تعود بنا أوضاع الصحة في مغرب النسيان للحديث عن الخصاص المهول في العلاجات التلطيفية لمرض السرطان، ففي ظل غياب مراكز جهوية لعلاج هذا المرض بعدد من المدن، وعدم كفاية الحملات الوطنية للتشخيص المبكر، سواء لفائدة الساكنة ذات الحظوة أو المنسية منها، باستثناء العمل الجبار الذي تقوم به جمعية للاسلمى لمحاربة داء السرطان بمعية مع المراكز المحسوبة على رؤوس الأصابع بمناطق المملكة، يظل الغائب الأكبر والرئيس في هذا المجال بالمغرب هو وجود العلاجات التلطيفية عند إصابة المريض بالداء في مراحله الأخيرة، إذ تغيب تماما أي متابعة طبية من أي نوع تلطف محنة المريض، وتخفف عنه معاناة الألم في جميع مناطق المغرب تقريبا، باستثناء بدايات في هذا النوع من العلاج بمدينتي الدار البيضاء ومراكش.
ولا توجد في هذا الإطار إلا أستاذة بمركز الأنكولوجيا بمدينة الدار البيضاء متخصصة في هذا المجال، تقوم بدورات تكوينية لفائدة الأطباء المتدربين في علاج السرطان، وربما يقوم أستاذ آخر حسب علمنا بالعمل نفسه بمدينة مراكش؛ ناهيك عن إمكانية وجود بعض الأطباء الذين تلقوا تكوينا مُركّزا في المجال بمؤسسات صحية أخرى.
إذن، كيف يعقل أن يفتقر بلد بأكمله إلى تخصص في مجال العلاجات التلطيفية، ليُترك المغاربة في مواجهة القدر المحتوم والصراع الأليم مع مرض الموت دون عون أو مساندة، قد تخفف من آلام المريض، وتسهل عليه مرحلة العبور إلى مثواه الأخير؟
في مدينة الدار البيضاء تقوم الآن لجنة أطباء مدربين في مجال العلاجات التلطيفية، تحت إشراف أستاذة متخصصة في هذا المجال، بتغطية الحالات المسجلة في مركز الانكولوجيا على صعيد المدار الحضري بالمدينة. لكن لا تستطيع هذه اللجنة تغطية النواحي، نظرا لقلة الموارد البشرية. وهكذا لا تستطيع اللجنة تقديم خدماتها الطبية الإنسانية الجليلة لفائدة جميع ساكنة الدار البيضاء؛ وهو ما ينطبق كذلك على اللجنة المتواجدة بمدينة مراكش.
إذن، في غياب العلاجات التلطيفية الرحيمة، يواجه المغاربة مصير الألم وعذاب فراش الموت، كما تتناسل الحكايات حول معاناة المرضى ومدى تألمهم في مراحلهم الأخيرة من المرض، إذ يفارق المريض الدنيا في غبن وتأوه وأنين. وتظل ذاكرة الأبناء تروي مأساة الموت، بل منهم من تسكن خياله صورا بشعة لبكاء الآباء والأمهات ونواحهم وتوجعهم على فراش الموت. ومن منا من لا تؤرقه كوابيس موت الأحبة وتقض مضجعه؟
هل كُتِب علينا موت أليم وعذاب رحيل في وطن النسيان؟ ما نوع المنطق الذي يدفع بصاحبه كالعربي باطمة مثلا أن يدبج كتابا حول الصراع مع السرطان ويؤرخ لمعاناة الرحيل؟ كم من نسخة ستنتجها ذاكرة شعب منسي مريض؟.. لا يجادل أحد في أننا نعيش هنا فوق هذه الأرض مرحلة عبور، ونحن في سفر يوما بعد يوم في اتجاه العالم الآخر، لكننا جنس بشري يتطور ويبتكر أساليب وأدوات للتغلب على قسوة الطبيعة. ألا تذكرون كيف قام حي بن يقظان بتشريح أمه الظبية بعد موتها قصد اكتشاف سبب الوفاة، وهو الذي اهتدى إلى التوحيد بالفطرة..
هل تذكرون أن قصة بن يقظان تحكي عن جنس بشري جلس مكتوف الأيادي ينتظر المصير القاتم المحتوم؟ كلا، هي قصة بطل ابتكر طرقا متعددة لبناء نوات الحضارة الإنسانية، وهي قصة بن يقظان الرومي العجمي التي تطورت إلى ابتكار الموت الرحيم والعلاجات التلطيفية. لكن حي بن يقظان العربي، والمغربي على الخصوص، لازال بدائيا يعتقد في أساطير سكرات الموت، وتتناسل الحكايات والتأويلات عن أساليب تدبير المرحلة الأخيرة من الحياة بعيدا عن المقاربة العلمية والعلاجات الضرورية لحماية المريض وذويه من انهيارات عاطفية قد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها.
كفانا ضحكا على الذقون! لماذا توصّل حي بن يقظان في الغرب إلى بناء منظومة صحية متكاملة، تمكنه من رعاية المريض حتى نهاية حياته، وهنا في وطن الإسلام، يحتمي فقط بدرع الإيمان وتقوى القرآن ودفء الإخوان لمواجهة المصير المحتوم.
لقد قبِل آل حي بن يقظان في قبائل المغرب بموت الذل والهوان، وحين يقول لهم الطبيب قولته المشهورة: “هادا ما عندو علاج!”، تتعالى الأصوات من كل مكان قائلة: “دي باك يموت في دارو!”. وتعتبر هذه نقطة البداية لمعاناة المريض الحقيقية مع سقمه، لتنغمس العائلة بأكملها في الحزن والهم والشقاء. بالله عليكم يا آل حي بن يقظان، قولوا لي: “ما معنى دي باك يموت في دارو؟”، كيف يحدث هذا في وطن تفانى مواطنوه في خدمته ليُرمى بهم عند إصابتهم بداء مستعص العلاج في طي النسيان؟ كيف يٌرمى بالمريض إلى ذويه لاحتضانه، إعمالا بالقول المأثور “إلى خنز اللحم يهزوه ماليه!”، ولا من يقدم العون من المؤسسات، حيث يفارق المرء الحياة في توجع دون توفر علاجات تلطيفية، ودون خبرة ذويه في العناية به وتقديم الإسعافات الضرورية.. هذا يتم في قرية بن يقظان التي تعرض فيديوهات آتية من الغرب توثق كيف يستفيد بن يقظان “كامل المواطنة” من خدمات المنظومة الصحية حتى تنهدات الوداع، بل يتمتع هو وذووه بحق الموت الرحيم.
وليكن في علمنا جميعا أن مجتمعنا لا يطبق الموت الرحيم طبعا، كما تقوم بذلك مجتمعات دول “الكفر”، لكنه يطبق الموت القاسي والعنيف في حق مرضاه دون وعي ثقافي بذلك، ومع الأسف بفهم ضيق لنصوص الدين. ماذا يعني سلوك “دي باك يموت في دارو!” في قاموس المنظومة الصحية الديمقراطية التي تحترم حق الإنسان في الحياة؟ إنها بكل بساطة قتل جائر للإنسان وتخلي المؤسسة الصحية عن مسؤوليتها تجاه مواطنيها.
سيقال لنا مثلا: “كيف يمكن توصيف هذا السلوك بأنه موت قاس في حق المريض؟”.. تصوروا معي ما يقع مثلا لمريض سرطان في أوروبا.. عادة ما يدخل هذا المريض في غيبوبة، وقد تطول بالنسبة للبعض، إذ تجعلهم تحت رحمة الأجهزة والتنفس الاصطناعي. ورغم الأدوية والمسكنات، يظل المريض في محنة الأوجاع والصداع الذي لا يستطيع تحمله، فتتخذ العائلة والأطباء قرارا بإنهاء حياته عبر رفع هذه الأجهزة.
هذا سيناريو شائع جداً في بلدان أوروبا، لكن ما هو السيناريو الشائع في المغرب؟ “دي باك يموت في دارو”. ففي حالة الإصابة بداء مستعص لا يكمن علاجه، يلزم المريض بيته ويعاني في صمت، أحيانا محاطا بعائلته إذا كان محظوظا، يحثونه على الصبر والثبات، لأن الله مع الصابرين. أين هي الأجهزة أو الأدوية التي سيأخذ فيها الأطباء والعائلة قرارا برفعها قصد إنهاء حياته؟ على العكس، يُترك المريض يواجه قدره بكلمات الصبر والفرج من عند الله، والقول المأثور “دي باك يموت في دارو”..
لولا إيمان آل بن يقظان بالمكتوب والآجال والساعة، لما قبلوا بهذه الطريقة في العبور من حياة الدنيا إلى حياة الآخرة. حين يشتد الألم، ويحس المريض بأن الساعة اقتربت لا ريب فيها، وينقطع عن الأكل والكلام، فترى أصبع يده اليمنى ينطق بحركات الشهادة، وعلى التو تنادي العائلة على الفقيه الذي يقف على رأس المريض المستعد للسفر الأبدي، يرتل القرآن ترتيلا، لعله يلطّف عليه سكرات العبور…كما يلاحظ القارئ، فإن العلاجات التلطيفية التي يمتهنها المغاربة، ليست كيماوية، بل ثقافية يستلهمها معظمهم من الخزان الديني لمقاومة مصيبة الموت، وحزن الفراق.
لقد أصبح اليوم ضروريا مساعدة مرضى الحالات المستعصية في محنتهم بتوفير العلاجات التلطيفية البديلة التي قد تحسن من حالة المريض الجسدية والنفسية، خصوصا إذا امتزجت بالطقوس العلاجية ذات التأثير البلاسيبو في ثقافتنا الإسلامية.
نحن لا نطالب وزارة الصحة بإنشاء مراكز أو غرف داخل المستشفيات لإيواء المرضى على فراش الموت والاعتناء بهم حتى الوداع الأخير، كما هو حاصل في دول الغرب “الكافر”، لأننا نعلم جيدا صعوبة توفير الخدمات الأساسية حتى بالنسبة للمرضى العاديين، لكن نطالب ساسة مجتمع حي بن يقظان المسلم التقي أن يقوم بإحداث خلية علاجية تتكون من أطباء متخصصين في العلاجات التلطيفية تزور بيوت مرضى سقم الموت، لتقدم الإسعافات الضرورية والوصفات العلاجية الممكنة، كما تعمل على تمرين أفراد العائلة الذين أوكلت إليهم مهمة الاعتناء بالمريض، ولما لا مراقبة صحة هؤلاء بعد موت الهالك بوصف التحاليل الطبية اللازمة، والعلاجات النفسية الضرورية. ماذا ستكلفكم هذه اللجان الطبية التي ستقدم خدمات إنسانية جليلة لا تقدر بثمن؟ ما دوركم كحكومات تتقلد مناصب الحكم وتسطر “برامج التغيير”؟.
لقد حان الوقت أن يجبر المواطنون ساستهم ليس فقط على التصريح بممتلكاتهم عند الاستوزار، ولكن على امتطاء الحافلات واستعمال وسائل النقل التي يستعملها “رعاع” هذا الشعب، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس الحكومية التي يدرس بها أبناء “غوغاء” هذا الشعب، ويعالجون مرضاهم في المستشفيات الحكومية التي يتردد عليها فلذات أكباد هذا الشعب.. يومها سيمنح المغاربة أصواتهم لمنتخبين منهم وإليهم، يحسون بمعاناتهم، ويهتمون بقضاياهم المصيرية.
أما عندما يمنح المغربي صوته لمنتخَب يمتطي سيارة رباعية الدفع، ويدرس أبناءه في مدارس راقية باهظة التكاليف، ويستورد “دوليبران” من باريس إذا أوجعه رأسه، ويرسل أبناءه في بعثات دراسية إلى الخارج، وينزل بمصحات أوروبية راقية لتلقي العلاجات التلطيفية، ليعود إلى وطنه في تابوت خشبي محكم الإقفال على متن طائرة بوينغ، ثم يتطوع عذارى الناخبين لحمل أخيهم على الأكتاف إلى مقابر المسلمين، ومن هؤلاء “التوابيت أو الصناديق المنتخبة” من يُعتبر شهيد الواجب، فيدفن في مقابر النخبة.. أهذا من أبناء جلدتنا، يُحزنه ما يحزننا، ويُصيبه ما يصيبنا، ويتحسر لمعاناتنا؟ أهذا من آل بن يقظان الذي كابد المتاعب لفهم قانون الطبيعة وبناء السلوك الاجتماعي؟ لعل من أكبر حسنات ربيع العولمة الرقمي هو سقوط أقنعة الزيف وانقطاع غبار سياسة الأوهام، إذ لا أمل في هذه الزعامات الكارتونية والأحزاب المهووسة بغنائم السلطة بعيدا عن معادلة النهضة والتغيير.
الكثير من هذه الامراض امستعصية يمكن تجنبها باتباع نظام غذائي طبيعي خالي من المواد الغذائية المصنعة..الانسان جزء من الطبيعة غذاؤه من الطبيعة و ليس من المصنع..شركات الادوية و لوبيات الصناعات الغذائية ليس من مصلحتها قول الحقيقة
قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:"لو عترت بغلة في العراق لسألني الله عنها لم لم تصلح لها الطريق يا عمر!!!" كم من مسؤول سيسأل غداً. تطلب المستحيل أيها الأستاذ الجليل. تطلب الرفاهية. اللهم يموت في دارو . أو ينهبون أهله ما تبقى لهم من دراهم معدودة. هل و فرنا وسائل العلاج للأطفال و الذين يرجى طول عمرهم؟؟؟ بقي لنا سوى الإعتناء بالميؤوس من الإستمرار في العيش؟
أسر كثيرة تعاني في صمت رهيب.
وعبارة " دي المريض يموت فدارو" تشعر بزمن عبارات "بني على هذا ف الحايط". أي لازالت روح الانسان كروح االنحلة التي تلسعنا فنفرج عليها لتموت انتقاما منها على فعلتها
"دي باك يموت في دارو!" فعلا جملة قاسية و بعض الناس يفضلون الموت في دارهم خوفا من الاهمال و سوء المعاملة في المستشفى. هذا فعلا ناتج الوضع مزري للصحة في المغرب. حتى زيارة الطبيب بشكل منتظم لتشخيص الامراض بشكل استباقي ومراقبة التطور الصحي للشخص, ثقافة منعدمة في المغرب.
لان التوعية المباشرة والتخطيط المبرمج من الطبيب بامر من الدولة
يجب انشاء تعاضديات صحية تضامنية واسعة النطاق لتحسين قطاع الصحة. لانه قطاع مكلف.
في المانيا التامين الصحي اجباري, كل يؤدي على حسب دخله و جزء يؤديه ارباب العمل, و اذا كان الانسان ليس له دخل او التامين مع احد افراد الاسرة, فان الدولة تؤدي عنه.
اعجبني طرح الكاتب للموضوع و نتمنى ان تصل الرسالة لمن يهمهم امر ال حي بن يقطان
موضوع هاءل و في الصميم يفهم مغزاه من له تجربة مع أقرباءه او في الميدان. في المغرب خصاص مهول في palliative medicines او طب التلطيف. لا ننتظر من الخواص اقتحام الميدان فعلى الدولة القيام بواجبها!؟
مقال رائع و وصف حقيقي لواقع كئيب يعيشه مواطنون مع وقف التنفيذ…حقيقة غالبت بصعوبة ذرف الدموع وأنا اتخيل أن ما تصفونه في مقالكم قد يكون مصيري …مصيرك…حسبنا الله و نعم الوكيل.
هل هكذا سنبقى إخواني نموت في ألم وصمت؟؟؟ وأصحاب الكروش والقروش يتنافسون على الوزارات التي بها خيرات البلاد ليملؤا كروشهم من ارزاق الشعب، يدرس ابناؤهم بالخارج ويعالج مرضاهم بالخارج ولا حول ولاقوة إلا بالله
اذا اردنا ان نعبر عما يحز في انفسنا، فان الكلمات لا تصف ما يشعر به الانسان العادي الفقير المعوز في هاته البلاد، فما بالك بشخص عليل خانته قوته و قفره لمواجهة المرض، ان اوروبا الكافرة توفر التطبيب للكل بدون استثناء و بتكاليف باهضة، قد نسمع اصواتا اننا ممن يدافعون عن الكفار، و لكن الواقع اللذي اعيشه انا انطلاقا من تجربتي في المانيا، هي شيء اخر، هم المسلمون حقا و نحن الكفرة و الفجرة بمعنى الكلمة، ما يعيشه المريض المغربي من احتقار سواء من اطباء او متدربين، و استهزاء بارواح الغير هو قمة النذالة، انشري هيبريس شكرا
نعم هذا بالمغرب المنسي أو ما يسمى المغرب الغير نافع افقروه و نهبوه ..
المغرب ينافس الصين فرنسا أمريكا في إفريقيا في الاستثمارات التي فاقت 1.2 تريليون دولار امريكي حسب مجلة دير شبيغل الألمانية نعم الإستثمارات المغربية بإفريقيا و 75 مليار دولار مجمدة بسويسرا .مهربة
– لكن عندما ترى موازين و مهرجانات و مسلسلات مكسيكية 24 ساعة ستظن أنك بكندا أو أستراليا.
إذن من نصدق الواقع أي واقع الشعب أم التلفزيون و السهرات أم الإستثمارات الأجنبية أم الحكومة المغربية فعلنا خططنا و 39 وزير أم ماذا.؟؟؟
نعم هذا بالمغرب المنسي أو ما يسمى المغرب الغير نافع افقروه و نهبوه ..
المغرب ينافس الصين فرنسا أمريكا في إفريقيا في الاستثمارات التي فاقت 1.2 تريليون دولار امريكي حسب مجلة دير شبيغل الألمانية نعم الإستثمارات المغربية بإفريقيا و 75 مليار دولار مجمدة بسويسرا .مهربة
– لكن عندما ترى موازين و مهرجانات و مسلسلات مكسيكية 24 ساعة ستظن أنك بكندا أو أستراليا.
إذن من نصدق الواقع أي واقع الشعب أم التلفزيون و السهرات أم الإستثمارات الأجنبية أم الحكومة المغربية فعلنا خططنا و 39 وزير أم ماذا.؟؟؟