أولويات استراتيجية ورسائل دبلوماسية .. المغرب يصوت ضد رفع حصار كوبا

أولويات استراتيجية ورسائل دبلوماسية .. المغرب يصوت ضد رفع حصار كوبا
السبت 31 أكتوبر 2026 - 08:00

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، قرارا ينادي بإنهاء “الحصار” الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على دولة كوبا الشيوعية منذ بداية ستينات القرن الماضي، وهو القرار الذي حظي بدعم 133 دولة، ومعارضة 17 دولة أخرى، مع امتناع 25 بلدا عضوا عن التصويت، منها ألمانيا وقطر والبحرين وإيطاليا ومولدوفا.

على مستوى الدول التي عارضت هذا القرار، وإلى جانب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوكرانيا والإمارات وكولومبيا والباراغواي، برز اسم المملكة المغربية، الشيء الذي طرح عددا من التساؤلات حول دلالات ومحددات هذا التوجه المغربي، بميزان حسابات تحالفات الرباط وثوابت مصالحها القومية، والتي لا يمكن قراءة مواقفها بأي حال من الأحوال بمعزل عن المسار التاريخي المعقد للعلاقات مع هافانا، خاصة ما يتعلق بدعم هذه الأخيرة للمشروع الانفصالي في الصحراء المغربية.

وقبل جلسة التصويت، اعتبر مايك والتز، السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، أن “التصويت برفض هذا القرار يظل هو الحاجز الوحيد الذي يحول دون استغلال هذه الهيئة من قِبل نظام شيوعي فاسد وقائم على نهب الدولة. كما أن تصويتكم هذا يمنحهم انتصارا دعائيا آخر على حساب الشعب الكوبي”.

وأضاف أن “الحقيقة التي يجب أن يدركها الشعب الكوبي والعالم بأسره، وبشكل قاطع، هي أنه لا يوجد أي حصار، وأن معاناة الشعب الكوبي تقع مسؤوليتها بالكامل على عاتق هذا النظام الذي يستغل هذا التصويت السنوي ويعرضه عبر التلفزيون الرسمي في كوبا، ليُقنع الشعب الكوبي بأن العالم يقف إلى جانب النظام لا إلى جانبهم، وأن كل ما يعانونه من ألم ومعاناة ناجم عن هذا الحصار المزعوم والمصطنع والزائف”.

أولويات استراتيجية وهوامش مناورة

في تفسيره للتصويت المغربي، قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “الدلالة السياسية لهذا التصويت لا تكمن في الموقف من كوبا في حد ذاته، وإنما في طبيعة الحسابات التي أصبحت تحكم توظيف المواقف داخل المؤسسات متعددة الأطراف. فالدول التي تمتلك أولويات استراتيجية واضحة لا تتعامل بالضرورة مع جميع القرارات الدولية بالوزن السياسي نفسه، بل تميز بين الملفات التي تمس مصالحها الحيوية مباشرة، وتلك التي تتيح لها التعبير عن موقعها ضمن شبكة شراكاتها الدولية”.

وأضاف معتضد أن “العنصر الأكثر أهمية هنا هو التمييز بين الاصطفاف الدبلوماسي وإدارة الأولويات الاستراتيجية. فالتصويت إلى جانب الولايات المتحدة لا يكفي للاستنتاج بأن المغرب يتبنى مجمل مواقف واشنطن، كما لا يثبت وجود تفاهم سياسي مقابل. لكنه يعكس، على الأقل، استعدادا لتحمل الكلفة الدبلوماسية لموقف مخالف لاتجاه الأغلبية. وفي العلاقات الدولية، لا تتحدد استقلالية القرار بمدى ابتعاده عن القوى الكبرى، وإنما بقدرة الدولة على اختيار مواقع التقارب والاختلاف وفق تقديرها لمصالحها”.

وتابع بأن “هذا التصويت يطرح مسألة أكثر دقة تتعلق بالقيمة السياسية غير المتساوية للمواقف الدبلوماسية. فقد يكون القرار محدود الأثر القانوني المباشر، لكنه يحمل دلالة سياسية معتبرة لدى طرف دولي مؤثر. وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي متعلقا بما إذا كانت القيمة المتوقعة من الإشارة السياسية تتناسب مع كلفتها في العلاقات الأخرى. وهذه معادلة لا يمكن حسمها بمجرد قراءة نتيجة التصويت، بل تتطلب النظر إلى مجمل العلاقات المغربية الأمريكية، وإلى موقع أمريكا اللاتينية والجنوب العالمي ضمن التحرك الدبلوماسي للمملكة”.

وأوضح أن “التصويت المخالف للأغلبية يضع الدبلوماسية أمام مسؤولية المحافظة على اتساق خطابها الدولي. فالمغرب يحرص على تنويع شراكاته وتعزيز حضوره في فضاءات جغرافية متعددة، وهو ما يقتضي القدرة على إدارة الاختلافات دون تحويلها إلى قطيعة سياسية. فالمرونة الاستراتيجية لا تعني تبديل المبادئ بحسب الشريك، وإنما التمييز بين المصالح التي تستوجب التقارب والخلافات التي ينبغي احتواؤها”.

وخلص المصرح لهسبريس إلى أن “القراءة الأكثر عمقا لهذا الموقف تتعلق بقدرة السياسة الخارجية على إدارة مستويات متعددة من المصالح في الوقت نفسه. فالدبلوماسية التي تحسن اختيار مواقعها لا تبحث عن الانسجام الشكلي في كل تصويت، لكنها مطالبة بإثبات الاتساق الاستراتيجي في مجموع قراراتها. ومن ثم، فإن الأهمية الفعلية للتصويت المغربي لن تتحدد بما أثاره من انتباه ظرفي، وإنما بما إذا كان ينسجم مع تصور طويل المدى لمكانة الرباط وشراكاتها وقدرتها على المحافظة على هامش مستقل للمناورة الدولية”.

رسالة دبلوماسية وانحياز كوبي

في سياق متصل، قال سعيد بركنان، محلل سياسي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية: “لقراءة هذا التصويت كقرار دبلوماسي، لا بد أولا أن نفصل بين اتخاذ القرار بالتصويت عن قرار الولايات المتحدة وعدائها التاريخي لنظام كوبا السياسي، وأن نقرأه من باب إعادة ترتيب الأولويات الدبلوماسية للمغرب”، مضيفا أن “التصويت ضد القرار يمثل ناقوس تنبيه تجاه كوبا وتجاهلها للتحول الحاصل في قضية الصحراء المغربية واستمرار تأييدها الكامل والمستمر لجبهة البوليساريو الانفصالية”.

وأبرز أن “قرار المغرب التصويت ضد رفع الحصار عن كوبا يبدو رسالة دبلوماسية واضحة تتضمن الرد الصريح على عدم مراعاة كوبا التحولات الأممية التي طرأت على قضية الصحراء المغربية، خاصة بعد إصدار مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797”.

واعتبر المحلل السياسي ذاته أن “القرار يحمل رسالة دبلوماسية واضحة بأن استئناف العلاقات المغربية الكوبية ما قبل استصدار قرار مجلس الأمن لن تكون بالأسلوب الدبلوماسي نفسه لما بعد إقرار الأمم المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، فرغم عودة العلاقات الرسمية والحوار الدبلوماسي، لم تتخلف كوبا عن دعمها المبدئي والتقليدي لطرح تقرير المصير للبوليساريو”.

وسجل أن “قرار استعادة العلاقات المغربية الكوبية وإن كان فيه اتفاق مبدئي على أن نقطة الصحراء المغربية نقطة خلافية، كان على كوبا أن تعيد ترتيب موقفها السياسي من القضية على أساس قرار مجلس الأمن الأخير الذي أقر بالسيادة للمغرب وإقرار الحكم الذاتي للنزاع المفتعل حلا سياسيا سلميا. كما كان على هذا البلد أن يستوعب المقاربة الدبلوماسية المغربية ما قبل قرار 2797 حول الاستثمار في العلاقات الشاملة لجميع المجالات على أن تنعكس على قضية الصحراء المغربية”.

وشدد بركنان على أن “تصويت الرباط في هذا الشأن هو رسالة دبلوماسية قوية إلى كوبا مفادها أن هافانا، وفي استثمارها للعلاقات مع المغرب، عليها أن تتخلص من الإرث السياسي والإيديولوجي المنحاز لجبهة البوليساريو، وأن المحدد الذي يبني عليه المغرب قرار رفضه رفع الحصار على كوبا هو موقف كوبا نفسها من قضية الصحراء المغربية والجمود الذي تتعامل به الدبلوماسية الكوبية في تجاهل تام لتطورات الملف وإقرار الأمم المتحدة للسيادة المغربية ولحل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء