استنطاق الشيطان!!!

استنطاق الشيطان!!!
الأحد 5 يوليوز 2026 - 21:20

قبل أيام صادفت مقطعاً متداولاً على منصات التواصل الاجتماعي مقتطعاً من إحدى حلقات البودكاست، ظهر فيه أحد الرقاة وهو يتحدث بثقة عن “استنطاق الشيطان” وجعله يجيب عن الأسئلة. استوقفتني هذه العبارة ليس بسبب غرابتها فحسب، بل لأنها قُدمت للجمهور على أنها جزء من الرقية الشرعية والعلاج الروحي ومن الممارسة الدينية المشروعة.

ولأن المقطع منشور علناً ومتداول بين الناس، فإن الأمر لا يتعلق بحكاية منقولة أو إشاعة مجهولة المصدر، بل بادعاء صريح قيل أمام الكاميرا وشاهده الآلاف وربما مئات الآلاف. والأهم من ذلك أنه ليس ادعاءً معزولاً، بل يندرج ضمن سلسلة طويلة من المزاعم التي يروج لها بعض من يتحدثون باسم الرقية الشرعية والعلاج الروحي، من الحوار مع الجن، إلى معرفة أسرارهم وأسمائهم، وصولاً إلى تفسير الأمراض النفسية والعضوية من خلال روايات لا تستند إلى دليل شرعي أو علمي. وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسلم حريص على دينه: هل هذه هي الرقية الشرعية التي جاء بها الإسلام، أم أننا أمام شكل جديد من أشكال الكهانة والخرافة أُلبس لباس الدين؟

من المهم هنا التمييز بين أمرين مختلفين تماماً يخلط بينهما كثير من الناس: الرقية الشرعية من جهة، والخرافات التي أُلصقت بها من جهة أخرى. فالرقية الشرعية، كما وردت في القرآن والسنة، تقوم على قراءة القرآن، والأذكار المأثورة، والدعاء، والتضرع إلى الله طلباً للشفاء. وهي في جوهرها عبادة واستعانة بالله، شأنها شأن سائر العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه. لم تكن يوماً علماً سرياً، ولا ممارسة غامضة، ولا باباً لمعرفة الأسرار الخفية. وهي لا تتعارض مع الطب ولا تحل محله، بل تبقى ممارسة دينية وروحية يلجأ إليها المؤمن رجاء الشفاء والطمأنينة.

أما ما نراه اليوم عند بعض من يتصدرون مجال الرقية فشيء مختلف تماماً. فعندما يدعي شخص أنه يتحاور مع الشياطين، أو يستنطق الجن، أو يعرف أسماءهم وأعمارهم وقبائلهم، أو يستخرج منهم الاعترافات والمعلومات، فإنه يغادر مجال الرقية الشرعية ويدخل إلى عالم الادعاءات التي لا دليل عليها من القرآن ولا من السنة. فلم يرد في كتاب الله أن الشفاء يتطلب استجواب الشياطين. ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل الحوار مع الجن وسيلة للعلاج أو التشخيص. ولم يعرف عن الصحابة أو كبار الأئمة أنهم كانوا يعقدون جلسات تحقيق مع الشياطين لمعرفة أسباب الأمراض أو حل مشكلات الناس. ولو كان ذلك من الدين لكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من فعله وأرشد الناس إليه.

والمفارقة المضحكة المبكية أن هؤلاء يطلبون من الناس تصديق الشيطان نفسه. نعم، الشيطان الذي يُفترض أنه رمز الكذب والخداع والإغواء في العقيدة الإسلامية يتحول فجأة، على أيدي بعض الرقاة، إلى مصدر معلومات موثوق وخبير معتمد وشاهد ملك! فإذا كان الشيطان عدواً للإنسان، وإذا كان من أبرز صفاته الإضلال والتزيين والخداع، فكيف أصبح كلامه حجة؟ وكيف يطلب منا بعض الرقاة أن نصدق ما ينسبونه إلى الشيطان بينما يرفضون في الوقت نفسه نتائج الدراسات العلمية والأبحاث الطبية بحجة أنها من صنع البشر؟ بل كيف عرف الراقي أصلاً أن المتحدث شيطان؟ وكيف تأكد من هويته؟ وكيف تحقق من صدق ما يقول؟ هذه أسئلة بديهية لا تجد لها جواباً سوى المزيد من القصص والروايات التي لا يمكن التحقق منها.

والحقيقة أن كثيراً من هذه الممارسات تشبه الكهانة القديمة أكثر مما تشبه الرقية الشرعية. فالكاهن كان يزعم امتلاك اتصال بعالم خفي ينقل له المعلومات، وبعض الرقاة اليوم يزعمون الشيء نفسه تقريباً، مع اختلاف الأسماء والعناوين فقط. لقد تغيرت المصطلحات، لكن المنطق بقي واحداً: صدقوني لأنني أملك وصولاً خاصاً إلى عالم لا تستطيعون التحقق منه.

والمؤسف أن بعض هؤلاء أدركوا أن تلاوة القرآن والأذكار لا تجلب المشاهدات بقدر ما تجلبها القصص المثيرة عن الجن والشياطين. فانتقلوا من تعليم الناس الأذكار إلى بيعهم الحكايات، ومن تذكيرهم بالله إلى إقناعهم بأن الراقي يمتلك قدرات استثنائية تؤهله للتواصل مع عوالم خفية لا يراها أحد ولا يستطيع أحد التأكد من حقيقة ما يجري فيها. وهكذا تتحول الرقية من عبادة بسيطة وواضحة إلى مسرح للخرافة، ومن وسيلة للتقرب إلى الله إلى وسيلة للشهرة وجذب المتابعين وصناعة البطولات الوهمية.

لكن الضرر لا يتوقف عند هذا الحد. فكم من مريض نفسي أُقنع بأن مشكلته شيطان متلبس؟ وكم من شخص يعاني اضطراباً عصبياً أو نفسياً تأخر عن العلاج الطبي لأنه صدق أن راقياً سيستخرج منه الجن ويستجوب الشيطان المسؤول عن مرضه؟ وكم من الأسر أنفقت أموالاً طائلة على جلسات لا تستند إلى دليل شرعي ولا علمي؟

إن أخطر ما يفعله هؤلاء ليس استغلال المرضى فحسب، بل تشويه صورة الإسلام نفسه. فعندما يرى الناس هذه العروض المنسوبة إلى الدين، يظنون أن الإسلام دين خرافات وحكايات وأساطير عن شياطين تُستنطق وجنٍّ يُستجوب كما يُستجوب المتهمون في مراكز الشرطة. والحقيقة أن الإسلام بريء من هذا كله.

لقد جاء الإسلام لمحاربة الكهانة والعرافة والشعوذة، لا لإحيائها بأسماء جديدة. وجاء ليحرر العقول من الخرافة، لا ليغرقها في مزيد منها. ولذلك فإن الدفاع عن الرقية الشرعية لا يكون بالدفاع عن كل من يتحدث باسمها، بل بتنقيتها من الخرافات التي علقت بها عبر السنين. فالقرآن لا يحتاج إلى قصص الجن المتكلم حتى يثبت أثره، والدين لا يحتاج إلى استنطاق الشياطين حتى يثبت صدقه. بل إن أخطر ما يفعله هؤلاء أنهم يجعلون الناس يخلطون بين الإسلام والخرافة، وبين الرقية المشروعة والكهانة المقنعة بعبارات دينية.

لقد آن الأوان لأن نقول بوضوح: إن استنطاق الشياطين ليس رقية شرعية، بل ادعاء لا دليل عليه. وإن تحويل الجن إلى مصدر للمعلومات ليس من الدين في شيء. وإن الاتجار بآلام المرضى، واستغلال حاجتهم وضعفهم، وتقديم الخرافة على أنها علاج أو علم أو دين، ليس خدمة للإسلام، بل إساءة إليه وتشويه لصورته في أعين الناس.

فالإسلام أكبر من أن يُختزل في حكايات عن شياطين تتحدث، وأعظم من أن يُقدَّم للعالم من خلال عروض أقرب إلى الكهانة منها إلى الدين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • رقاة يكلمون الجن .
    الإثنين 6 يوليوز 2026 - 00:11

    يقول الراقي: اخرج يا عدو الله، فيجيبه الجني: لن أخرج، لن أخرج . يهدده الراقي بالحرق، لكنه يصر على البقاء. وما إن يقوم الراقي بالضغط على أحد أصابع رجل المريض، حتى يستسلم الجني ويصيح باكيا: كفى، كفى سوف أخرج . ​هنا يرفض الراقي خروجه دون ضمانات تؤكد عدم عودته من جديد. وعندما يوافق الجني، يسأله الراقي: هل أنت مسلم؟ فيجيب: نعم فيعاود الراقي الضغط على الإصبع، ليصيح الجني: لا، لا لست مسلما. فيقول له الراقي: فكيف أصدق أنك لن تخون العهد، وأنك لن تعود بعد خروجك؟ فيجيب: أعدك لن أعود. لكن الراقي يشترط على الجني أن يسلم وينطق الشهادتين قبل الخروج، لضمان عدم خيانة الاتفاق. الحقيقة الغائبة أن هذا الحوار كله يدور في الواقع بين الراقي والحالة التي يعالجها، والتي تتوهم تحت وطأة المرض النفسي والعقلي، أن جنيا هو من يتحدث من داخلها.
    ​في النهاية الوعي الطبي والنفسي هو السلاح الأقوى لمواجهة هذه الظواهر لأن الكثير من الحالات التي تذهب للرقاة كان عليها أن تتجه للطب النفسي .

  • شرعية المحتال .
    الأربعاء 8 يوليوز 2026 - 17:26

    بالفعل قد يلجأ الراقي إلى هذه المسرحية ، لكنه لن يفعل ذلك من الجلسة الأولى ، بل بعد زيارات متعددة تضمن له مكسبا ماليا في كل مرة . وعندما يشعر أن أهل المريض بدأوا يتذمرون وأن صبرهم بدأ ينفد ، يعمد إلى الضغط على إصبع الحالة لإجبارها على الاستجابة لأمره مدعيا خروج الجني الدخيل وبذلك يوهمهم بتحقيق تقدمٍ ملموس ينتشلهم من حالة اليأس إلى فراغ الأمل الزائف . ​هو يعلم أنه لا يخاطب جنيا ، وإلا لكان أول ضحاياه لا سيما وأن أغلبيتهم يقرأون القرآن مع الكثير من اللحن والأخطاء ، لافتقارهم إلى معرفة قواعد اللغة العربية وأصول الرفع والنصب .

  • لأجل هذا يستمر الجهل .
    الأربعاء 8 يوليوز 2026 - 18:41

    قد يقود النجاح العفوي بالصدفة إلى تعزيز مكانة الراقي وتنامي شعبيته ، إذ تكفي حالة شفاء عابرة واحدة كي تحجب مئات الإخفاقات . ففي حين يلوذ المحبطون بالصمت جراء عدم التوفيق ، يصرخ الناجون بالصدفة شكرا للنعمة . هذا التحسن النادر المنبثق من وسط ركام الفشل ، هذا النجاج الخادع يرفع من قيمة الراقي فوق مستوى المساءلة ويحيطه بهالة تجعله فوق طبيعية ، بعد أن أفلح في ما عجز الطب عنه .

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام