إذا كانت وظيفة الناطق الرسمي في أي حكومة أو مؤسسة عمومية هي إبلاغ الرأي العام، عبر وسائل الإعلام، بمستجدات قضية طارئة ومد المواطن بالمعلومات الكافية حتى يشبع رغبته في الاطلاع على أمر يهمه، خاصة إذا كنا إزاء كارثة طبيعية أو حادث مميت أو فضيحة سياسية…، فإن هذه الوظيفة، وبهذه المواصفات وفي بلد اسمه المغرب، غير موجودة!
لقد انتظر المغاربة حتى مرت ثلاثة أيام على فاجعة تدافع الحجّاج المميتة في مشعر مِنًى، ليخرج الديوان الملكي ببلاغ يعلن فيه مقتل ثلاثة حجّاج مغاربة وعشرات المفقودين، وتصمت إبان ذلك الحكومة، بما فيها وزارة الاتصال ووزارتا الأوقاف والخارجية، هذه الأخيرة أعلنت بعد الحادث بخمسة أيام وفاة خمسة مغاربة وفقدان 34 آخرين؛ في وقت شد المغاربة على قلوبهم التي بلغت الحناجر لمعرفة حقيقة حياة الحجّاج المغاربة من موتهم، في الوقت الذي عدت غالبية الدول ضحاياها من القتلى والجرحى، أما المغرب فحالة التيه والغموض لم تفارقه.
بعيدا عن تقييم مستوى عمل البعثة المغربية وتعامل سفارة الرباط في الرياض مع ما وقع للمغاربة في الأرض المقدسة، فإن معضلة التواصل الرسمي باتت تقعِّد لخاصية الاستثناء المغربي مرة أخرى، حتى إن الفراغ التواصلي الرسمي استغلته بعض المنابر الرقمية لتتحدث عن مقتل أزيد من 100 حاجّ مغربي يوم الفاجعة، وتنقل عنها وكالات أنباء دولية جاعلة من المغاربة في صدارة حصيلة الخميس الأسود، بجانب الإيرانيين.
في الدول الديمقراطية التي تحترم مواطنيها وتحرص على التواصل معهم دون تهرب من تصريح إعلامي أو اختفاء عن الأنظار أو إغلاق الهواتف عن الصحافيين، توكل مهام إذاعة المستجدات العاجلة وتوضيح ما حدث لمتحدثين رسميين، لا يمثلون فقط القصر أو الحكومة أو رئاستها أو مكتب مجلس النواب، بل يعينون داخل جل الوزارات، خاصة الاستراتيجية منها، كوزارات الخارجية والدفاع والصحة، وغيرها إلى جانب المؤسسات والوكالات الأمنية الرسمية، ناهيك عن الناطق الرسمي الذي يمثل الأحزاب ويتحدث باسمها.
بُعَيد فاجعة مِنًى، ظهرت قضية عزم السويد على الاعتراف رسميا بدولة البوليساريو الوهمية ومنح تنظيم الانفصاليين تمثيلية دبلوماسية في ستوكهولم، فعقد رئيس الحكومة، بأمر ملكي، اجتماعا سريا طارئا حول القضية التي استنفرت الآلة السياسية والدبلوماسية المغربية كما استنفرت المغاربة. وحدها هواتف الصحافيين تحركت لمعرفة ما حدث داخل اللقاء على لسان قادة الأحزاب الذين تكتموا بدورهم، وطبعا وسط إحجام تام للناطق الرسمي باسم الحكومة، في سلوك سياسي ديمقراطي تمنينا لو رأيناه يوما ما.
إذا كان الوزراء عندنا في المغرب لا يبتعدون في خطاباتهم الرسمية عن الورق وعما هو مكتوب لهم، وهم غالبهم لا يتقنون فن التواصل مع وسائل الإعلام والجواب عن أسئلتهم الآنية إلا من رحم الله، فليس هناك عائق قانوني أو دستوري يمنع تنصيب متحدث رسمي مؤهل في اللغات والخطابة والتعامل مع الإعلام في كل الأوقات.
وهو الإجراء الذي من شأنه أن يقطع مع تأويلات الرأي العام المشروعة، ويتيح للمواطن المغربي حق الحصول على المعلومة في وقتها ويريحه من ارتفاع الضغط والسكر في الدم وهو ينتظر وزارة لأيام كي تخبره بحصيلة وفيات الحجّاج المغاربة، وينتظر وزير الاتصال أربعة أيام ليطلعنا عن مخرجات لقاء السيد بنكيران مع زعماء الأحزاب حول قضية الصحراء.
لنتسم بالصراحة ولنقل الحقيقة كما هي: المشكلة ليست في الوزراء وخصزصا وزراء العدالة والتنمية الذين يتوفرون على رصيد لغوي ومعرفي مشهود له.
المشكلة أنه كلما تحدث مشكلة وقتل أو كارثة يمنع على أي كان أن يسابق الملك في التضامن مع الضحايا.
القصر دائما يريد أن يظهر بأنه هو المتضامن مع الضحايا:
سؤالي هو أين تحركات القصر من كارثة منى؟ وهل يعقل بأن هناك عائلات لاتعلم شيئا عن أفرادها منذ تسعة أيام؟لماذا لايتدخل القصر ويستغل العلاقة الجيدة مع السعودية؟