التعليم الصريح

التعليم الصريح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 00:01

 أداة في خدمة الكفايات لا بديلا عنها

تعيش المدرسة المغربية مرحلة جديدة من مسار إصلاحها، عنوانها توسيع تجربة مؤسسات الريادة، التي جعلت من تحسين التعلمات الأساس، والدعم، والتقويم المنتظم، واعتماد التعليم الصريح، مداخل للرفع من جودة التعلمات. ولا شك أن هذه التوجهات تستجيب لحاجة حقيقية إلى معالجة تعثرات متراكمة في القراءة والكتابة والحساب، وهي تعثرات لا يمكن لأي إصلاح جاد أن يتجاهلها.

غير أن الاعتراف بأهمية هذه التدخلات لا يعفينا من سؤال ديداكتيكي مشروع، ماذا يحدث حين يُعمَّم نموذج تدريسي واحد على مستويات ومواد تختلف في طبيعة معارفها وطرائق بنائها؟ لا يتعلق الأمر بالتشكيك في جدوى التعليم الصريح، بل بتحديد مواقعه الملائمة، وبالبحث عن صيغة تجعله يُغني مكتسبات المدرسة المغربية بدل أن يحلّ محلها: المقاربة بالكفايات، والتدريس بوضعيات المشكلات، والتقصي العلمي، وبناء استقلالية المتعلم.

ما التعليم الصريح؟

يقوم التعليم الصريح على تنظيم متدرج للتعلم: تحديد الهدف، ثم النمذجة، فالممارسة الموجهة، وصولا إلى الممارسة المستقلة، مع تحقق مستمر من الفهم وتغذية راجعة فورية. وقد لخصت مبادئه في تقديم المعارف الجديدة على خطوات صغيرة، وإتاحة ممارسة كافية، وتصحيح الأخطاء قبل أن تترسخ.

وفعاليته مثبتة، خصوصاً لدى المتعلمين المبتدئين في تعلم جديد. ومن الإنصاف التنبيه إلى أنه ليس تدريساً تلقينياً. فالمجلس العلمي للتربية الوطنية في فرنسا يؤكد، في تركيبه للأبحاث حول الموضوع، أن «التعليم الصريح ليس تعليما تقليديا أو إلقائيا»، لأنه يقتضي ممارسة مكثفة وانخراطاً معرفياً نشطاً من التلميذ.

لكن التركيب نفسه يقرّ بأن «لا طريقة تدريس معصومة»، وأن فوائد التعليم الصريح «أقل وضوحا» حين يتعلق الأمر بمتعلمين يتحكمون في المحتوى. وهذا ما تسميه أبحاث الحمل المعرفي «أثر انعكاس الخبرة»: فالتوجيه المفصّل الذي يساعد المبتدئ قد يصبح عبئا زائداً على المتعلم المتقدم، لأنه يفرض عليه مسارا لم يعد يحتاجه.

فالسؤال إذن ليس: هل التعليم الصريح فعال؟ بل: فعال لمن، وفي أي تعلم، وفي أي لحظة؟

ميريو: التصريح ضرورة، والتعميم مجازفة

يقدم المفكر التربوي الفرنسي فيليب ميريو مفتاحاً مفيداً لهذا النقاش في حوار نشرته مجلة «دفاتر بيداغوجية» (Cahiers pédagogiques) سنة 2025 بعنوان «التعليم الصريح: التباس محفوف بالمخاطر». فهو يميز بين ثلاثة معانٍ للعبارة. الأول هو توضيح الأهداف والانتظارات أمام التلاميذ، وهو في نظره «مطلب ملازم لكل تعليم». والثاني هو النموذج ثلاثي المراحل (النمذجة، والممارسة الموجهة، والممارسة المستقلة)، ويقبله أداةً ضمن أدوات أخرى، خصوصاً لتعلم قواعد دقيقة. والثالث هو تحويل هذا النموذج إلى طريقة شاملة تُقصي بيداغوجيات الاكتشاف، وهذا ما يحذّر منه.

والأهم أن ميريو لا يكتفي بالتحذير، بل يقترح بديلاً عملياً: «وضعيات صريحة للاكتشاف والصياغة»، يحدد فيها المدرس بوضوح الموارد والقيود وقواعد العمل، ثم يُستعمل التعليم الصريح لصياغة التعلمات وتثبيتها «في تمفصل مع وضعيات المشكلات». بعبارة أخرى: الوضوح يوجّه الاكتشاف ولا يلغيه. ويذكّر ميريو بأن غايات المدرسة لا تقف عند إتقان الإجراءات، بل تشمل تنمية الفكر النقدي ومقاومة الأحكام الجاهزة، ولذلك يفضّل «أساتذة يُثيرون القلق المعرفي على مدرسين يُلقّنون اليقينيات».

المقاربة بالكفايات: مكتسب يُطوَّر لا يُزاح

راكمت المدرسة المغربية، منذ الكتاب الأبيض (2002) ثم التوجيهات التربوية الخاصة بتدريس المواد العلمية سنة 2007، تجربة مهمة في إعادة النظر في العلاقة بين المعرفة المدرسية ووظائفها. فقد صارت الوضعية المشكلة، وتعبئة الموارد، والإدماج، مفاهيم مألوفة في ممارسة آلاف المدرسين. وفي مادة علوم الحياة والأرض تحديدا، صار الانطلاق من مشكلة علمية، وصياغة الفرضيات، واقتراح بروتوكول للتحقق منها، جزءا من البنية المألوفة للدرس، كما تجسدها الكتب المدرسية ومذكرات التدريس منذ ما يقارب عقدين.

صحيح أن تنزيل هذه المقاربة عرف صعوبات في التكوين والمواكبة والتقويم وشروط القسم. لكن صعوبات التنزيل لا تُثبت فساد الأسس. والمقاربة بالكفايات لا تلغي اكتساب المعارف، بل تؤكد أن المعرفة لا تصير كفاية إلا حين يُعبّئها المتعلم في وضعيات جديدة.

ومن ثم، فالسؤال المفيد ليس، هل نتخلى عن الكفايات لصالح التعليم الصريح؟ بل، كيف نوظف التعليم الصريح لبناء الموارد التي تحتاجها الكفايات، مع الحفاظ على وضعيات المشكلات والإدماج؟ فالتقدم التربوي لا يتحقق بالانتقال من مقاربة إلى أخرى كل عقد، بل بتراكم الخبرات وتطويرها.

العلوم: لماذا لا تكفي النمذجة والتطبيق؟

لا يقتصر تعلم العلوم على استيعاب ما توصل إليه العلماء من نتائج، بل يشمل أيضاً فهم الطريقة التي تُبنى بها هذه النتائج: كيف نطرح سؤالاً، ونقترح تفسيراً ممكناً، ونختبره، ونحكم عليه انطلاقاً من المعطيات. فالعلم معرفة، وهو أيضاً طريقة في التفكير.

ويمكن للتعليم الصريح أن يؤدي دوراً مهماً هنا، حين يتعلق الأمر بتوضيح مفهوم أساسي أو بتعليم مهارة منهجية محددة. لكن الاكتفاء بتقديم التفسيرات العلمية جاهزة يحرم التلميذ من جوهر النشاط العلمي نفسه: أن يتساءل، ويفترض، ويستدل، ويقارن بين تفسيرات ممكنة، ويبني استنتاجه بنفسه. وهذه قدرات لا تُكتسب بالإصغاء وحده، بل بالممارسة.

والأبحاث الدولية لا تنتصر هنا لأي موقف متطرف. فالدراسات التي جمعت نتائج عشرات التجارب في تدريس العلوم تبيّن أن التعلم بالاستقصاء يحسّن التعلم، وأن أثره يكون أقوى حين يرافقه توجيه منظم من المدرس. كما تُظهر معطيات البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA) أن التدريس الذي يقوده المدرس يرتبط بنتائج أفضل في العلوم، وأن الاستقصاء يحقق نتائجه حين يجري في أقسام منظمة. فالخلاصة ليست «إما التلقين وإما الاكتشاف الحر»، بل استقصاء موجّه يجمع بين نشاط المتعلم والدعم المنهجي للمدرس.

ماذا عن المتفوقين؟

إذا كان التدرج البطيء والتدريب المتكرر ضروريين لبعض المتعلمين، فإن فرض المستوى نفسه من التوجيه على الجميع قد يحرم آخرين من التعميق والتحدي، ويحوّل وقتهم في القسم إلى تكرار لما يتقنونه. وهذا ما ينبّه إليه أثر انعكاس الخبرة.

ولا يعني ذلك أن التعليم الصريح يضر حتماً بالمتفوقين، بل إن غياب التمايز البيداغوجي يجعل أي مقاربة غير ملائمة لجزء من التلاميذ. ولذلك تحتاج المدرسة إلى مسارات متنوعة: أنشطة تحدٍّ، ومشاريع علمية، ومشكلات مركبة، تقصي مستقل نسبياً، دون أن يصير ذلك امتيازاً لفئة محدودة. فالإنصاف لا يعني تقديم الشيء نفسه للجميع، بل تمكين كل متعلم من التقدم انطلاقا من مكتسباته.

أين نوظف التعليم الصريح؟ مقترح عملي

يمكن تصور توظيف مرن للتعليم الصريح يقوم على أربعة مستويات:

1. حسب السلك: مكانة واسعة في السنوات الأولى من الابتدائي لبناء القراءة والكتابة والحساب، ثم توسيع تدريجي لمساحة المشكلات والاستقصاء والمشروعات في الإعدادي والتأهيلي، بحسب طبيعة المادة وتمكّن التلاميذ.

2. حسب محطات السنة الدراسية: حضور أقوى في بداية السنة وفي فترات الدعم والمعالجة، حين يتعلق الأمر بسد فجوات محددة، وحضور أخف في فترات الإدماج والمشروعات.

3. حسب الوحدات: في الوحدات التي يغلب عليها اكتساب إجراءات وتقنيات (قراءة الوثائق، واستعمال المجهر، وإنجاز رسم تخطيطي، وحساب)، أكثر من الوحدات التي يكون هدفها بناء مفهوم أو تفسير ظاهرة.

4. حسب مقاطع الحصة: يمكن أن تنطلق الحصة من وضعية مشكلة، ثم ينجز التلاميذ نشاطاً استقصائياً موجهاً، ويتدخل المدرس تدخلاً صريحاً لتوضيح مفهوم أو نمذجة مهارة، قبل العودة إلى وضعية جديدة تُعبّأ فيها المكتسبات.

بهذا يصبح التعليم الصريح أداة ضمن العُدّة المهنية للمدرس، يستعملها حين تستدعيها طبيعة التعلم. ويتطلب ذلك ثلاثة شروط: تكويناً ديداكتيكياً يمكّن المدرس من اختيار المقاربة الملائمة، وهامشاً مهنياً لاتخاذ القرار، وتقويماً يشمل إلى جانب المهارات الأساسية القدرة على الاستدلال والتفسير وحل المشكلات.

المدرسة التي نريدها لا تكتفي بتعليم الإجابات

الرهان اليوم يتجاوز المفاضلة بين التعليم الصريح والمقاربات البنائية والاستقصائية. المطلوب مدرسة تضمن للجميع امتلاك المعارف والمهارات الأساسية، دون أن تختزل التعليم في استيعاب المحتويات وإعادة إنتاج الإجراءات. ففي زمن صارت فيه المعلومة متاحة في ثوانٍ، وصارت أدوات الذكاء الاصطناعي تقدم أجوبة جاهزة عن أي سؤال، تتعاظم الحاجة إلى متعلم يسائل المعرفة، ويتحقق من مصادرها، ويوظفها في وضعيات جديدة. وهذه قدرات لا تُبنى بتكرار الإجابة الصحيحة، بل بمواجهة مشكلات حقيقية.

ويمكن للتعليم الصريح أن يكون إضافة مهمة للممارسة التربوية المغربية، شريطة أن يندرج في تصور ديداكتيكي تعددي، يحافظ على المكتسبات ويطورها، ويجعل طبيعة المعرفة وحاجات المتعلم والكفايات المستهدفة معايير للاختيار البيداغوجي.

فليست المدرسة الجيدة هي التي تجعل المتعلم قادراً على تكرار الإجابة الصحيحة فحسب، بل هي التي تمنحه أدوات بناء الأسئلة، واختبار الأفكار، وإنتاج المعنى.

– دكتور في ديداكتيك العلوم والهندسة البيداغوجية، أستاذ باحث في ديداكتيك علوم الحياة والأرض.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟