الفن والأسلوب والتواصل

الفن والأسلوب والتواصل
الجمعة 5 يونيو 2015 - 11:02

يعتبر التواصل من أبرز العوامل التي أنشأت علاقات اجتماعية بين الأفراد و دينامية بين الجماعات. و تكمن أهمية النشاط التواصلي في أن كل فعل اجتماعي يستند على مبدأ تبادل المعلومات، إما داخل إطار جماعة أو بين الجماعات. و لعل الحاجة إلى التواصل جعلته يمر بعدة مراحل نحو التطور المستمر(المشافهة – الكتابة – التدوين – النشر عبر وسائط الإعلام الجماهيري – النشر عبر الانترنت و على شبكات التواصل الاجتماعي) بحيث مكنت الأفراد و المؤسسات من تنظيم و تنسيق الأعمال و النشاطات من خلال تبادل معلومات وأفكار تشكل أولا وأخيرا مضمون الاتصال.

إذا كنت تبحث عن النجاح و الصعود إلى القمة، إذا كان هدفك أن تكون رجل اتصال ناجح و مؤثر فإن عليك أولا إتقان اللغة، ذلك المفتاح السحري لبوابة الحياة و السعادة و النجاح، فللغة أهمية كبرى في تفاعلات الحياة اليومية. إذا قمت بتحليل يومك فستجد أن أكثر من 70 % منه يقوم على التواصل الشفوي مع الآخرين، سواء كان ذلك من خلال تفسير أو إصدار الأوامر أو الإقناع أو توجيه النصائح أو الأسئلة أو الأجوبة. إن معظم وقتك يمضي في الكلام و التعبير، و كلما صرت بارعا في التعبير عن نفسك بوضوح ودقة أمام الآخرين، و استخدمت لغة تزيل كافة الاحتمالات (سوء الفهم و الظن، التأويل الخاطئ، التسرع في الحكم…)، كلما صرت أكثر نجاحا في التأثير على الآخرين و توجيه أفعالهم.

الكلمات تدخل في إطار اللغة، التواصل الشفوي الذي أشرنا له أعلاه جزء لا يتجزء من اللغة، و يمكن أن نضيف لهذين العنصرين لائحة لا تنتهي من العناصر : نبرة الصوت، تعابير الوجه، المسافات بين الأفراد، لحظات الصمت، الصور و الأيقونات ( و كلها عناصر تدخل في التواصل غير اللفظي).

إن ما نرمي إليه في هذا المقال ليس التعريف بالتواصل و أشكاله و أنماطه و أهميته، فهناك الكثير من الكتب و المقالات الجيدة المتوفرة بلغات مختلفة تتناول ذلك بكثير من التشويق و أحيانا بالتفصيل الممل. هدفنا أن نتقاسم معك، عزيزي القارئ، مجموعة من الأفكار حول موضوع يشغلنا مند مدة ليست بالهينة: الفن و التواصل.

هناك عدت محاولات علمية و أكاديمية لتعريف الفن و ماهيته و أهدافه و وظائفه. فلو رجعنا إلى الأصل في اشتقاق كلمة “الفن” باليونانية لوجدنا أن هذه الكلمة تعني “النشاط الصناعي النافع بصفة عامة”. ولم يكن لفظ الفن عند اليونانيين مقتصراً على الشعر والنحت والموسيقى والغناء بل كل ما يشمل الصناعات المهنية كالنجارة والحدادة والبناء. ولعل ما يشير إليه الفن عند اليونانيين هو حصيلة القدرة البشرية ما دام الإنسان هو الصانع فهو يستحدث الموضوعات والأدوات ويبتكر أشياء جديدة. و في السياق ذاته، فهم أفلاطون بأن الفن هبة مقدسة جاءت إلى الإنسان من العالم الحسي، وفهم مهمة الفنان على أنها أخطر وأعظم من مجرد التعبير عن الصورة الجميلة. ولم يكن أفلاطون هو أول من عبّر بفلسفته عن الاتجاه الديني العلمي في الفن، بل أنَّ الفلاسفة الذين سبقوه منهم من استطاع أن يضع النواة الأولى لهذا الاتجاه. و لقد عبّر أفلاطون عن الفن بأنه محاكاة، فقد كان يعتقد بأن للأشياء مراتب ثلاث أدناها الفن وأوسطها عالم الحس وأعلاها عالم المثل.

و من منظور آخر فإن الفن لغة استخدمها الإنسان منذ فجر التاريخ لترجمة التعابير التي ترد في ذاته الجوهرية وليس تعبيرا عن حاجته لمتطلبات الحياة رغم أن بعض العلماء يعتبرون الفن ضرورة حياتية للإنسان كالماء والطعام. و الفن وسيلة لإظهار الجمال والمحبة والترقي والسمو، وتأكيد إنسانية الإنسان لتعمير الأرض، وإنشاء إنسان أخلاقي يعيش في المستويات الرفيعة.و الفن تعبير عن الحياة بكل أبعادها وملكة التعبير في الإنسان هي الحياة. ويتخذ هذا التعبير شتى الأنواع وشتى المستويات ابتداء من العمل اليدوي إلى أعلى المهارات الإبداعية. و الفن أداة لمقاومة التدني والهبوط والسقوط إلى الحضيض، واستيقاظ النفوس لترى الجمال وتعمل بمقتضاه من خلال الحق والخير. و الفن موهبة منحها الخالق لكل إنسان لكن بدرجات تختلف بين الفرد والآخر بحيث لا نستطيع أن نصف كل شخص بفنان إلا من تميز عن غيره بالقدرة الإبداعية الهائلة، إذ أن الفن يدل على المهارات المستخدمة لإنتاج أشياء تحمل قيمة جمالية. و الفن إبداع بشري وصنع لأثر طابعه الجمال وغايته متعة الحواس، وهو إذ ينطلق من الذات لإبداع أشكال تعبيرية مبتكرة سواء بالرسم أو النحت أو النغمة أو الكلمة أو الرقصة فإنه يمثل صوت الفنان الذي غالبا ما يكون سابقا لعصره و الذي يعطي الانطباع لمحيطه أنه شبيه بذلك المجنون نظرا لتميز أفكاره، لكنه في الواقع يعتبر من أذكى الناس وأكثرهم خيالا وإحساسا، إذ هو ركيزة الحضارة والقائد الماهر لقاطرة التطور، لأن دخوله لأي مجال عملي أو علمي قد يحوله من العالم المعقول إلى العالم اللامعقول.

و الفن كما عرفه ليو تولستوي من الوسائل غير المباشرة لخلق التواصل بين الأفراد. و الفن يلبي حسب شارل لالو مجموعة من الوظائف يمكن تلخيص أهمها في ما يلي : تحقيق المتعة عن طريق اللعب؛ تطهير الانفعالات و تحويل الآلام إلى وسيلة لتحرير الذات و إحداث تغيير في النفس الإنسانية؛ السمو إلى الكمال و المثالية أي المساعدة على إبداع عالم أفضل؛ و تكرار أو تدعيم الحياة الواقعية لحفظ صورتها أو تقويتها. وحالياً، تستخدم كلمة فن لتدل على أعمال إبداعية موجهة للجماهير كفن الرقص و الموسيقى و الغناء و الكتابة و التأليف والتلحين و التشكيل و المسرح و السينما.

ولقد بدأ الإنسان في ممارسة الفن منذ 30 ألف سنة، وكانت الرسوم تتكون من أشكال الحيوانات وعلامات تجريدية رمزية فوق جدران الكهوف. هذا و وترجع الآثار الأولى للفن البدائي إلى العصر الحجري المتأخر، أي تقريبا بين 40 ألف إلى 20 ألف سنة قبل الميلاد. ومنذ آلاف السنين كان البشر يستعملون الزينة والمجوهرات والأصباغ، وفي معظم المجتمعات القديمة الكبري كانت تعرف هوية الفرد من خلال الأشكال الفنية التعبيرية التي تدل عليه كما في نماذج ملابسه وطرزها وزخرفة الجسم وتزيينه وعادات الرقص أو من الاحتفالية أو الرمزية الجماعية الإشاراتية التي كانت تتمثل في التوتيم الذي يدل على قبيلته أو عشيرته.

قلنا أن الرقص و المسرح و السينما من الفنون، و نريد أن نضيف أنها من أكثر الفنون شعبية و رواجا بفضل العولمة و سرعة الاتصال في الزمن الحالي و موضة الاستهلاك. و قلنا أيضا أن غايات الفن عديدة من ضمنها تهذيب الأحاسيس و السمو بالإنسان و البحث عن الجمال.

أي قيمة فنية إذا لعمل سينمائي أو غنائي يدعو إلى الإباحية باسم الحداثة و تعرية الواقع في مجتمع عرف عنه منذ مئات السنين الحفاظ على المظاهر الاجتماعية السليمة و كل ما يدخل في نطاق الأدب و “الصواب” و التمسك بتعاليم الدين ؟ أي قيمة مضافة لعمل “فني” يصور القبح بما هو أقبح و يستعمل من معجم اللغة المنطوقة و البصرية الفج و المباشر و الرديء ؟ هل تقتضي اللياقة الفنية أن يخاطب فنان ما جمهور الوطن بكلمات و صور تستفز أكثر مما تفتح أبوابا للنقد الهادف، و تهدم أكثر مما تبني، و تنحو في اتجاه معاكس تماما للخطاطات التأويلية السائدة لدى العامة ؟ هل الفن تصوير للواقع كما هو فعلا أو تصوير جمالي للواقع ؟ هل حرية الفن ترادف العبث و التخريب و التلاعب بالقيم ؟ هل من الضروري أن يفهمني سينمائي معين أن فلانة تجسد دورا لبائعة من بائعات الهوى و هو حريص أن يترجم هذا المعنى ( الذي يسمح لي ذكائي و حدسي كمشاهد أن أفهمه من خلال التضمين و السياق السردي) بسيل من اللقطات الصادمة : كلام ساقط، و ابتذال و مشاهد جنس و خلاعة ؟

” الأسلوب هو الإنسان” كما يقول هوفمان، وهذه العبارة حول الأسلوب ليست وقفاً على الكتابة بل هي كل ما يصدر عن الإنسان سواء من حيث التعبير عن انفعالاته أو ردود أفعاله . وقد يتحدث شخصان عن قضية واحدة بكل تفاصيلها لكنها تتبدل جذرياً تبعاً لأسلوب معالجتها، وقد يسيء شخص إلى قضية عادلة إذا أخطأ التعبير عنها، فالمسألة ليست منوطة بالنوايا فقط. ومنذ بدأ الإعلام بمختلف أشكاله يستفيد من السايكولوجيا أصبح يحرص على كيفية القول وليس على ما يقال فقط . وأحياناً يذهب المؤرخون إلى ما هو أبعد من كل ذلك، ويتعرفون من خلال الأسلوب على المستوى الحضاري والسياسي في فترة ما. وعلى سبيل المثال، حين كتب المؤرخ جيبون عن سقوط الإمبراطورية الرومانية وجد من يقول له إن أسلوب معالجته للسقوط يشي أيضاً بسقوط الفترة التي ينتمي إليها. و من المؤكد أن الاستخفاف بالأسلوب سواء في وسائل التعبير أو في حياتنا اليومية يقود إلى السطحية و النمطية المضجرة، فالأهم من القول أحياناً هو كيفية التعبير عنه. و بناء على هذا الطرح هل الفن هو أن يتم تصوير الحياة اليومية لبائعات الهوى و المهمشين و المنحرفين بأسلوب يهوي بالفن إلى أسفل سافلين ؟ هل هذا أسلوب فني ؟ هل هذا هو الفن ؟؟؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • منا رشدي
    الجمعة 5 يونيو 2015 - 12:53

    لم تختر إلا " أفلاطون " معشوق الكنيسة الكاثوليكية لإبقاء العامة تحت سلطتها إلى غاية عصر الأنوار الذي بدأ في تهديم سلطة الكهنوت ولا يزال الهدم قائما ونحن في مرحلته الرابعة كي يتخلص الإنسان من عالم المثل الذي يعدنا بالكمال في الدار ٱخرة بعض نضيع شروط تحسين حياتنا في الدنيا !
    ما المعيار الذي تتبناه لتصنف الفن بين مقبول ومرفوض ! أنا أتحدث عن إنتاجات الدول الغربية التي تعلم أين تتجه ! وليس أشباه فنانين وضعوا تحت السخرة لضرب احماد ب محماد ! " لوبير " ليست إستثناء ا وليس حدثا مفصولا عن سياقه ! منذ ظهور " الليدي غاغا " كان عليكم أن تستشرفوا الٱتي ! عندما إرتدت فستانا مصنوعا من شرائح اللحم فهي إستبقت ما نراه اليوم ! SERVEZ-VOUS !!!!!

  • EL'omari Abdelatif
    الجمعة 5 يونيو 2015 - 22:55

    alors pour faire une bons communication obliger de prendre le principe chemin ses l’écouter. …BONJOURS ..POUR TOUS EST TOUT

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية