مقدمة
في عام 2025، أعدّ سيمون بازيلون (Simon Bazelon) ولورين هاربر بوب (Lauren Harper Pope) وليام كير (Liam Kerr)، لصالح شبكة «ويلكم » (Welcome)، تقريرًا استراتيجيًا بعنوان Deciding to Win، يشكّل أحد أبرز المراجعات النقدية لأداء الحزب الديمقراطي الأمريكي في أعقاب هزيمة كامالا هاريس أمام دونالد ترامب. ولا يقتصر التقرير على تشخيص أسباب الهزيمة الانتخابية، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الخيارات السياسية والتنظيمية والخطابية التي حكمت أداء الحزب، واستكشاف مكامن الخلل التي أضعفت قدرته على استقطاب الناخبين ومواجهة التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي.
يقدّم هذا المقال عرضًا موجزًا لهذه الوثيقة، الممتدة على 352 صفحة، من دون ادّعاء الحلول محلّ قراءتها الكاملة، بل بهدف إبراز أفكارها المركزية؛ وفي مقدمتها تشخيص حزب ديمقراطي يُنظر إليه باعتباره ليبراليًا أكثر من اللازم، ومنفصلًا عن الأولويات الاقتصادية للناخبين، إلى جانب نقد الأورثوذوكسيات الوسطية والتقدمية على حدّ سواء. كما يستعرض التوصيات التي يطرحها التقرير لاستعادة الأغلبية الانتخابية، من خلال استراتيجية تضع القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والأمن في صدارة الأولويات، وتتبنّى ما يصفه التقرير بـ«الاعتدال الهجومي» بوصفه مدخلًا لإعادة بناء الثقة السياسية واستعادة القدرة على الفوز.
ينطلق التقرير من فكرتين مركزيتين: الأولى هي ترتيب الأولويات، أي إقناع الناخبين بأن الديمقراطيين يتقاسمون انشغالاتهم عبر التركيز أكثر على الاقتصاد، وتكلفة المعيشة، والرعاية الصحية، وأمن الحدود، والأمن العام، والتركيز أقل على تغيّر المناخ، والديمقراطية، والإجهاض، والقضايا الهوياتية والثقافية. أما الثانية فهي إعادة التموضع، أي تعديل المواقف غير الشعبية في ملفات مثل الهجرة، والأمن العام، وإنتاج الطاقة، وبعض القضايا الثقافية. وتستند هاتان الفكرتان إلى آلاف النتائج الانتخابية، ومئات الاستطلاعات والدراسات الأكاديمية، وعشرات دراسات الحالة، واستطلاعات شملت أكثر من 500 ألف ناخب.
حزب أصبح «ليبراليًا أكثر من اللازم»
يرى التقرير أن الحزب الديمقراطي، منذ إعادة انتخاب باراك أوباما عام 2012، انزاح إلى اليسار في جميع القضايا تقريبًا، بتأثير مشترك من كوادر حاصلة على تعليم عالٍ، وممولين، وجماعات ناشطة، وخبراء، وانتخبين. وقد أدّى هذا التحول إلى تراجع الأولوية الممنوحة للاقتصاد، والقدرة الشرائية، والطبقة الوسطى، لصالح المناخ، والديمقراطية، والإجهاض، والقضايا الهوياتية والثقافية.
لم يكن هذا الانزياح ظاهرة خطابية فحسب، بل تجلّى في البرامج الانتخابية، وتشريعات الحزب، وترتيب أولويات حملاته، ولغة ناشطيه ومسؤوليه. فبينما كان الاقتصاد وتكلفة المعيشة يشكّلان في نظر كثير من الناخبين همّهم اليومي الأول، وجد الديمقراطيون أنفسهم أكثر انشغالًا بقضايا بعيدة المدى أو رمزية، دون أن ينجحوا دائمًا في ترجمتها إلى أثر ملموس في حياة الطبقة الوسطى والشعبية.
أما النتائج الانتخابية، بحسب المؤلفين، فهي واضحة: في سبتمبر 2025، رأى 54% من الأمريكيين أن الديمقراطيين «ليبراليون أكثر من اللازم»، مقابل 49% يرون أن الجمهوريين «محافظين أكثر من اللازم». والأهم من ذلك أن 47% من الناخبين وضعوا الاقتصاد ضمن أولوياتهم الثلاث الأولى، في حين لم يرَ سوى 17% أنه يشكّل أولوية لدى الديمقراطيين.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة تمثيل لا يمكن تجاهلها: فالناخب لا يطلب بالضرورة أن يغيّر الحزب قيمه، لكنه يريد أن يشعر بأن حزبه يفهم انشغالاته ويضعها في صدارة عمله السياسي. وحين يبدو الحزب أكثر اهتمامًا بقضايا النخب الحضرية المتعلمة من قضايا الأسرة العاملة، فإن الثقة فيه تتراجع، حتى بين الناخبين الذين يوافقونه فكريًا على مسائل عديدة.
الخاسرون: العمال والأقليات والمعتدلون
يؤكد التقرير على تآكل التصويت الديمقراطي بين الناخبين المعتدلين والمحافظين، خصوصًا داخل الطبقات الشعبية والأقليات. ويجسّد مقاطعة ستار في تكساس، التي يتجاوز نسبة السكان من أصل إسباني فيها 95%، هذا التحول: إذ تراجعت حصة التصويت الديمقراطي فيها من 86% عام 2012 إلى 42% عام 2024.
هذه الأرقام تكسر صورة بسيطة تقول إن الأقليات تصوّت تلقائيًا لصالح اليسار. فالناخب من الطبقة العاملة، سواء كان أبيض أو أسود أو من أصل إسباني أو آسيوي، لا يصوّت انطلاقًا من هوية جماعية وحدها، بل يقيس السياسيين أيضًا بقدرتهم على حماية وظيفته، وخفض فاتورته، وتأمين حيّه، ومعالجة أزمة السكن والرعاية الصحية.
ويرفض المؤلفون الفكرة القائلة إنه يكفي «تعبئة القاعدة» عبر تشديد المواقف إلى اليسار. ففي نظرهم، يحقق المرشحون التقدميون في المتوسط نتائج أضعف من المرشحين المعتدلين، بينما يتقاسم الناخبون المترددون والممتنعون من الديمقراطيين توقعات أكثر براغماتية: القدرة الشرائية، والصحة، والأمن، والحدود.
وتعني «أسطورة التعبئة» أن زيادة حدة الخطاب التقدمي قد ترفع الحماس داخل الأوساط الناشطة، لكنها لا تضمن بالضرورة كسب مقاعد إضافية. بل قد تؤدي إلى تعزيز صورة الحزب بوصفه بعيدًا عن الناخبين المعتدلين، الذين يشكّلون غالبًا الكتلة الحاسمة في الدوائر التنافسية. ومن هنا، لا يكون السؤال: «كيف نُرضي القاعدة؟»، بل: «كيف نبني أغلبية قادرة على الفوز؟
»اعتدال» هجومي لا دفاعي
جوهر التقرير هو إعادة تعريف الاعتدال. فأن تكون معتدلًا لا يعني الدفاع عن الوضع الراهن أو الشركات الكبرى أو النخب؛ بل يعني تبنّي مواقف شعبية، حتى عندما تكسر الخط الرسمي للحزب أو مطالب مموليه وناشطيه.
وبعبارة أخرى، لا يُقاس الاعتدال بالوقوف في منتصف الطريق بين اليسار واليمين، بل بالقدرة على اختيار المواقف التي يستجيب فيها السياسي لاحتياجات الأغلبية الواسعة. وقد يعني ذلك الدفاع عن زيادة الأجور والرعاية الصحية، لكنه قد يعني أيضًا الاعتراف بأن السياسات المتساهلة في ملف الهجرة أو الجريمة لم تعد مقبولة لدى شريحة واسعة من الناخبين.
وهكذا يُدعى الديمقراطيون إلى الجمع بين سجلّين: نقد حادّ لسلطة جماعات الضغط، والثروات الكبرى، والمصالح الاقتصادية؛ وبرنامج ملموس يتمحور حول الحياة اليومية. لكن التقرير يوضح أن الغضب من النظام لا يتحول تلقائيًا إلى تأييد للاشتراكية، إذ يبقى معظم الأمريكيين مؤيدين للرأسمالية.
لذلك، لا يقترح التقرير خطابًا ضد الاقتصاد السوقي بحد ذاته، بل ضد «السوق المشوّهة» التي تسمح للشركات الكبرى وجماعات الضغط بتحديد الأسعار، والتأثير في التشريع، وتحويل الربح إلى امتياز سياسي. فالهدف هو استعادة فكرة أن الاقتصاد يجب أن يخدم الأغلبية، لا أن تخدم الأغلبية مصالح قلة قليلة.
البرنامج الموصى به
يوصي Deciding to Win بتركيز الحملة الديمقراطية على خمسة محاور:
وضع الاقتصاد في المركز: خفض تكلفة المعيشة، وتحقيق النمو، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية. فالاقتصاد ليس موضوعًا تقنيًا يُدار من الوزارات فحسب، بل هو الاختبار اليومي الذي يقيس به الناخب كفاءة الحزب.
الدفاع عن التدابير الأكثر شعبية: التفاوض على أسعار الأدوية، وفرض ضرائب أكثر عدالة على الأثرياء، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارًا، وتوسيع برنامج ميديكير ليشمل رعاية الأسنان والبصر والسمع، وتوفير وجبات مدرسية مجانية.
إعادة الاعتبار إلى القضايا المهملة: الاقتصاد، والقدرة الشرائية، والصحة، وأمن الحدود، والأمن العام. فالناخب لا يقيس الحزب بالخطابات الكبرى فقط، بل بقدرته على تأمين شارعه ومستشفاه ومدرسته وحدوده.
التخفيف من المواقف غير الشعبية: الهجرة، والجريمة، وإنتاج الطاقة، وبعض القضايا الثقافية. فالاعتراف بالقلق الشعبي لا يعني التخلي عن القيم، بل يعني اختيار لغة وسياسات قادرة على الإقناع.
الحفاظ على النضالات الشعبية: حماية الضمان الاجتماعي وبرنامجَي ميديكير وميديكيد، ومعارضة التخفيضات الضريبية للأثرياء والرسوم الجمركية التي يفرضها دونالد ترامب.
لا يقترح التقرير إذن إعادة تمركز ليبرالية تقليدية. بل يدافع عن شعبوية اقتصادية يسارية — مستوحاة جزئيًا من برني ساندرز وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز في مسألة تكلفة المعيشة — مقترنة بحزم معلن في ملفي الهجرة والأمن، على غرار روبن غاليغو.
والمعنى العملي لهذا المزج هو أن الحزب لا يختار بين «اليسار الاقتصادي» و«الوسط الانتخابي»، بل يبني هوية جديدة: يسار يقاتل من أجل القدرة الشرائية والعدالة الضريبية، ويحافظ في الوقت نفسه على مصداقيته في ملفات الأمن والهوية الوطنية.
دروس بايدن وهاريس
يعزو المؤلفون جزءًا كبيرًا من هزيمة عام 2024 إلى التضخم وإلى التصور بأن إدارة جو بايدن كانت متساهلة في ملف الحدود. كما يرون أن قرار بايدن الترشح من جديد كان خطأً، وأن كامالا هاريس لم تستطع، في بضعة أسابيع من الحملة، محو سجلّ حكم وصورة عامة اعتُبرت ليبرالية أكثر من اللازم.
فالتضخم لم يكن مجرد رقم اقتصادي، بل تجربة يومية: أسعار البقالة، والإيجار، والوقود، والتأمين الصحي. وحين يشعر الناخب بأن دخله لا يواكب الأسعار، فإن أي خطاب عن الإنجازات الاقتصادية يبدو منفصلًا عن واقعه. أما ملف الحدود، فقد تحول إلى رمز لانعدام السيطرة، حتى بين ناخبين لم يكونوا في الأصل معارضين للهجرة بحد ذاتها.
وينتقد التقرير أيضًا «سياسة المراوغة»: تغيير المفردات، أو الإكثار من الظهور على تيك توك، أو مهاجمة وسائل الإعلام لا يكفي إذا بقيت المواقف الجوهرية غير شعبية. فالتواصل يجب أن يتبع إعادة تموضع حقيقية، لا أن يحلّ محلها.
بعبارة أبسط، لا يمكن للصورة أن تصلح البرنامج. فالناخب قد يُقنع مؤقتًا بأسلوب المرشح، لكنه يبقى في نهاية المطاف يقيّم مواقفه تجاه الأسعار، والأمن، والهجرة، والرعاية الصحية. ولذلك، فإن الحملة الناجحة ليست حملة اتصال ذكي فحسب، بل ترجمة سياسية واضحة لاحتياجات حقيقية.
استراتيجية لعامي 2026 و2028
بالنسبة إلى انتخابات منتصف الولاية، ينصح التقرير باختيار مرشحين قادرين على تجاوز النتائج الوطنية للحزب، وكثيرًا ما يكونون في قطيعة مع الأورثوذوكسيات التقدمية. أما بالنسبة إلى عام 2028، فيوصي بإعطاء الأولوية لمرشح يتسق تاريخه في التصويت ومواقفه مع برنامج شعبي، بدلًا من مرشح يسعى إلى التمركز في اللحظة الأخيرة.
فالناخب يقدّر الاتساق أكثر من البراعة الخطابية. فالمرشح الذي دافع طويلًا عن خفض الأسعار، وإصلاح الرعاية الصحية، وتأمين الحدود، يملك مصداقية أكبر من مرشح يغيّر مواقفه فجأة تحت ضغط الانتخابات.
غير أن المؤلفين يحذرون من التفاؤل المفرط: فالنتائج الجيدة في انتخابات منتصف الولاية لا تضمن الفوز الرئاسي، لأن الناخبين الأقل انتظامًا في المشاركة — وهم الذين خسرهم الديمقراطيون — يعودون للمشاركة بدرجة أكبر في الانتخابات الرئاسية.
لذلك، لا ينبغي للديمقراطيين أن يفسّروا أي انتصار في منتصف الولاية بوصفه تأكيدًا نهائيًا لصحة استراتيجيتهم. فالانتخابات الرئاسية تختبر الحزب أمام جمهور أوسع، وأقل ولاءً حزبيًا، وأكثر حساسية للأداء الاقتصادي والرموز الثقافية.
درس يتجاوز الولايات المتحدة
تكمن قوة Deciding to Win في رفضه للمأزقين المتقابلين: لا الدفاع المريح عن المؤسسة، ولا النقاء الأيديولوجي التقدمي. فأطروحته هي أن الأغلبية الانتخابية تُبنى عبر الحديث أولًا عن الانشغالات المادية للناخبين، مع قبول تهدئة الملفات التي يكون الحزب فيها أكثر هشاشة.
وهذا الدرس يتجاوز الحالة الأمريكية. ففي أوروبا، حيث تواجه أحزاب اليسار تآكلًا مماثلًا في دعم الطبقات الشعبية، يطرح التقرير سؤالًا سياسيًا كونيًا: هل يستطيع حزب يساري استعادة الطبقات الشعبية دون التخلي عن قيمه، لكن مع قبول ترتيب أولويات نضالاته وكسر بعض الأورثوذوكسيات الناشطة؟
وفي فرنسا تحديدًا، ومع اقتراب الموعد الانتخابي لعام 2027، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: فالقوة الشرائية، والإسكان، والرعاية الصحية، والأمن، والهجرة، ليست ملفات ثانوية، بل هي اللغة التي يفهم بها كثير من الناخبين السياسة. والحزب الذي يعجز عن مخاطبتها بلغة واضحة وملموسة يترك مساحة فارغة أمام اليمين الشعبوي.
والإجابة التي يقدمها التقرير واضحة: نعم، يمكن لليسار أن يستعيد الطبقات الشعبية، شريطة أن يجعل من الفوز الانتخابي ليس غاية في ذاته، بل الشرط العملي لأي تحول سياسي. فالقيم التي لا تُترجم إلى أغلبية تبقى، في أفضل الأحوال، رسالة أخلاقية؛ أما القيم التي تُترجم إلى برنامج قادر على الفوز، فتتحول إلى أداة فعلية لتغيير المجتمع.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.