أعطاب السياسة في المغرب

أعطاب السياسة في المغرب
الأحد 25 يناير 2026 - 10:39

من تقديس الزعامة إلى غياب الأفق الديمقراطي

يعاني المشهد السياسي والحزبي في المغرب من أعطاب عميقة لا يمكن اختزالها في أزمة أشخاص أو لحظة عابرة، بل هي أزمة بنيوية متراكمة، تمتد جذورها في بنية التفكير السياسي، وفي طريقة اشتغال الأحزاب، وفي العلاقة الملتبسة بينها وبين المجتمع. فالمفارقة الكبرى أن الأحزاب التي يُفترض أن تكون مدرسة للديمقراطية، ومختبرًا لإنتاج النخب، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى فضاءات مغلقة، تكرر ذاتها، وتعيد إنتاج نفس الأعطاب بأسماء مختلفة.

أحد أبرز مظاهر هذا الخلل هو تحوّل الزعامة الحزبية إلى ما يشبه الملكية الرمزية. فالتداول على القيادة، الذي يفترض أن يكون قاعدة ديمقراطية بديهية، أصبح استثناءً نادرًا أو مجرد إجراء شكلي. الزعيم لا يُنظر إليه كفاعل سياسي قابل للمساءلة والتقييم، بل كـ«تاريخ حي»، وكأن الحزب اختُزل في شخصه. ومع مرور الزمن، تفقد القيادة قدرتها على الإصغاء والتجدد، ويصبح الهمّ الأساسي هو الحفاظ على الموقع، لا تطوير المشروع. وهكذا، تتحول الأحزاب إلى كيانات جامدة، تخاف التغيير أكثر مما تخاف فقدان ثقة المواطنين.

هذا الجمود القيادي ينعكس مباشرة على موقع الشباب داخل الأحزاب. فالشباب، الذين يُفترض أن يكونوا القلب النابض لأي ممارسة سياسية حيوية، يُستدعون غالبًا لتزيين المشهد، لا لصنع القرار. يتم الاحتفاء بهم في الخطب والمؤتمرات، لكن حين يتعلق الأمر بالمسؤوليات الحقيقية، تُغلق الأبواب باسم “التجربة” و“التدرج” و“الشرعية التاريخية”. والنتيجة هي جيل سياسي محبط، يشعر بأن السياسة لا تخصه، وأن الأحزاب لا تمثله، فيختار العزوف أو الاحتجاج من خارج المؤسسات، بدل الانخراط في عمل حزبي فقد معناه.

ولا يمكن فهم هذا الوضع دون التوقف عند أزمة الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب المغربية. فالكثير من التنظيمات الحزبية ترفع شعارات الديمقراطية والشفافية، لكنها تمارس نقيضها داخل هياكلها. المؤتمرات تُدار بمنطق التوافقات المغلقة، والقرارات تُحسم في دوائر ضيقة، والاختلاف يُنظر إليه كتهديد لا كحق. في مثل هذا المناخ، لا يمكن للكفاءة أن تزدهر، ولا للنقاش الحر أن يتطور، لأن القاعدة غير المعلنة هي الولاء لا الكفاءة، والانضباط لا الإبداع.

ومن هنا، تتجلى إشكالية أخرى لا تقل خطورة، وهي تراجع معيار الكفاءة والأهلية في تدبير الشأن الحزبي والسياسي. فالترقي داخل الحزب لا يتم دائمًا على أساس القدرة على التفكير السياسي، أو صياغة البرامج، أو فهم تعقيدات المجتمع، بل غالبًا ما يخضع لمنطق القرب من القيادة، أو طول البقاء داخل التنظيم. وبهذا، يتم تهميش الكفاءات المؤهلة، خصوصًا من الشباب والمثقفين والخبراء، لصالح وجوه استهلكها الزمن السياسي، لكنها ما تزال تتصدر المشهد بفعل رمزية تاريخية لم تعد كافية لإقناع المجتمع.

ويتعزز هذا الخلل بفكر سياسي ما يزال أسير الماضي، يقدّس التاريخ أكثر مما يحلله، ويطالب بالاتباع بدل النقد. فالتاريخ النضالي، بدل أن يكون رصيدًا أخلاقيًا يُبنى عليه، يتحول إلى أداة للشرعنة الدائمة، وكأن الشرعية لا تُكتسب إلا مرة واحدة ولا تُراجع أبدًا. هذا المنطق يُنتج ثقافة سياسية محافظة، تخشى الأسئلة الجريئة، وتقاوم التجديد، وتتعامل مع التغيير بوصفه تهديدًا لا ضرورة.

كل هذه الأعطاب جعلت العمل الحزبي في المغرب يفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته الاجتماعية. فالمواطن، الذي يراقب من بعيد، لا يرى في الأحزاب فضاءً لحل مشكلاته أو الدفاع عن تطلعاته، بل يرى صراعات داخلية، ونخبًا متكررة، وخطابًا منفصلًا عن واقعه اليومي. ومع كل دورة انتخابية، يتعمق هذا الشرخ بين السياسة والمجتمع، وتتسع دائرة اللامبالاة، في ما يشبه حلقة مفرغة تُغذي نفسها بنفسها.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاحات شكلية أو تغيير الوجوه دون تغيير القواعد. المطلوب هو ثورة هادئة داخل الأحزاب نفسها: إعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، فتح المجال الحقيقي أمام الشباب، واعتماد الكفاءة معيارًا أساسيًا للقيادة والتدبير. كما يتطلب الأمر قطيعة فكرية مع منطق تقديس التاريخ، والانتقال إلى ثقافة سياسية نقدية، تعتبر السياسة فعلًا متجددًا لا إرثًا مغلقًا.

فالأحزاب التي لا تملك الشجاعة لتجديد ذاتها، محكوم عليها بأن تفقد دورها التاريخي، وأن تتحول إلى هياكل بلا روح. أما السياسة، في جوهرها، فهي فعل أمل وتجديد، ولا يمكن أن تستعيد معناها في المغرب إلا حين تصبح الأحزاب مرآة حقيقية لمجتمع حي، متنوع، ومتطلع إلى المستقبل، لا ظلًا باهتًا لماضٍ لم يعد قادرًا على الإجابة عن أسئلة الحاضر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الثلاثاء 27 يناير 2026 - 07:54

    “The function of leadership is to produce more leaders, not more followers”
    “وظيفة القيادة هي إنتاج المزيد من القادة، لا المزيد من الأتباع”
    R Nader

    “Quand on ne peut plus changer les choses, il faut changer les mots”
    “عندما لا يعود بإمكاننا تغيير الأشياء، يتحتم علينا تغيير الكلمات.”
    J P Sartre
    (هذا يعكس كيف تقوم الأحزاب السياسية غالباً بتغيير ‘علامتها التجارية’ أو مسمياتها دون تغيير بنيتها الداخلية)

    أستاذي،
    أتفق مع تحليلك العميق، فالشجرة التي تخشى تقليم أغصانها الميتة لن تنبت أوراقاً جديدة. بالفعل، أعطاب المشهد السياسي المغربي تنبع من تحويل الأحزاب إلى مزارع مغلقة لتربية الولاء بدلاً عن كونها حقولاً مفتوحة لزراعة الأفكار والكفاءات. هذه الدورة المفرغة لن تنكسر إلا بـ”ثورة الكفاءة” الحقيقية التي تضع الجدارة فوق الأقدمية، والشباب فوق الشكلانية. المجتمع يتساءل: كيف نطلب منه أن يصوت بوعي وأمل، وهو يرى أن مراكز القرار داخل أحزابه تُسدّد بالولاءات وليس بالبرامج؟ الخلاص لن يأتي من الخارج، فالأحزاب مطالبة بإعادة اختراع نفسها من الداخل، لتصبح مختبرات للحلول لا متاحف للزعامات.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02

بنكيران: البيجيدي في المعارضة