّاحة لتنظيم “مصارعة الثيران”، وتحوّلت اليوم إلى ساحة يطيب فيها الجلوس والولوج إلى الحضارة الأندلسيّة، فمنها يبدأ سوق المدينة العتيق، كما تحيط بها أهمّ المعالم كالجامع الكبير بساعته ذات الدوران المعاكس، والمقبرة القديمة التي تتميّز بقبورها الخاوية.

في السّاحة المذكورة يجلس يوميا رشيد السّوسي (67عاما) رئيس جمعيّة صيانة مدينة تستور؛ حيث يتصدّر المشهد اليومي بين أبناء الجهة للحديث عن تاريخ “تكلّا”، وهو الاسم الروّماني للمدينة، محمّلا بمخطوطات وكتب يستدلّ بها ويستند اليها بين الحين والآخر.

من السّاحة ومن تحت أشجار النّارنج يراقب رشيد الحركة التي تكاد تكون يوميّة بمقبرة المدينة. وعن سرّ هذه الحركة يقول السوسيّ، مشيرا إلى الحيّ الذي يسكن به، “هناك منزلي وهنا مَنزُولي”، مشيرا إلى المقبرة .. و”المنزول” عبارة عن قبر فارغ.

ويضيف: “نحن الوحيدون الذين نختار أماكن قبورنا، ونعلم أين سندفن، ونحن بهذه العادة نعبّر عن استعدادنا للموت في أيّ وقت، فهذا المنزول يذكّرني دائما بالآخرة، وبأن أعمل صالحا لملاقاة ربّي”.

هي عادة أندلسيّة نبعت من التعاليم الإسلامية، جعلت من “المنزول” صلة بين الحياة الدنيا والآخرة، وهي عادة ظهرت مع وصول الموريسكيين إلى تستور، وانتشرت اليوم بين جميع سكّانها، بجميع أصولهم ودون استثناء، هكذا قال السوسي قبل أن يزيد: “هذه العادة انتشرت بين جميع السكّان، فامتزجت عاداتهم وثقافاتهم مكوّنة مزيجا مجتمعيّا أضاف لتستور ميزة ديمغرافيّة انفردت بها عن مثيلاتها من المدن”.

عن منشأ هذه العادة يقول السوسي، حسب ما تواتر إليه من حكايات، إنّ عددا من النّساء اللّواتي نُكّل بأزواجهن وبأبنائهن، غداة سقوط مملكة غرناطة سنة 1492، توفّين قهرا وظللن أيّاما دون دفن، فظهرت هذه العادة بين من بقي على قيد الحياة، كما أنّ الإسلام يدعو إلى إكرام الميّت والإسراع بدفنه، وهذا دافع عقائدي آخر لظهور هذه العادة، حتّى إذا مات أحدهم يكون قبره جاهزا لدفنه، ويكفي إزالة طبقة التراب والاسمنت التي تغطّيه لفتح “المنزُول”.

سبب آخر، يربطه المتحدث بالظروف المناخيّة وخاصّة خلال فصل الشتاء، إذ يتطلّب حفر القبور وقتا طويلا ومن هذا المنطلق فالمنزول يمثّل الحل الأنسب عندما تسوء الأحوال الجويّة.

أستاذ الحضارة والتاريخ زهيّر بن يوسف، نفى وجود نصوص تاريخيّة حول ظهور المنزول، مشيرا في كلامه إلى عدّة تأويلات تتصدّرها دوافع عقائديّة منها الاستعداد الدّائم للموت. وأضاف بن يوسف أنّ هذه العادة ظهرت في بعض المدن الأندلسيّة، منها طبربة وسليمان، إلاّ أن هذه العادة أخذت طريقها نحو الاندثار على عكس مدينة تستور التي احتفظت بها.

في المقبرة تواجد عبد العزيز الهمّامي (62عاما)، وهو “حفّار قبور”، يمارس هذه المهنة منذ 14 عامًا، حفر خلالها ما يزيد عن ألف قبر، لم يبق منها اليوم سوى 350 منزولا، منها 50 خصّصها ميسورو الحال للفقراء والمحتاجين، الذين يعجزون عن توفير تكاليف بناء المنزول، والتي يقدّرها عبد العزيز بنحو250 دينار، أي حوالي 1200 من الدارهم المغربيّة.

لبناء المنزول الذي يستغرق يومين، يستعمل “الحفّار” ثمانين آجرّة وأربعة أكياس من الاسمنت، وكيسًا من الجبس، إضافة الى كمية من الرّمل، ويصل عمقه إلى متر واحد، أمّا طوله فيقدّر بمترين، في حين يبلغ عرضه 50 سنتمترا، وهي مقاسات تعتمد مع جميع النّاس، مهما كانت أحجامهم أو أجناسهم.

يتكوّن المنزول، وفقا لكلام الهمامي، من جزأين اثنين، هما الحوض، أو الجزء الأسفل الذي يدفن فيه الميّت، ويعتلي الحوض جانبان أكثر اتّساع منه، الجانب الأيمن ويبلغ عرضه 35 سنتمترا، ويوضع عليه الجثمان لتسهيل وضعه لاحقا في القبر، والجانب الأيمن يبلغ عرضه عشرين سنتمترا، ويستغلّ الجانبان فيما بعد في وضع اللّحود عليهما.

بعد الانتهاء من بناء المنزُول تفرش أرضيته بالرّمل وتوضع اللّحود على شكل هرم، ثمّ تغطّى بطبقة من التراب، وأخرى من الاسمنت الهشّ، حتى يسهل فتحه عند الحاجة، وفي النّهاية يوضع “الشاهد” لمعرفة صاحب المدفن.

* وكالة أنباء الأناضول

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • ولد حميدو
    الأحد 21 فبراير 2016 - 03:18

    فكرة حسنة ادا كانوا يدهبون للترحم على انفسهم و هم احياء و ادا كان حتى المسؤولون يحفرون قبورهم و لكن لا اظن لان اغلبيتهم لا يفكرون في الموت

  • ابن طنجة
    الأحد 21 فبراير 2016 - 03:43

    رأيت القبور فسألتها عن حال من سكن الثرى قالت سنأويك يوما فلا تسل واعمل لتعلم ما جرى

  • ولد حميدو
    الأحد 21 فبراير 2016 - 03:57

    الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر
    تعني طمع الدنيا فالبعض يجمع في الاموال و الممتلكات و في الاخير مكانه مثرين في القبر

  • حسين
    الأحد 21 فبراير 2016 - 04:04

    فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بناء على القبور وتجصيصها والقعود عليها.
    وقال: صلى الله عليه وسلم لعلي ان لا تدع تمثالا الا طمسته ولاقبرا مشرفا الا سويته.صحيح مسلم باب الامر بتسوية القبور. فقد راينا اليوم بعض المسلمين من يخالف هذا الامر و يتشبهون باليهود في بناء على المقابر ويصرفون الاموال الكثيرة عليها وهذا مخالف للسنة.
    ونطلب من المسلمين الحيطة والحدر .

  • basli
    الأحد 21 فبراير 2016 - 04:35

    cette method et aussi on usa et Europe ou tu peut achete la tombe avant et prepare meme tout les etapes.avec l assurance vie.comme ca les gens après toi et ta famille ne pense pas a faire des depense au lieu de ce concentre au respect et la memoire.
    et de plus la cimetiere doit etre proper organize et la meme facon de tombe,,il ya des gens qui veulent leur cimetiere proper pas comme celle de musulam du maroc
    regarde les cimetire chretien et juifs
    ou juste allez a u tube et vous allez voire que les musilman sont des organize meme a leur mort

  • sayf
    الأحد 21 فبراير 2016 - 04:44

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

    فإن دفن الميت واجب بإجماع المسلمين، قال تعالى: ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً*أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً ) (المرسلات:25،26 )
    فإذا مات الميت في مكان لا توجد فيه مقابر عامة، ولا يمكن الدفن إلا بشراء أرض لذلك فإن ثمن ذلك يكون في مال الميت وكذلك تجهيزه كله، فإذا لم يترك الميت مالاً يكون ذلك في بيت مال المسلمين، فإذا لم يكن لهم بيت مال وجب ذلك على جماعة المسلمين.
    ولا يجب على المسلم أن يشتري قبره في حياته، ولكن لا مانع شرعاً أن يفعل ذلك احتياطاً لنفسه، وإن تركه فلا إثم عليه، لأنه لا يدري متى يموت وأين يموت؟ قال تعالى 🙁 وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت ) (لقمان: من الآية34) وبعد مماته يسقط عنه التكليف، ويبقى فرض تجهيزه على المسلمين. كما سبقت الإشارة إليه.
    وعلى هذا، فلا إثم على المسلم إذا لم يشتر قبره في حياته، وإن فعل ذلك فلا بأس.
    والله أعلم.

  • مغربي
    الأحد 21 فبراير 2016 - 06:26

    ثبت عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- في صحيح مسلم عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: (أنه نهى عن تجصيص القبور، والقعود عليها، والبناء عليها)
    سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : عما يفعله بعض الناس من كونه يحفر قبراً له ؟
    فأجاب : "حفر القبر له قبل الموت إن كان في مقبرة مسبلة فلا يجوز؛ لأنه تحجر للمكان ومنع لغيره من الدفن فيه وهو لا يدري فربما لا يموت في هذا البلد، وأما إن كان في أرض غير مسبلة فإنه لا بأس به كما أعدت عائشة رضي الله عنها مكان قبرها في بيتها، ثم آثرت به عمر رضي الله عنه" انتهى من "مجموع فتاوى" ابن عثيمين (17/78) .

    والله أعلم .

  • beta
    الأحد 21 فبراير 2016 - 06:51

    المثل الشعبي "هاذي نحكيها لحفّار قبري" مستعمل حتى في المغرب (من النساء) ولها تقريبا نفس المعنى : يعني سر لا يمكن البوح به إلا لحفار قبري وحيث من المستحيل أن أتقابل مع حفار قبري، سيبقى سرا إلى الأبد.

  • المغتربة
    الأحد 21 فبراير 2016 - 06:58

    لست مع الفكرة فبعد موتي المسلمون يقومون بدفني لا داعي لكي اتعب نفسي بالتفكير بذلك

    الذي يتعب حقا هو الحساب يوم القيامة و هل سأكون شقية ام سعيدة

  • العماري
    الأحد 21 فبراير 2016 - 07:15

    [وما تدري نفس بأي أرص تموت] صدق الله العظيم

  • زَگہـﮯﺮِيـَآءْ / 1914
    الأحد 21 فبراير 2016 - 08:39

    ســـألتُ الدار تخبرني عن الأحباب ما فعلوا ¬> قالت لي أناخ القوم أيامـــآ وقد رحلوا ¬> قلتُ أين ألقاهم و أي المنازل نزلوا ¬> قالتْ لي بالمقابر و لقد لقوآ و الله ما فعلـــــوآ …. ( البحث عن سلامة القلب ، للنجاة من العقاب )

  • simo
    الأحد 21 فبراير 2016 - 09:18

    كل الشعوب تكرم موتاها و تحترم مقابرها ماعذا نحن فالمقابر اصبحت مزابل و اوكار للشعودة وكل الموبيقات. و مع ذلك لا احد يحرك ساكنا من وزارة الاوقاف و الجهات الوصية اللهم بعض الجمعيات و المحسنون الذين لا يزالون ينظرون بعين الرحمة لهؤلاء الاموات
    بل اكثر من ذلك فالمقابر اليهودية في المغرب تصدر في حقها اوامر سامية للعناية بها و حراستها فلماذا لا تصدر مثل هذه الاوامر السامية في رعاية جميع المقابر دون استثناء

  • ABDO
    الأحد 21 فبراير 2016 - 09:51

    لا تدري نفس ما تكسب غدا وباي ارض تموت

  • نوادي
    الأحد 21 فبراير 2016 - 10:58

    هدا المثل نعاودها لحفار قبري تقال ايضا عن من مرت عليه محن كتيرة و صبر علي الاذي.في العاصمة ايضا ظهرت مقابر العائلة,ويوضع لها باب,فكرة سبقنا لها المصريون.ورايت في موسم الحج من يشتري الكفن و يبلله بماء زمزم و يطوف به الكعبة.ونية الشخص الخوف من الله و التقرب له رغبة ورهبة.ليس الا.

  • beta
    الأحد 21 فبراير 2016 - 13:36

    رد على تعليق 12 – simo
    إذا فعلا تصدر في حق المقابر اليهودية أوامر سامية للعناية بها لأنها مقابر صغيرة وقليلة العدد (10 على أكثر تقدير) لأن التكلفة تافهة. لكن حين يتعلق الأمر بأولوف المقابر ذلك يتطلب ميزانية ضخمة.

  • مغترب
    الإثنين 22 فبراير 2016 - 03:23

    اناس تفكر في عش يحميها برد الزمان **** وغيرها تبني قبرا باحسن مكان
    هي روح وتطلع من الابدان **** وحفرة لجسد تاكله الديدان
    فكم من غريق اكلته الحيتان **** ولم نجد له قبرا او عنوان
    لكن روحه عند الرحمان **** ترفرف محلقة باعلى الجنان
    وكم من ضريح عالي البنيان **** وتحته نار تغلي كالبركان

  • حسن المغربي
    الأربعاء 24 فبراير 2016 - 19:50

    إذن فالمغاربة أسبق منكم لهذه الظاهرة، فهم يعيشون في القبور طواال حياتهم. أموات في جلود احياء.
    الله ينظر من حالنا اوصافي

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 18

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب