دَرَسُوا الذاتَ العربيةَ
شَرَّحُوها بِجَمِيعِ المُبْضَعِ
وَاللُّغاتِ.
صَحيحٌ وَجَدُوا أَثَرَ الجِراحِ
مِنْ حَرْبِ البَسُوسِ
وَ دَاحِسَ وَ الغَبْراءَ
وَبَدْرٍ وَكَرْبَلاءَ.
صَحيحٌ اسْتَنْطَقُوا الوِشْمَ
بِظاهِرِ اليَدِ
وَالجَبِينِ.
فَوَجَدُوا الشَّنْفَرَى
وَالنَّابِغَةَ
وَأَبَا العَلاءِ.
كُلُّ هذا صَحيحٌ
لَكِنْ أَيْنَ عَنْتَرَةُ
وَعُرْوَةُ
وَعَلِيٌّ؟
لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا
سَكَتوا.. بَعْضُنا لا يُعْنِيهِمْ.
غَاصُوا في الوِجْدانِ العَرَبِيِّ
بِكُلِّ أَسْلِحَةِ المَعْرِفَةِ
فَأَظْهَرُوا ما يُعْنِيهِمْ
وَسَكَتوا.
بَعْضُنا لا يُعْنِيهِمْ
وَحِينَما احْتَجَّ الكِبْرِيتُ الأَحْمَرُ
اِبْنَ عَرَبِيِّ
وَالحَلَّاجِ
نَهَرُوهُما فَسَكَتا.
فَكَّكُوا كُلَّ حُرُوفِ البُرْهانِ
فَلَمْ يَجِدُوا ما نَعْرِفُ
أَوْ أَنْكَرُوا.
وَجَدُوا فَيْلَسُوفًا
أَلْبَسُوهُ الفُقَهاءُ مِنْ عَباءاتِهِمْ.
وَحِينَما احْتَجَّ ابْنُ رُشْدٍ
صاحُوا فِيهِ:
صَهْ
لَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ
فَأَنْتَ مِنْ أَسْرَارِ الأُمَّةِ
وَإِنْ شِئْتُمُ
الدَّوْلَةَ فَقَطْ.
وَحِينَما ذَهَبْنا إِلى مُخْتَبَرِ البُرْهانِ
أَظْهَرُوا سْبِينُوزا
يُبارِكُهُ أينْشْتاين
وَيَدْعو لَهُ،
بِإِلَهِهِ.
أَيَلُمْ لا يَعُودُونَ يَبْحَثُونَ
وَلا يُشَرِّحُونَ،
أَنْتَنَتِ الجُثَّةُ.
وَأَحاطَ بِها
عِقْبانٌ وَغِرْبانٌ.
سَتَعُودُ كُلُّ مَمَالِكِ اليَهودِ.
وَسَيَظْهَرُ المَسِيحُ.
وَيُبَشِّرُ بِأَحْمَدَ.
بِهَذا خَبَّرَتْنِي
ذاتَ المَساءِ،
لَقَالِقُ سِبُو
العائِدَةُ إِلى مَدِينَةِ اللَّقَالِقِ.
كُلُّ شَيْءٍ يَعُودُ
عَوْدًا أَبَدِيًّا..
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ.
( المتنبي) (915 – 965 م)
(هذه الأبيات تختصر مضمون تشريح الذات الذي يتناول العلاقة بين القوة المتمثلة في الخيل والسيف والرمح، والثقافة التي تجسدها والقرطاس والقلم، بالإضافة إلى ارتباط الهوية بالتاريخ المفتوح على أرض الليل والبيداء.)
أستاذي،
قرأت نصك الذي ينبض صدقًا وألمًا حول الذات التي تم تشريحها وقراءة جراحها على مر العصور. لقد استوقفتني لحظات من صمتك عن ذكر أبطال مثل عنترة وعلية، وذلك الصمت الذي يمثّل غياب الروح والعنفوان في تحليلاتنا الحديثة، حيث نميل إلى التركيز على الانقسامات والنكبات دون أن ننظر إلى أعمق ما يميز تجربتنا من شجاعة وفكر وصوفية.
هذا النسيان أو التجاهل لهذه الرموز ليس إلا هروبًا من مواجهة كنوزنا الذاتية، التي هي بالحقيقة مفتاح فهم حاضرنا وبناء مستقبلنا. إن قراءة الذات بمنهجية نقدية ليست دعوة للتشكيك في الهوية، بل كيفية لاسترجاع القوة من التاريخ، وأخذ العبر من أوجاع الماضي، فنتجاوز تناقضاتنا ونصنع منها وحدة متجددة.
“ليس المهم كم مرة جُرِحنا،بل كم مرة قُمنا لنخطّ بأنفسنا مصيرنا.”
ALHOCEIMA