انتخابات القضاة

انتخابات القضاة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 00:51

الاستحقاقات الانتخابية المهنية للقضاة: محطة لترسيخ الديمقراطية المهنية وتعزيز استقلال السلطة القضائية

شكلت الاستحقاقات الانتخابية المهنية المتعلقة بانتخاب ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية محطة مؤسساتية مهمة في مسار تكريس الديمقراطية المهنية داخل الجسم القضائي، وفرصة لتجديد الثقة في آليات التمثيل، وتعزيز المشاركة المسؤولة للقضاة في تدبير الشأن القضائي، بما ينسجم مع المكانة الدستورية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والأدوار المنوطة به في حماية استقلال السلطة القضائية وصيانة ضمانات القضاة.

وإذا كان نجاح أي استحقاق انتخابي يقاس، في جانب منه، بنتائجه، فإنه يقاس كذلك بمدى احترام قواعد المنافسة النزيهة، وتكافؤ الفرص، والقدرة على تحويل الاختلاف في التصورات والبرامج إلى مصدر للإغناء والتطوير، بدل أن يتحول إلى مناسبة للتجريح أو الإساءة. ومن هذا المنطلق، تكتسي هذه المحطة أهميتها الخاصة، بالنظر إلى ما أبانت عنه من مؤشرات إيجابية على مستوى التنظيم، والتنافس، والسلوك المهني، بما يعكس الوعي المتزايد لدى أسرة القضاء بأهمية الممارسة الديمقراطية المسؤولة.

المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص

يستحق المجلس الأعلى للسلطة القضائية التنويه بجهوده الرامية إلى توفير الشروط الملائمة لإنجاح هذه المحطة الانتخابية، ولا سيما من خلال العمل على تكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحات والمرشحين، وإتاحة المجال أمامهم للتعريف بمساراتهم المهنية والعلمية، وعرض تصوراتهم بشأن سبل تطوير عمل المجلس والارتقاء بأوضاع القضاة المهنية والاجتماعية.

إن ضمان تكافؤ الفرص لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل يشكل ركيزة أساسية لبناء الثقة في العملية الانتخابية، وإرساء منافسة تقوم على الكفاءة والتصور والقدرة على تحمل المسؤولية. كما أن توفير فضاء متوازن للتواصل والتعريف بالبرامج يتيح للقضاة ممارسة اختيارهم على أساس ما يعرضه المرشحون من أفكار ومقترحات، بعيداً عن منطق الإقصاء أو احتكار فرص التواصل.

ومن ثم، فإن ما تحقق خلال هذه المحطة يبرز أهمية استمرار تطوير آليات تدبير الاستحقاقات المهنية، بما يعزز الشفافية، ويصون استقلال الاختيار، ويكرس الثقة المتبادلة بين المجلس ومكونات الجسم القضائي.

الجمعيات المهنية للقضاة: الحياد ضمانة لنزاهة التنافس الانتخابي

لا يمكن الحديث عن نجاح هذه المحطة الانتخابية دون الوقوف عند الدور الذي اضطلعت به الجمعيات المهنية للقضاة، ليس فقط من خلال مساهمتها في تعزيز الوعي بأهمية المشاركة في تدبير الشأن القضائي، وإنما كذلك من خلال ما أبانت عنه من حياد في التعامل مع مختلف المرشحات والمرشحين، بما أسهم في ترسيخ أجواء من الثقة والاحترام المتبادل.

لقد شكل هذا الحياد، في حد ذاته، تعبيراً عن النضج المؤسساتي والمسؤولية المهنية، باعتبار أن الجمعية المهنية، مهما كان موقعها أو حجم حضورها داخل الجسم القضائي، تظل إطاراً للدفاع عن المصالح المهنية المشتركة، وفضاءً لاحتضان الاختلاف في التصورات والاجتهادات، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى تمييز بين المرشحين أو تفضيل أحدهم على غيره.

وإن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في الامتناع عن الانحياز، بل تتجلى أيضاً في ترسيخ مبدأ أن المنافسة الانتخابية ينبغي أن تظل مفتوحة أمام الجميع، وأن يكون الفيصل فيها هو ما يقدمه المرشحون من كفاءات وتجارب وتصورات بشأن عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا موقعهم داخل هذه الجمعية أو تلك، ولا طبيعة انتماءاتهم المهنية.

ومن ثم، فإن حياد الجمعيات المهنية لا ينتقص من أدوارها، بل يعزز مصداقيتها ويقوي مكانتها باعتبارها مؤسسات للتأطير والترافع الجماعي، ويؤكد أن الدفاع عن القضايا المشتركة للقضاة يقتضي الوقوف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، واحترام حرية الاختيار، وصون حق كل مرشحة ومرشح في عرض برنامجه والتعريف بتصوره.

وهكذا، فإن ما ميز هذه المحطة من حياد في التعامل مع المتنافسين، إلى جانب الجهود المبذولة لتوفير شروط المنافسة النزيهة، يعكس وعياً متزايداً بأن قوة الجمعيات المهنية لا تقاس بمدى تأثيرها في توجيه الاختيارات الانتخابية، وإنما بقدرتها على حماية استقلال تلك الاختيارات، وصيانة وحدة الجسم القضائي، وترسيخ ثقافة ديمقراطية تجعل من الاختلاف مصدر غنى، ومن الحياد ركيزة للثقة والمصداقية.

أخلاق المرشحين.. عنوان النضج المهني

لعل من أبرز المؤشرات الإيجابية التي ميزت هذه المحطة ما أبان عنه عدد من المرشحات والمرشحين من نضج مهني وأخلاقي في تدبير المنافسة الانتخابية. فقد انصب جانب مهم من خطابهم على التعريف بمساراتهم الشخصية والمهنية، وعرض تصوراتهم بشأن عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وشرح مقترحاتهم الكفيلة بتطوير أدائه وتعزيز تواصله مع القضاة، دون تحويل الاختلاف في الرؤى إلى مناسبة للإساءة إلى المنافسين أو الانتقاص من مساراتهم.

وهذا السلوك ليس تفصيلاً ثانوياً في العملية الانتخابية، بل هو عنصر جوهري في بناء ثقافة ديمقراطية مهنية رصينة؛ ذلك أن القاضي، بحكم رسالته ومكانته، مدعو إلى أن يجعل من الحوار والحجة والاحترام المتبادل أدوات للتنافس، وأن يقدم نموذجاً في الاختلاف المسؤول الذي لا يمس كرامة الأشخاص ولا ينتقص من الاعتبار الواجب للمؤسسة القضائية.

لقد أظهرت هذه الممارسة أن بإمكان المرشحين التنافس بقوة حول البرامج والتصورات، مع المحافظة على علاقات الزمالة والاحترام، وأن عرض المشروع الشخصي لا يستلزم التقليل من شأن مشاريع الآخرين. فالمنافسة المهنية السليمة لا تقوم على هدم الآخر، وإنما على إبراز ما يقدمه كل مرشح من أفكار ومؤهلات ومقترحات قابلة للنقاش والتقييم.

وإذا كانت الانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، فإن أثر السلوك الذي يرافقها يستمر بعدها؛ لأن القضاة الذين تنافسوا خلال هذه المحطة سيظلون يجمعهم الانتماء إلى أسرة قضائية واحدة، وتوحدهم مسؤولية خدمة العدالة وصيانة استقلالها.

من التنافس الانتخابي إلى المسؤولية المشتركة

إن انتخاب ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية لا ينبغي النظر إليه باعتباره غاية في حد ذاته، بل باعتباره آلية مؤسساتية لتقوية الصلة بين القضاة ومؤسستهم الدستورية، وإغناء النقاش حول القضايا المهنية، ونقل انشغالات الممارسين إلى فضاء التداول المسؤول.

وتبدأ المسؤولية الحقيقية بعد انتهاء العملية الانتخابية، حين يصبح لزاماً على من حظوا بثقة زملائهم أن يجعلوا من التمثيل تكليفاً مهنياً قائماً على الإنصات والتواصل والإنصاف، وأن يعملوا على نقل انشغالات القضاة بمختلف محاكم المملكة، مع مراعاة اختلاف ظروف العمل بين المحاكم ومراعاة خصوصيات المناطق النائية، دون تمييز أو إقصاء.

كما أن المرشحين الذين لم يحالفهم الفوز يظلون جزءاً من الرصيد المهني والفكري الذي تحتاج إليه المؤسسة القضائية، بما راكموه من تجارب وما قدموه من تصورات. فالخسارة الانتخابية لا تعني خسارة الاعتبار المهني، كما أن الفوز لا يمثل امتيازاً شخصياً، وإنما يرتب مسؤولية مضاعفة تجاه القضاة الذين منحوا ثقتهم للمنتخبين وتجاه القضايا المشتركة التي كانت موضوع التنافس.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة التواصل المستمر بين ممثلي القضاة وزملائهم، حتى لا يظل النقاش حول الشأن القضائي مرتبطاً بالمحطات الانتخابية وحدها، بل يتحول إلى ممارسة مؤسساتية دائمة تتيح عرض الإشكالات، وتبادل الرأي بشأن الحلول، ومتابعة مدى الاستجابة للمطالب المهنية المشروعة.

-الكاتب العام لنادي قضاة المغرب

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48

قفزة جديدة في أسعار الدجاج