كما هو معلوم أن المغرب بعد حصوله على الاستقلال تبنى نظاما ملكيا قائما على التعددية الحزبية، وهذا المنطق فرضته الظروف التاريخية التي عاشها المغرب، فلا يمكننا تصور مغرب قائم على الحزب الواحد، نظرا لكون الاستعمار تمت محاربته من طرف مؤسستين، المؤسسة الملكية بقيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه وولي عهده آنذاك جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، و”الحركة الوطنية”، وبالتالي رأت المؤسسة الملكية أنه لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي إلا في ظل التعددية الحزبية.
والحزب السياسي هو مجموعة من الأفكار التي تصب في المنحنى نفسه، هدفه الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات؛ ويتكون حسب نظرنا مما يلي :
• ناخبو الحزب.
• المتعاطفون.
• المنتمون.
• المناضلون.
• قيادة الحزب.
ويعود إنشاء الأحزاب السياسية المغربية إلى سنة 1937.. وما سميت الحركة الوطنية تحولت إلى حزب الاستقلال سنة 1943، وإن كان البعض يرجح تاريخ البدء الحزبي بالمغرب سنة 1926، مع ما عرفت باسم ”الرابطة المغربية”. ومع ذلك يبقى البدء الحزبي الفعلي مع انشقاق كتلة العمل الوطني وظهور كل من الحزب الوطني بزعامة علال الفاسي، والحركة القومية بزعامة محمد حسن الوزاني.
فالمغرب بمجرد حصوله على الاستقلال برهن عن نيته في إقامة التعددية الحزبية من خلال صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958، وتم تعزيز ذلك بصدور أول دستور سنة 1962، أكد أن نظام الحزب الواحد غير مشروع (2).
وتميزت فترة ما بعد الاستقلال بوجود خلافات بين أحزاب سياسية أو بين قيادات داخل الحزب نفسه، ما أدى إلى حدوث انشقاقات داخلية وميلاد أحزاب جديدة، فالتاريخ يذكرنا أنه رغم الخلافات بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي اللذين ينتميان إلى رحم “الحركة الوطنية” نفسه، إلا أنهما التقيا في عدة مناسبات، بحيث ألفا “الكتلة الوطنية” سنة 1970 بعد انتهاء حالة الاستثناء التي أعلنها أبونا الروحي جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، ثم في بداية التسعينيات ألفا “الكتلة الديمقراطية” سنة 1992 لإطلاق دينامية الإصلاحات الدستورية والسياسية، و“التوافق” حول الانتقال إلى السلطة بتكوين حكومة “التناوب التوافقي” في 14 مارس 1998 – (3). لكن كل هذا لا يعني أن الثقافة الحزبية أصبحت قائمة على ترشيد تدبير الخلافات.
إن متتبع الشأن العام الوطني في السنوات الأخيرة يلاحظ تدني مستوى الأداء الحزبي، فرغم أن الدستور الجديد (4) نص على صلاحيات مهمة للأحزاب السياسية حسب الفصل السابع منه، وأنه من حق المواطنات والمواطنين الانخراط في الأحزاب السياسية، ورغم أن القانون التنظيمي 29.11(5) المتعلق بالأحزاب السياسية نص على مستجدات مهمة من أجل تحقيق الحكامة الحزبية والديمقراطية، إذ لأول مرة تم الارتقاء بالقانون المنظم للأحزاب من قانون عادي(36.04) إلى قانون تنظيمي، إلا أن هذا يظل مجرد قيمة ما لم يتم تعزيزه بالممارسة.
نلاحظ أن هناك عجزا ديمقراطيا داخل هياكل الحزب السياسي وطريقة اشتغاله، على سبيل المثال نجد الأشخاص الذين كانوا منذ عشر سنوات في اللجنة التنفيذية للحزب هم نفسهم، مع العلم أن القانون التنظيمي الجديد 29.11 لم يتوقف عند التعريف بالحزب السياسي وتحديد القواعد المتعلقة بتأسيس الأحزاب السياسية والانخراط فيها، وممارسة أنشطتها ومبادئ تنظيمها وتسييرها ونظام تمويلها وكيفيات مراقبته ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، بل أكد أيضا على إلزامية التداول على المسؤوليات وعدم الإبقاء على المسؤولين نفسها بصفة أبدية.
فأول التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية بالمغرب هي الديمقراطية الداخلية، إذ كيف يعقل أن يتبنى حزب سياسي في برنامجه الانتخابي أو الحكومي “الديمقراطية” وهو بعيد كل البعد عنها ولا يطبقها في هياكله. المؤتمر العام الذي يحدد توجهات وسياسة الحزب السياسي كيف يتم اختيار مؤتمريه، هل بمنطق الانتخاب أم إن هناك منطقا آخر؟ بمعنى أن العقلية تحن إلى الماضي، فالحزب السياسي أشبه بالزاوية والقبيلة، فزعماؤه يحظون بالتقدير نفسه الذي يحظى به شيخ الزاوية. ومع كامل الأسف مازال يغلب على الأحزاب السياسية بالمغرب طابع “القرابة”.
ورغم كل الجهود المبذولة من طرف الدولة المغربية لتقوية الأحزاب السياسية، إلا أننا نلاحظ قصور هذه الأحزاب عن القيام بدورها وعجزها عن تنفيذ التزامها الدستوري المتمثل بالأساس في تأطير المواطنين، وهذا في نظرنا بسبب كثرة الخلافات بين الأحزاب السياسية وداخل الحزب نفسه. وهذه الخلافات غير قائمة على رؤى ومستقبل للوطن، وإنما صراعات على المصالح الشخصية؛ وبالتالي تم إفساد الحياة السياسية وأصبحت تتسم بغياب التنافسية بين الأحزاب، مع تشابه البرامج وغياب معايير واضحة للتزكية للترشح، وسيادة المعيار المالي في اختيار أطر الحزب، وليس معيار الكفاءة والنضال والانضباط.
والأحزاب السياسية مسؤولة عن تدني الأخلاق السياسية وعن أزمة السياسة من خلال نفور قطاعات شعبية واسعة منها أو من المشاركة في الانتخابات؛ وبالتالي كيف يعقل أن يتم الرهان على أحزاب سياسية في قيادة معركة الإصلاح الديمقراطي تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس أعزه الله وهي بذاتها في أمس الحاجة إلى تقويم هيكلي وإصلاح.
الأحزاب السياسية المغربية كما يرى “واتر بوري” ليست سوى مجموعة من الأندية التي تجتمع على صديق واحد، وبالتالي كثرة الخلافات تؤدي إلى انشقاقات وميلاد أحزاب سياسية جديدة تفسر لنا “التعددية المفرطة” التي نشاهدها اليوم. ونستشف من هذا أن التعددية في المغرب غير قائمة على الخلافات الإيديولوجية بقدر ما هي قائمة على الخلافات بين الزعماء. ولتوضيح ذلك فلنفترض مثلا أنه وقع بين قيادات في حزب سياسي معين خلاف، فسيذهب أحدهم إلى إنشاء حزب آخر والتحالف مع أحزاب كانت في الماضي القريب أحد خصومه، فقط تعنتا لضرب الحزب الذي كان منتميا إليه. وهنا تطبق المقولة الشهيرة: ”في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم”، إذ إننا نعيش تعددية في الطموحات السياسية وليس تعددية سياسية إيديولوجية.
إن المشاركة السياسية للمواطنين تعد مظهرا ثانيا للديمقراطية، إلا أننا لاحظنا في السنوات الأخيرة ضعفها وكثرة العزوف السياسي بسبب فقدان الثقة في الأحزاب السياسية.
إن القانون التنظيمي الجديد 29.11 عمل على معالجة الأمراض التي يعاني منها المشهد الحزبي ببلادنا، من تعددية مفرطة وترحال سياسي، إذ تم المنع من الترحال السياسي تماشيا مع الفصل 61 من دستور 2011 الذي يؤكد على التجريد من العضوية في حالة التخلي عن الحزب السياسي الذي ترشح باسمه، وتم إعطاء مكانة مهمة للمرأة المغربية في الحياة السياسية عبر تمكينها من الثلث في أفق بلوغ المناصفة المنصوص عليها في الفصل 19 من الدستور الجديد، بل أكثر من ذلك تكريسا للجهوية المتقدمة تم التنصيص على إحداث هياكل محلية للحزب على المستوى الجهوي، إلا أننا نلاحظ أنه مازال الاشتغال بالمنطق القديم، فاختيار أطر الحزب السياسي قائم على المحسوبية والزبونية والقرابة واعتماد المال بدل اعتماد منطق الكفاءة والاستحقاق. كل هذا دفع بالشباب المغربي وجميع فئات المجتمع إلى الثقة فقط في مؤسسة وحيدة، وهي “المؤسسة الملكية” تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، رائد العهد الجديد.
إن الجهوية المتقدمة التي تعتبر ورشا ملكيا من أجل مغرب متقدم ومتوازن لا يمكن أن تنجح في ظل أحزاب سياسية ضعيفة، وإكراهات قانونية مرتبطة بالأساس بنمط الاقتراع الذي يسمح للأميين بمناصب المسؤولية، فعدم اشتراط المستوى التعليمي من أجل الترشح للانتخابات حسب القانون التنظيمي 11.59 لا يعد مبدأ ديمقراطيا كما يدعي البعض، أو تماشيا مع الفصل 30 من الدستور الجديد، بل ينبغي إعادة النظر فيه واشتراط المستوى التعليمي ليس فقط كما كان في السابق ”الشهادة الابتدائية”، بل يجب اشتراط البكالوريا أو الإجازة، خصوصا أن هناك شريحة واسعة من المجتمع حاصلة على الإجازة، سواء في العالم القروي أو الحضري؛ وبالتالي إعطاء الفرصة للكفاءات والشباب، خصوصا وأن جلالة الملك أعزه الله منذ اعتلائه العرش وهو يولي عناية خاصة بالشباب، ويريد “مغرب الشباب”، إذ كيف يعقل أن ننتخب شخصا أميا ونضعه على رأس مجلس الجهة ويصبح بذلك آمرا بالصرف ويسير جهة بموظفيها المؤهلين؟ أليس هناك تناقض؟ وهنا نستحضر هذه الآية الكريمة: ”قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”، صدق الله مولانا العظيم.
وبالتالي في ظل عدم كفاءة النخب الجهوية والمحلية وعدم إلمامها بالمقتضيات القانونية والتدبيرية ينعكس هذا سلبا على المشاريع التنموية، كما أنه في غياب تكوين مستمر للنخب (وحتى إن كان هناك تكوين فسيصعب تطبيقه نظرا لأمية المنتخب) وغياب تأطيرهم كل هذا يؤثر سلبا على الجهوية المتقدمة.
إن الإصلاح يقتضي قيام الأحزاب السياسية على منطق الحكامة الجيدة والديمقراطية، وبالتالي إفراز نخب سياسية حقيقية مؤطرة جدا، ما سيؤدي إلى ترشيد القرار الحزبي وعقلنة الموارد المالية وتأهيل الموارد البشرية وتبني برامج سياسية حقيقية.
إن الأحزاب السياسية مدعوة اليوم لكونها ممارسة فعلية للسلطة بتحمل المسؤولية من خلال تأهيل النخب وتجديدها، وتمكين الكفاءات من ولوج المناصب القيادية.
إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة.
غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا، يلاحظ أن الخطاب السياسي لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية.
فإذا كان من حق أي حزب سياسي، أو أي برلماني، أن يفكر في مستقبله السياسي، وفي كسب ثقة الناخبين، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القضايا الوطنية الكبرى، والانشغالات الحقيقية للمواطنين.
أما ممارسة الشأن السياسي فينبغي أن تقوم بالخصوص على القرب من المواطن، والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكيات، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي بمعناه النبيل.
وهو ما يقتضي اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي، بشكل عام، دون الاقتصار على بعض المواد المدرجة ضمن النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.
كما أنها يجب، قبل كل شيء، الانكباب الجدي، على الأسبقيات الوطنية، مع تغليب روح التوافق الإيجابي، وخاصة خلال إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات الدستورية والإصلاحات الكبرى…وعلى بعد أقل من سنة على الانتخابات المحلية والجهوية، أتوجه إلى جميع الفاعلين السياسيين: ماذا أعددتم من نخب وبرامج للنهوض بتدبير الشأن العام؟.
إن التحدي الكبير الذي يواجه مغرب اليوم لا يتعلق فقط بتوزيع السلط، بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة الموطن.
ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها، وإنما يجب أن تكون مجالا للتنافس السياسي بين البرامج والنخب، وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية.
والله والي التوفيق.
في الشهور الماضية سمعت برنامجا عن فيلسوفة اسمها “يمون فاي”وعاشت مدة قصيرة لا تتعدى 34سنة قبل الحرب العالمية الثانية وشاركت في الحرب الاهلية الاسبانية وكانت بجانب الطبقة العاملة بالغال والنفيس وقالت في عصرها في الثلاثينيان من القرن الماضي “يجب الغاء الاحزاب السياسية”ومن بين الاسباب ان دور الاحزاب الوصول الى الحكم ولو بالنفاق والكذب وبالتالي فمن يوجد في الحزب اما ان يكون وفيا للعمل الحزبي وان كان لا يوافق افكاره او يبتعد من اجل مبادئه واقتناعاته الفكرية لان الاحزاب تحاتج الى من يساندها وليس الى من يعارضها ويعاكسها