ألا إن حمى الله محارمه

ألا إن حمى الله محارمه
الإثنين 7 يناير 2013 - 16:39

خلال اليوم الدراسي الذي نظمته “الجمعية المغربية للمقاولة ” حول المقتضيات الجديدة التي أتى بها القانون المالي لسنة 2013 جرنا الحديث إلى قانون آجال الأداء.

و للعلم فالأمر يتعلق بالقانون رقم 32/10 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5984 بتاريخ 06/10/2011 و الذي تممت بموجبه مدونة التجارة بإضافة الفصول 78-1 إلى 78-4، و تنص هذه الفصول على تحديد أجل أداء المبالغ المستحقة على المعاملات المنجزة بين التجار في ستين يوما من تاريخ التوصل بالسلع أو تنفيذ الخدمة المطلوبة، و يمكن للإطراف تمديد هذا الأجل إلى تسعين يوما كحد أقصى بصفة تعاقدية، و بعد انصرام الأجل القانوني أو التعاقدي يؤدي الزبون لمورده غرامة تأخير عن الأداء و لا يمكن لسعر الغرامة أن يقل عن السعر الذي سيحدد لاحقا بموجب نص تنظيمي، و يعتبر كل شرط من شروط العقد يتخلى بموجبه التاجر عن حقه في المطالبة بغرامة التأخير باطلا و عديم الأثر.

إلى هذا الحد و في انتظار النص التنظيمي نسي الناس أمر هذا القانون بل تكهنوا بإقباره يوم تولت الحكومة الحالية الشأن العام.

لكن، صدر بالجريدة الرسمية 6096 بتاريخ 30/06/2012 مرسوم لرئيس الحكومة ينص على أن سعر غرامة التأخير على المعاملات بين التجار لا يمكن أن يقل عن السعر المديري لبنك المغرب مضافا إليه هامش يحدد بمقتضى قرار لوزير الاقتصاد و المالية.

ورغم أن المرسوم الجديد ينص على أن سعر الغرامة سيحدد بمقتضى قرار لم ير النور بعد فقد تهاطلت مع بداية السنة رسائل الموردين على المقاولات الصغرى و المتوسطة تحدد سعر الغرامة في 10 في المائة من قيمة المعاملات المستقبلية مع تحديد أجل الأداء في ستين يوما، تحت طائلة قطع التوريدات عن المقاولات الصغرى.

وللمناسبة فمشروع قانون آجال الأداء من اقتراح الكنفدرالية العامة لمقاولات المغرب (و التي هي تجمع رؤوس أموال لا مقاولات فقانونها الأساسي يربط عدد الأصوات التي يملكها كل عضو بقدر معاملاته، فلا مكان للمقاولات الشابة أو مقاولات التشغيل الذاتي وسط هذه المنظومة).

ولم تستطع تمريره من سنة 2007 إلى منتصف 2011 بل لما تم الضغط على حكومة عباس الفاسي (و هي الحكومة اليمينية الرأسمالية) و تم تمرير القانون فقد تم إقباره بتأخير نشره في الجريدة الرسمية اشهرا عدة من جهة و بعدم اعتماد القانون التنظيمي من جهة أخرى.

الملاحظة الأولى أن القانون لا يطبق إلا على المعاملات بين التجار و بذا يستثني معاملات المقاولات الصغرى مع زبنائها، و يضع هذه الأخيرة في موقف صعب إذ أن عقود التوريد هي في غالبها عقود إذعان و لا تملك المقاولات الصغرى إلا أن تخضع لرغبات رؤوس الأموال أو تندثر وبالمقابل فهي لا تملك أية وسيلة لاستخلاص ديونها من زبنائها الغير التجار غير اللجوء للمحاكم التجارية مع ما يترتب عن ذلك من ضياع للوقت و السمعة التجارية و من ثم الإفلاس والسجن و ربما الانتحار.

وبالنسبة لسعر الفائدة، لا الغرامة كما جاء في نص القانون فهي فائدة ربوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى و تبعات، فقد حددته مراسلات الشركات الكبرى في 10 في المائة دون انتظار صدور قرار السيد وزير الاقتصاد و المالية كما نص عليه مرسوم السيد رئيس الحكومة، و زال منا العجب لما اتصلنا بمجوعة من الموردين فأحالونا على بلاغ للكنفدرالية أصدرته بتاريخ 18/09/2012 أي قبل صدور قرار وزير المالية الذي يحدد سعر الفائدة المستحقة، و نقرأ في المنشور أن لقاء جمع السيد رئيس الحكومة (الإسلامي) بحضور السادة عبد الله باها و نزار البركة و ادريس الازمي و عزيز أخنوش و عبد القادر عمارة و محمد نجيب بوليف و عبد العزيز الرباح و نبيل بنعبد الله و عبد الواحد سهيل و مصطفى الخلفي مع ذكر الصفة الوزارية لكل منهم برئيسة الكنفدرالية و مكتبها الإداري و نقرأ في طيات البلاغ المليء بالنيات الحسنة (وجهنم مبلطة بالنيات الحسنة) أن الجمع اتفق أو بعبارة أدق قرر أن سعر الهامش المضاف على سعر فائدة بنك المغرب يجب أن لا يقل عن 7 نقاط أي أن سعر الفائدة أصبح 10 في المائة (بزيادة أربع نقاط على الفائدة القانونية)، بل –حسب البلاغ- أكد السيد وزير المالية أن قراره سيكون مطابقا للاتفاق.

مجلس حكومة يجتمع بجل وزرائه إن لم نقل بكل وزرائه الفاعلين بمقر جمعية تبحث عن مصلحة خاصة و لا تمثل إلا رؤوس أموال هيمنت على الاقتصاد المغربي خلال الخمسين سنة الماضية و تحاول جاهدة الاستحواذ على ما تبقى من قوت الشعب و لا تعتبر أي منا مغربيا يملك حق المواطنة إلا بقدر معاملاته و تنتقل حكومتنا المبجلة إلى مقرها مصفقة و مهللة ويصدر عن الكنفدرالية (الحكومة الحقيقية) بلاغ يصبح قانونا ملزما للضعفاء لان من يحكم البلد جعل أقوات أبنائنا بأيديهم و ليس علينا إلا الإذعان، و بالمناسبة أشير أن كل رؤساء الكنفدرالية السابقين كانوا ينتقلون إلى مكاتب الوزراء يستجدون لقائهم و لم يحضوا قط بانتقال الحكومة إليهم.

الملاحظة الثانية تنصب على ما نص عليه القانون من اعتبار كل شرط من شروط العقد يتخلى بموجبه التاجر عن حقه في المطالبة بغرامة التأخير باطلا و عديم الأثر، أو بمعنى أدق فان رفضت استعمال هذا الحق و اعتبرت أن الأساس في الاقتصاد الإسلامي هو النظرة إلى ميسرة فقد خالفت قانونا ملزما و اقل الجزاء على ذلك مطالبة إدارة الضرائب لك بضريبة على موارد لم تستوفها فالقانون يقتل الخير بين المتعاملين و لن يحل مشكلة مطل الأغنياء إذ يملكون من القوة و الجاه ما يجعلهم يفلتون كل مرة من العقاب، زد على أن الفائدة المطلوبة ستدفع المتعاملين إلى الاقتراض من البنوك الربوية رغبة في أداء فائدة أقل و في النهاية يكون القانون مجرد مأسسة إجبار الناس على التعامل الربوي و هو ما سيؤدي طال الزمان أم قصر إلى إفساد أكبر لاقتصاد البلد.

على العموم يبقى القانون في نظر المقاولات الصغيرة و المتوسطة سيفا مسلطا على الرقاب فإما أن تذعن و تؤدي الفوائد لأنها لا تتحكم في مواردها القليلة مع العلم أن الدولة هي أول مماطل و أمامي فواتير لم تؤدها الدولة منذ أزيد من سنتين و إما أن تنقص من قدر معاملاتها ولا تتعامل إلا مع من يستطيع الأداء الفوري و هي في كلتا الحالتين سائرة إلى الاندثار لينضم أصحابها إلى جحافل المعطلين و يستمتعون بالوقفات المطولة أمام البرلمان، و بالمناسبة انصح الأخ الرميد أن يتراجع عن إغلاق المحاكم التجارية فخلال السنتين القادمتين سيضطر إلى فتح محاكم جديدة للبث في صعوبات المقاولات التي لا شك ستعلن إفلاسها.

وفي نظري يبقى هذا القانون مجرد محاولة بئيسة لخلق موارد جديدة لرؤوس الأموال فقد فشل القانون في تخليق الحياة الاقتصادية الفرنسية –التي نقل منها- و سيفشل كذلك بالمغرب، فما بني على باطل لا يمكن إلا أن يبقى باطلا.

وفي النهاية لا املك إلا أن اسر في أذن كبير العدالة و التنمية ألا إن حمى الله محارمه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • morad
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 01:14

    إنّما الأعمال بالنّيات……..
    إن أردتَ النّصيحة ل(السيد رءيس الحكومة)المسلم، جزاك اللّه تعالى خيرا
    .

  • ابو ماجد
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 01:55

    منذ مدة لم تعد تكتب افتقدناك استاذي
    مقال قيم نشكرك على المعلومة و على النقد المهذب

  • ضضضض
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 14:56

    الحمد لله
    له الشكر وله الحمد.
    لازال في البلاد أكفاء ورجال قادرين على الجهر بكلمة الحق.
    والهمس بكلمة "سبحان الله " في آدان من لعبت بألبابهم وأخدتهم الى عوالم التضليل الكراسي الاريحة والاجور المستخلصة من جيوب الضعفاء والمستضعفين والمغضوب عليهم .
    جزاك الله عنا خيرا أستادنا الفاضل .
    ولنا عودة لمقاربة هدا الاشكال لان هناك الكثير في الجعبة ما يجب أن يقال .

  • الثلاثاء 8 يناير 2013 - 16:18

    هذه قطرة من طوفان سياتي على المقاولة الصغرى و المتوسطة، اخضرها و يابسها، حياك الله استاذ الناطق باسم الجنعية المغربية للمقاولة وحامل همومها.
    نطلب منكم المزيد من الكشف عن باقي جروح هذه الشريحة التي تحتضر في صمت رهيب.

  • علي أكادير
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 18:50

    الحمد لله
    له الشكر وله الحمد.
    لازال في البلاد أكفاء ورجال قادرين على الجهر بكلمة الحق.
    والهمس بكلمة "سبحان الله " في آدان من لعبت بألبابهم وأخدتهم الى عوالم التضليل الكراسي المريحة والاجور المستخلصة من جيوب الضعفاء والمستضعفين والمغضوب عليهم .
    جزاك الله عنا خيرا أستادنا الفاضل .
    ولنا عودة لمقاربة هدا الاشكال لان في الجعبة ما يجب أن يقال.

  • reda
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 20:21

    il faut en faire une affaire d etat si on veut que une telle catastrophe n aboutisse ,il ne faut pas en rester a ce stade, il faut que tous les marocains sachent ceci;On veut faire plaisir aux suceurs de sangs marocains, et bien qu attendons nous ? ,et merci aux bonnes volontés

  • الشريف
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 21:36

    لكم الشكر على هذا التوضيح و نتمنى من الساهرين على شؤون هذا البلد أن يكفوا من القتل البطيء لجيوب الفقراء حتى لا نصبح غدا بسراويل بدون جيوب

  • لحسن البهالي
    الثلاثاء 8 يناير 2013 - 23:59

    عندما تحدث الأستاذ فريد زين الدين العثماني عن المقاولة الصغرى بهذه المرارة ، فلأنه لا ينطق عن الهوى ، فهو الخبير في تأسيس المقاولات وخبرته الطويلة في الاستشارات القانونية ، بالإضافة إلى أنه خبير في المحاسبة .لذا فلا عجب أن يتحدث عن المقاولات الصغرى لأنه يعرف المشاكل التي تتخبط فيها وما ينتظرها مستقبلا من أفواه قرش الشركات الكبرى وأصحاب الرساميل الطائلة .
    عندما تحدث ، فلأنه على علم بالأسوأ الذي ينتظر المقاولين الشباب .وانتظروا أن يتحقق ما حذر منه ، والأيام بيننا . الأستاذ لايخشى في الحق لومة لائم ، لذلك فهناك من يريد منه فقط أن يبقى في الظل. وما أعجب له ألم يدرك كبير العدالة والتنمية الذي أسر في أذنه بعبارة "ألا ان حمى الله محارمه" أن البلاد في حاجة للاستفادة من خبرات أبناء هذه البلاد العزيزة ؟ ومن بينهم الأستاذ فريد زين الدين العثماني . شكرا لك أستاذ مزيدا من خبرتك فلا تدع القلم يجف .

  • خليل
    الأربعاء 9 يناير 2013 - 15:07

    سلامي لأستاذي الأعز
    الاقتصاد والسياسة توأمان حقيقيان، وفي المغرب يتيمان تحت كفالة ثلة عص-ا-بة من الأولياء -المغرب بلد الأولياء والأبدال (الابن بدل أبيه في المناصب)- والقوانين قوالب -جمع مقلب- توضع حسب الظروف وتطبق حسب الحاجة -حاجة الخزائن السرية-
    لذا تصح هنا قولة:
    العلم نور والجهل أنوار

  • Ayoub
    الأربعاء 9 يناير 2013 - 16:59

    Un très bon article et une vraie lecture, que j'estime spéciale » de ce qui ce passe et de ce que risque la petite et moyenne entreprise de vivre.
    L’impression que donne le gouvernement tend vers l’encouragement sans cesse de la PME mais malheureusement les faits prouvent l’inverse.
    Grand merci M. FARID EL OTMANI.

  • R&D
    الأربعاء 9 يناير 2013 - 22:12

    أين هي وزارة الأوقاف من هدا القبيلء وأين هم علماء باب البيوع. لعل وزارة الأوقاف منشغلة بأستئجار أراضي الأحباس لأصحاب زراعة الكيف والترخيص للفتيات الحسناوات بأخد صور تذكارية في معالمينا الدينية.

  • زروال
    الخميس 10 يناير 2013 - 20:16

    في نظري المسؤول الاول والاخير عن الوضعية المزرية التي تعيشها المقاولة الصغرى. هم اصحابها فهم من ارادوا العيش في الشتات في زمن التكتلات فاذا بهم على. فتات الراس مالية والزبونية يقتاتون وهذا نداء مني للمقاولين الصغار اتحدوا فالابناك امامكم والبطالة وراكم فمالنا الا الصراخ مادمنا صغارا ففي العادة كلنا نسعى لاسكات صرخة الصغير فلنصرخ ليسعوا لاسكاتنا بشرط ان تكون صرخة صغير واحد بصغار متكتلون يطمحون الكبر

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع

صوت وصورة
احتجاج متضرري المحج الملكي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 07:32 2

احتجاج متضرري المحج الملكي

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58 1

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري