هل تقيس الامتحانات ما يعرفه المترشح، أم قدرته على اختيار الجواب الصحيح؟
تثير بعض أسئلة الامتحانات المهنية تساؤلات تتجاوز الإجابة الصحيحة والخاطئة، لتصل إلى طبيعة السؤال، ومدى قدرته على قياس المعرفة والكفايات التي يفترض أن يستهدفها. فهل يكفي أن نضع أمام المترشح مجموعة من الاختيارات لنحكم على مستوى فهمه؟ وهل تعكس الإجابة الصحيحة دائما امتلاكا فعليا للمعرفة، أم قد تكون أحيانا نتيجة استبعاد احتمالات أخرى أو تخمين الجواب الذي قصده واضع السؤال؟
لا شك أن أسئلة الاختيار من متعدد (QCM) تتيح تصحيحا سريعا وموحدا، وتمكن من قياس جوانب مهمة من المعارف، خاصة عندما تبنى وفق معايير دقيقة. غير أن الإشكال يبدأ حين تصبح هذه الصيغة الأداة الأساسية أو الوحيدة لتقويم كفايات مركبة، خصوصا في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث تتداخل المفاهيم، وتتعدد المقاربات النظرية، وتكتسب الأفكار دلالاتها من السياقات التي تنتمي إليها.
فامتلاك المعرفة لا يعني حفظ تعريف أو التعرف على جواب من بين بدائل جاهزة فحسب، بل يتطلب القدرة على الفهم والتحليل، والتمييز بين المفاهيم المتقاربة، ومناقشة الأفكار، وبناء الاستدلالات وتبرير المواقف. وقد يختار المترشح إجابة صحيحة دون أن يستطيع تفسيرها، كما قد يتردد أمام سؤال تتداخل بدائله أو لم تضبط صياغته الابستمولوجية بدقة كافية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين السؤال الصعب والسؤال الملتبس. فالصعوبة المشروعة هي التي تدفع المترشح إلى التفكير والتحليل وتوظيف معارفه، أما الالتباس غير المبرر فهو الذي يجعل الإجابة مرتبطة بتأويل صياغة السؤال أو تخمين مقصد واضعه. وفي الحالة الثانية، قد يتحول التقويم من اختبار للكفاية إلى اختبار للقدرة على فك غموض السؤال.
ولا يتعلق الأمر باتهام واضعي الامتحانات أو التشكيك في جهودهم، بل بالتأكيد على أن بناء السؤال مسؤولية كبيرة لها مبرراتها العلمية والتربوية. فالسؤال الجيد ينبغي أن يكون واضحا، دقيقا في مفاهيمه، ومنسجما مع الكفاية المراد قياسها. كما ينبغي أن تكون البدائل المقترحة قابلة للتمييز على أساس علمي، لا أن تترك المترشح أمام احتمالات متقاربة يصعب الفصل بينها حتى مع امتلاك المعرفة المطلوبة.
ولعل هذا ما يدعونا إلى إعادة التفكير في موقع أسئلة الاختيار من متعدد داخل الامتحانات المهنية (الامتحان المهني، مباراة التوجيه والتخطيط، مباراة ولوج التعليم…)، لا بهدف إلغائها، بل لتحديد حدودها ومجالات استخدامها. فالامتحانات التي تتضمن التحليل والمناقشة وتفسير الوضعيات وبناء الحجة تتيح بدورها فرصة للكشف عن جوانب من التفكير لا تظهر بالضرورة في اختيار إجابة جاهزة. ومع ذلك، فإن هذه الصيغ تحتاج إلى معايير واضحة تضمن الإنصاف وتحد من الذاتية.
لذلك، نؤكد على ضرورة الجمع بين الاختيار من متعدد والأسئلة الموضوعية والمهام التحليلية، لقدرتها على تقديم صورة متكاملة عن مستوى المترشح، متى ربطت كل أداة بالأهداف والكفايات التي يراد قياسها. فليس المطلوب أن نجعل الامتحان أسهل، وإنما أن نجعله أدق وأكثر قدرة على التمييز بين الحفظ والفهم، وبين استحضار المعرفة والقدرة على توظيفها.
إن النقاش حول أسئلة الامتحانات المهنية ليس نقاشا تقنيا يخص واضعي الاختبارات وحدهم، بل هو جزء من نقاش أوسع حول معنى المعرفة، وطبيعة الكفاية، وشروط التقويم المنصف. وإذا كنا نطالب المترشح بالدقة في فهم المفاهيم وتحليلها، فمن حقه أيضا أن ينتظر الدقة نفسها في صياغة الأسئلة التي تختبر كفاياته.
إنها دعوة إلى التأمل وإعادة النظر في أساليب التقويم، وفتح نقاش هادئ حول مدى قدرتها على قياس ما نريد قياسه فعلا. فهل نبحث عن مترشح يستطيع اختيار الإجابة الصحيحة، أم عن مترشح يفهمها ويستطيع تفسيرها والدفاع عنها؟ وكيف يمكن أن نبني امتحانات تمنح المعرفة والفهم والتحليل فرصتها العادلة في التقييم؟
قد لا تكون لهذه الأسئلة إجابة واحدة جاهزة، لكنها تستحق أن تكون موضوعا للنقاش، لأن جودة التقويم من جودة السؤال.
عبد الحق لوشاحي. باحث ومكون في علوم التربية، مختص في البيداغوجيا السياقية، والتوجيه التربوي القائم على المشروع الشخصي للمتعلم. يشتغل على التقويم القائم على الأثر والأداء المهني المستدام.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.