سحر الصورة وعمر الذاكرة:
قراءة في كتاب “أفلام صنعت حياتي” للمخرج محمد الشريف الطريبق
تتجاوز علاقتنا بالسينما أحيانا حدود المشاهدة العابرة، لتتحول الشاشة إلى مرآة مصقولة تعكس أدق تفاصيل ذواتنا وتشكل وعينا الإنساني؛ وهذا التلاحم الوجداني الفريد هو ما يفتش عنه المخرج والكاتب محمد الشريف الطريبق في إصداره المميز الصادر عن دار “خطوط وظلال للنشر والتوزيع” بالأردن، والذي يحمل عنوانا محملا بالشجن والاعتراف: “أفلام صنعت حياتي”. في هذا العمل، يبتعد الطريبق عن الصرامة الأكاديمية والجفاف النقدي ليفتح قلبه للقارئ، مستكشفا اللحظات الفارقة التي تحولت فيها الصورة المتحركة إلى جزء لا يتجزأ من تكوينه الشخصي والفكري.

وينطلق الكتاب من فكرة جوهرية يدركها عشاق الفن السابع، وهي أن الأفلام الخالدة لا تستمد قيمتها من مضمونها أو أسلوب إخراجها فحسب، بل من “الحالة” والطقوس الزمانية والمكانية التي عشناها أثناء تلقيها؛ سواء كانت المشاهدة في عتمة قاعة سينمائية مهيبة أو على شاشة صغيرة في دفء البيت، أو حتى أثناء انتظار حافلة وفي رحلات القطارات الطويلة. إن هذه التفاصيل الخارجية تندمج مع حكاية الفيلم لتصبح جزءا من جيناته داخل ذاكرتنا، حتى يمنحنا العمل إحساسا مباغتا بأننا نتابع حكاية حياتنا الشخصية، وكأننا نعرف تلك الشخصيات عن قرب قبل أن تظهر على الشاشة.
ويغوص المؤلف في تشريح عناصر هذا السحر السينمائي متجاوزا الحوار المباشر، ليركز على تجربة عاطفية ومعرفية تبنى بالأساس على بلاغة التفاصيل الصغيرة التي تسكن الذاكرة وتتكرر مع مرور الزمن كجزء من يومياتنا الخاصة؛ مثل حركة يد عفوية، أو ضحكة عابرة، أو نظرة غامضة في إطار تضيئه أنوار خافتة. ويتتبع الكتاب بكثير من الدقة التناغم البصري البديع بين المكان والزمن والشخصيات، مبرزا كيف يتكامل الإيقاع البصري والموسيقى التصويرية ليخلقا مزاجا نفسيا خاصا، حيث تفوق حركة السكون والصمت أبلغ الحوارات المكتوبة؛ إذ يكفي أحيانا مشهد صامت طويل لأكثر من خمس ثوان ليترك في أعماق المشاهد أثرا خالدا لا يمحى، يرسل من خلاله المخرج رسالة مباشرة إلى الشعور الداخلي دون الحاجة لأي تفسير لفظي.
ويأتي هذا الإصدار الأنيق ليمثل إضافة نوعية متميزة للمكتبة الثقافية العربية التي تحتاج بشدة إلى هذا النمط من السير الذاتية الحميمية حول الفن؛ فهو ليس كتابا عن تاريخ السينما، بل هو كتاب عن “حياتنا في السينما” ودعوة مفتوحة لكل من رتب حياته يوما على توقيت عرض فيلم ليعيد تأمل حكاياته المفضلة، ليس بعيون نقاد صارمين، بل بقلوب بشر سمحت للصور المتحركة أن تصنع تفاصيل حياتهم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.