شبكات التواصل الاجتماعي

شبكات التواصل الاجتماعي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 01:14

رافد من روافد الحرية أم تهديد لها؟

على مدى قرون، ظلت حرية التعبير تواجه قيودًا تفرضها أساسًا السلطتان السياسية والدينية. غير أن ظهور الإنترنت أحدث تحولًا جذريًا في هذا الوضع.

فقد أصبح بإمكان المواطن العادي أن يخاطب آلاف الأشخاص، بل الملايين منهم، دون الحاجة إلى المرور عبر صحيفة أو دار نشر أو قناة تلفزيونية.

وبدا هذا التحول، في ظاهره، انتصارًا كبيرًا للحرية والديمقراطية، لنكتشف بعد ذلك أن شبكات التواصل الاجتماعي، وإن أزاحت الحواجز التي كانت تحول دون مشاركة المواطن العادي في النقاش العام، فانتقلت به من متلقٍّ للمعلومة إلى منتج لها، إلا أن تحرير الكلمة لديه لم يؤدِّ بالضرورة إلى تحرير النقاش، بل تحولت شبكات التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض أن تشكل وسيلة جبارة لتحرير الكلمة، إلى وسيلة لوأدها، وبالتالي العمل، من حيث تدري أو لا تدري، على تقويض الحرية في البلدان الراسخة في الديمقراطية، وتقليص هوامشها المتباينة في البلدان الأخرى.

وهكذا، لم يعد الهدف دائمًا هو فهم الرأي المعبَّر عنه وتقديره وتقييمه في حدود ما تضمنه، بل أصبح تقييم الرأي ينطلق في كثير من الأحيان، من تحديد «المعسكر» الأيديولوجي أو الفكري أو المهني أو النفعي الذي ينتمي إليه صاحبه. وعندئذ، يتوقف الاختلاف عن كونه وسيلة للتواصل والبحث عن الحقيقة أو التوافق حول فكرة أو موقف معين، ويتحول إلى اصطفافات وتكتلات حقيقية و/أو افتراضية تغذي الفرقة والكراهية، وترفع من منسوب العدوانية.

وحينما يصبح كل رأي مخالف بمثابة اعتداء، تنكمش حرية التعبير.

والأدهى من هذا أن الرأي الافتراضي الغالب على شبكات التواصل الاجتماعي أضحى يحل تدريجيًا محل السلطتين السياسية والدينية في الحد من حرية التعبير، وأضحت حملات التشهير والتضليل والإقصاء والطعن في الأعراض هي السلطة البديلة الناشئة، التي تدفع كل صاحب رأي مختلف إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية على أفكاره وأقواله. وهنا مكمن الخطر.

وهنا نصل إلى مفارقة أخرى، لا شك أنها أخطر من المفارقات السابقة، وهي أن المقاولات المؤسسة لهذه الشبكات جعلت من نسب المتابعة بابًا مُدرًّا للدخل، ولا يهمها في شيء صدق المعلومة أو قيمتها المعرفية أو فائدتها الاجتماعية، وإنما قدرة كل ناشط على هذه المنصات على جذب الانتباه وإثارة التفاعل واستقطاب المشاهدات.

وما دام الدخل اضحى يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحجم المشاهدات والتفاعل، فإن الحافز المادي يدفع الكثيرين من صناع المحتوى إلى سلوك سبيل الإثارة، وما يقتضيه ذلك من تلفيق ونشر أو اختلاق أكاذيب وفضائح وصراعات لجلب أكبر عدد من المتابعين بهدف الحصول على أكبر دخل ممكن.

وهكذا أضحى الكذب أكثر ربحية من الحقيقة، والابتذال أكثر مردودية من المعرفة، وأصبح الجهل والتفاهة والتضليل طرقًا مأمونة نحو الشهرة والمال.

فالمنظومة هي أكبر وأعقد من هذا الناشط أو ذاك .. فالأمر لا يقف عند أشخاص ينشرون معلومات كاذبة ومضللة بشكل متعمد أو اعتقادًا منهم بصحتها، أو ينشرون فيديوهات وصورًا ساقطة أو خطابات تافهة، بل أصبحنا أمام تكتل اقتصادي عالمي قائم على إنتاج التضليل والرداءة والقبح، وتسويقها وتحويلها إلى أرباح.
واستحضر هنا مقولة منسوبة إلى الروائي والصحفي والفيلسوف الروسي دوستويفسكي (1821–1881) لعلها تعبر قليلا او كثيرا عن الحال والمآل:

«سيأتي زمان لن يستطيع فيه العقلاء قول أي شيء، خشية أن يجرحوا مشاعر الحمقى».

فهل هلَّ علينا هذا الزمان؟ أليست هذه بعض تفاصيله؟

د.رشيد بلديك من تلفيق ونشر أو اختلاق أكاذيب وفضائح وصراعات لجلب أكبر عدد من المتابعين بهدف الحصول على أكبر دخل ممكن.

وهكذا أضحى الكذب أكثر ربحية من الحقيقة، والابتذال أكثر مردودية من المعرفة، وأصبح الجهل والتفاهة والتضليل طرقًا مأمونة نحو الشهرة والمال.

فالمنظومة هي أكبر وأعقد من هذا الناشط أو ذاك .. فالأمر لا يقف عند أشخاص ينشرون معلومات كاذبة ومضللة بشكل متعمد أو اعتقادًا منهم بصحتها، أو ينشرون فيديوهات وصورًا ساقطة أو خطابات تافهة، بل أصبحنا أمام تكتل اقتصادي عالمي قائم على إنتاج التضليل والرداءة والقبح، وتسويقها وتحويلها إلى أرباح.
واستحضر هنا مقولة منسوبة إلى الروائي والصحفي والفيلسوف الروسي دوستويفسكي (1821–1881) لعلها تعبر قليلا او كثيرا عن الحال والمآل:

«سيأتي زمان لن يستطيع فيه العقلاء قول أي شيء، خشية أن يجرحوا مشاعر الحمقى».

فهل هلَّ علينا هذا الزمان؟ أليست هذه بعض تفاصيله؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.