استراتيجية الاستثمار تضع المغرب في قلب مفارقة "النمو بدون فرص شغل"

استراتيجية الاستثمار تضع المغرب في قلب مفارقة "النمو بدون فرص شغل"
كاريكاتير: عماد السنوني
الأحد 9 يونيو 2024 - 23:00

دفعت الاتفاقية الاستثماريّة لإحداث مصنع “GIGAFACTORY” لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، بكلفة استثمار إجمالي تبلغ 12,8 مليار درهم، بالنقاش، مرة أخرى، نحو مفارقة قديمة جديدة تطفو إلى سطح الجدال حول مناخ الأعمال كلّ فرصة: لماذا مازالت نسبة العطالة “منتفخة” رغم تمكّن المغرب من جلب استثمارات “كبيرة ومهمة” في مجال الطاقة البديلة تحديدا؟

هذا السؤال مازال يمثل، وفق توصيف أحد الأكاديميين، “شرخاً” في الاقتصاد المغربي، لكون دينامية التشغيل مازالت “محدودة” أمام بيانات المندوبية السامية للتخطيط، على الرغم من أن تحليلات لا تؤمن بمصداقية الحديث من “خارج اللعبة”، على اعتبار أن “مناخ الأعمال يبدو بخير ويسير في منحى تنافسي يتحسن باستمرار”، ولكنها بدورها لم تستطع أن تغادر أفق “المشكلة”: “فرص شغل مازالت وعداً داخل الاستثمارات”.

نمو بلا شغل

زكرياء فيرانو، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، سجل ابتداءً أن الخطاب السياسي للحكومة يمنحها الشرعية للدفاع عن تصورها وجذب الشركات الكبرى، لأن هذا أمر إيجابي للغاية ومفيد بالنسبة للمغرب”، لافتا الانتباه إلى أن “هذا يعني أن المغرب من الدول التي تستطيع أن تكون جاذبة للاستثمارات الدولية، وخاصة في السنوات الأخيرة، إذ لاحظنا أن دولا مهمة تتجه للاستثمار في المغرب، سواء الصين أو اليابان وأيضا ألمانيا، إلخ”.

وانتقل فيروانو نحو المفارقة التي قدمها انطلاقاً من “نظرة اقتصادية”، وهي أنه “عندما ننظر إلى المعطيات نجد نسبة البطالة في المغرب تعدت 13 في المائة، وهذا رقم قياسي يسائل هذه الاستثمارات”، مرجعا كل هذا إلى كون “قوة الاقتصاد المغربي وقدرته على خلق فرص الشغل، سواء من الناحية الصناعية أو في القطاعات الخدماتية، تبقى ضئيلة جدا”، وقال: “الأمر واضح أنه يعود إلى كون المغرب اتخذ استراتيجية معروفة في الاقتصاد، وهي النمو بدون خلق فرص شغل (Croissance sans emploi)”.

واعتبر المتحدث أن هذه المقاربة “تحتاج أن تنتهي، عبر الانتقال إلى النمو عبر خلق فرص الشغل (Croissance avec emploi)، مثل ما هو معمول به مثلا في ألمانيا حيث نجد أن الشركات الصغرى والناشئة هي التي تتدخل في كل مراحل الإنتاج من أجل أن يكون هناك دفع بالاقتصاد وكذلك القدرة على خلق فرص العمل”، مسجلا أن الدخول في المراحل النهائية للإنتاج ليس مفيداً في تشجيع الاقتصاد الوطني على توفير استثمارات ضخمة لها قول حاسم في الرفع من نسبة العمالة.

وأكد أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط أن “اختيارات المغرب في مجال الاستثمارات ربما أعطت أكلها في قطاع السيارات، وبدأت تؤتي أكلها كذلك في قطاع صناعة الطائرات. ولكن في القطاعات الأخرى، المملكة تدخل دائما من نهاية ما يسمى بخط الإنتاج. لذلك، فهو دخول لا يكون خالقا للعديد من فرص الشغل، وهو ما نحتاج أن نعيد فيه النظر بجلب استثمارات نكون حاسمين في كافة مراحل إنتاجها”.

مناخ تنافسي

عبد الخالق التهامي، أستاذ بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيق، قال إنه من “المجحف القول إن الاستثمار لم يخلق فرص شغل”، موضحا أن “العلاقة الملتبسة بين ارتفاع نسبة البطالة وتدفق الاستثمارات بالمغرب تعود إلى طرق حساب نسبة العطالة التي تختلف بين المندوبية السامية للتخطيط ووزارة الصناعة والتجارة، لأن الأولى تستعمل أساليب معمولا بها لدى منظمات دولية”.

وأوضح التهامي، في تصريح لهسبريس، أن “المغرب قطع أشواطاً كبيرة في مجال خلق بيئة قابلة للاستثمار وأيضا تحفيز الفاعلين دوليا للمجيء، لكن حين نسمع أن مشروعا استثماريا ضخما بالمغرب سيخلق نحو 1000 منصب شغل، مثلا، فذلك لا يتم بشكل فوري، بل هو خيار استراتيجي وهدف يتم الاتجاه نحوه تدريجيا، ويمكن أن ينتظر الأمر لسنوات بعد تهيئة المشروع وغيره”، وزاد: “لقد خلقت استثمارات كثيرة فرصا مهمة”.

وأورد المتحدث أن ما يمكن أن يسمى “شرخا” بين نسبة البطالة وحجم الاستثمارات، “يرجع أساسا إلى المفاهيم المستعملة التي تختلف من سياق إلى سياق، ولهذا يمكن أن نتحدث عن نسبة غياب التشغيل وعن خلق فرص الشغل”، وقال: “حتى السلطات العمومية والمستثمرين يقولون: [الفرص المتوقع خلقها]، يعني ما يمكن أن يتحقق، وهو ما يتطلب التريث لمعرفة ذلك حقيقة”.

وأبرز الجامعي والأكاديمي أن “خلق فرص الشغل موجود ويتحسن، وهو طبعاً لم يصل إلى المستوى المراد، فهناك بيروقراطية واستمرار لحضور الرشوة في عوالم الاستثمار، إلخ”، خاتما بالتشديد على أن “وجود معيقات لا يعني أن المغرب لم يتمكن فعليا من خلق مناخ للأعمال بشكل تنافسي، جعل ترتيب البلد يتحسن تدريجيا”، موردا: “بالمقارنة مع دول أخرى قريبة منا في إفريقيا مثلا ودول عربية أخرى، نحن نقدم نموذجا واعداً في هذا الجانب”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • عادط
    الأحد 9 يونيو 2024 - 23:07

    البيروقراطية و مشاكل الجمارك و الرشوة نتمنى ايجاد حلول فعالة لحل مشاكل الشغل

  • مشكل الإحصاء
    الأحد 9 يونيو 2024 - 23:19

    لا يمكن الإعتماد على الإحصاء في دول مثل المغرب.
    يمكن أن نقول أن هناك بطالة بمعدل ،10%.ولكن في نفس الوقت نجد أن 80% من النساء عاطلات.
    وقد يتم جلب الإستتماروتخرج النساء للعمل،وتبقى نسبة 10% مستقرة أو تزيد،لأن هناك خزان من البطالة غير محصي

  • Sabri
    الأحد 9 يونيو 2024 - 23:31

    الأشخاص الذين يدخلون سوق الشغل سنويا يعد بعشرات الآلاف. ولا يمكن الاعتماد على مشروع واحد مهما كانت ضخامته ان يحل مشكل الشغل في المغرب. في كل البلدان المتقدمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي من تخل ق فرص الشغل وبالتالي يجب تدعيمها. يجب كذالك تغيير عقلية الشباب الذي يرى في الدولة الملجأ الأول للتشغيل. و الحث على المبادرات الفردية لإنشاء مقاولات ولو صغيرة .

  • عبد الفتاح
    الأحد 9 يونيو 2024 - 23:48

    نسبة البطالة في المغرب أسبابها منكم وفيكم الحكومة لاتضع قوانين الشغل بالوجه المطلوب وهي المحسوبة كل وزير وكل رئيس وكل مدير لايهتم بالمواطن من الطبقة الهشة وهذا يعيب التوازن في المجتمع

  • مدراس علي
    الأحد 9 يونيو 2024 - 23:49

    لوبيات الليبرالية المتوحشة المسيطرة على الاقتصاد تستفيد من حكومة الباطرونا تجعلها مقاولات غير مواطنة ولا يهمها تشغيل المواطن فقط جميع الثروات وتهريبها !في ضل التسيب وانعدام تطبيق القوانين

  • مواطن مغربي
    الأحد 9 يونيو 2024 - 23:56

    جادبية الاستثمار دون امتصاص البطالة فيها نوع من التناقض و هناك خلل في التسيير العام لوزارة التشغيل على ما يبدو لأن البطالة في ارتفاع كبير رغم حجم الاستثمار المهم. يجب محاربة الفساد بما في ذلك الرشوة و باك صاحبي و جعل الكل سواسي أمام القانون.

  • Anas
    الإثنين 10 يونيو 2024 - 00:02

    بدون شك هناك مجهودات جبارة للنهوض بالاقتصاد المغربي، لكن للاسف يتم نسف هذه المجهودات بالاقتصاد غير المهيكل و الكاش، و نحن في 2024 يجب القطع مع الريع و المعاملات الاقتصادية خارج القانون، وابرز مثال أن جل اوراش البناء بها عمال لا دخل شهري لا تقاعد لا ضرائب علما ان كل الاوراش مجهزة، هنا الدول تخصر الكثير مقابل بعض المقاولين يكدسون الاموال، و البناء مثال، كل الاقتصاد مبني على هاذ النموذج.

  • Marocain d'aujourd'hui
    الإثنين 10 يونيو 2024 - 00:14

    Bref, c’est une croissance génératrice du chômage,
    essentiellement dû à une économie de la rente et sous plafond de verre.

  • ملاحظة
    الإثنين 10 يونيو 2024 - 00:25

    تبحثون عن خلق مناصب الشغل وفي نفس الوقت اعتمدتم سن 63 سنة للتقاعد !!
    صاحب 63 سنة يعاني صحيا ونفسيا داخل مكان العمل، و الشباب يعاني نفسيا و ماديا .
    ما هذه التناقضات !؟؟

  • Mh
    الإثنين 10 يونيو 2024 - 08:01

    المشكل الاجتماعي المغربي سببه الليبيرالية المتوحشة التي تستغل التضخم لفرض زيادتها الغير مبررة،الذابحة لجيوب مواطنين متحكم في تسيير حياتهم .لايمكن نسبة من مواطنين (تجار ،ارباب معامل،…)مرخص لهم بتدوير الاقتصاد بزيادة النغزة الحرة القاتلة للاقتصاد.لايجب استغلال التفرد بالرخص لتعطيل المجتمع.

  • متتبع اقتصاد
    الإثنين 10 يونيو 2024 - 08:42

    الاستثمار في ميدان ما يهم التشغيل في نفس الميدان و البطالة في الميادين الاخرى لا يمكن ربطها بهذا الاستثمار فمثلا الاستثمار في البطاريات لا يمكن ربطه بالبطالة في الفلاحة او البناء. لذلك يجب التفريق بين قطاعات البطالة. و ماذا عن عديمي المؤهلات ؟

  • محمدي
    الإثنين 10 يونيو 2024 - 10:03

    معظم المشاريع التي يتم الاعلان عنها تبقى حبر على ورق والكثير من الاتفاقيات التي يتم ابرامها يقوم المستثمرين بالتراجع عنها عندما يكتشف المستثمرين ان المغرب ضعيف في البنية التحتية و غياب اليد العاملة المؤهلة و ارتفاع الاسعار و بروقراطية الادارات …
    أتمنى ان تقوم اية جهة بعمل احصاء للمشاريع التي تم الاعلان عنها في العشرة سنوات الماضية و مقارنتها مع ما تم تنفيذه في الواقع.

  • salah
    الثلاثاء 11 يونيو 2024 - 13:42

    الدولة عندما تريد الاشتغال على قطاع ما فانها تشتغل عليه و تجد الحلول بعض الاحيان الفورية مثل كرة القدم التي تصرف عليها أموال طائلة. اما التشغيل فالدولة تتعمد تركه على حاله لزيادة الطلب على التشغيل من أجل ابقاء الاجور منخفضة

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57

مبادرة "رفاه الحيوان"

صوت وصورة
الصحراء والدبلوماسية الملكية
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:07

الصحراء والدبلوماسية الملكية

صوت وصورة
عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان
الأحد 1 نونبر 2026 - 01:24

عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان