الإعاقة: محنة ومنحة

الإعاقة: محنة ومنحة
الخميس 8 شتنبر 2016 - 17:43

حين تشاء الحكمة الإلهية أن يرزق والدان بطفل معاق، تتغير أشياء كثيرة في حياتهما. أولى هذه “الأشياء” ذاك الإحساس القاتم الذي يجثم على صدريهما. همٌّ مقيم ومقعد لا يبرح القلبين الشفيقين. تتساكن في القلبين عاطفة الرحمة وهم القلق على المستقبل، وتقضي الأعين الباكية ليال طوال دون أن يرف لها جفن.

وفي غمرة السعي وراء العلاج “المستحيل”، تهدأ الأنفس وتسكن وتنسى. تحاول أن تنسى، لعل في النسيان بعض عزاء !

وقد كنت ذاك الصبي قبل ثلاثين عاما ونيف. وكان من ألطاف الله البهية أن دببت على قدمي، تحت بصر الوالدين، شهورا قبل أن يشتعل جسدي بحمى لم “تهمد” حتى همدت رجلي اليمنى إلى الأبد.

لا يتسع المقام لأحكي تفاصيل الرحلات المتواصلة إلى المستشفيات، في أيام براءتي الأولى. وقد نسيت الكثير منها، وعلقت بالذاكرة أطياف أطباء وجدران وقطارات وساعات طويلة من الانتظار.

ثم صرت، منذ ذاك، معاقا يخطر بعرجته في شوارع مدينته الصغيرة وأزقتها. ولئن تحرّج نظرائي من الحديث عن إعاقاتهم، فإني لا أتحرّج. فقد صنعت على عينها وكانت، بفضل الله، منحة حياتي الكبرى وجائزتي الأُثيرة.

وفي زمن الشغب الطفولي، لم تمنعني إعاقتي من لعب كرة القدم، حارسا “مغوارا” لا تنفذ الكرة إلى شباكه.. إلا حين يرميها لاعب نبيه إلى الجهة اليمنى !

أنشأ الله فيّ ومني خلقا آخر. وعشقت خطرتي الغريبة على الأرض، غير آبه بالتعب الجسدي ولا بالمجهود البدني المضاعف الذي أبذله كل يوم. أبذله “راضيا ومولها” بلا جزع ولا سأم ولا تأفف.

من ذا كنت أصير بدون هذه الإعاقة؟ عافية الرحيم هي أوسع لي، لكني أستقبل اختياره بالرضى والتسليم والمحبة، موقنا أنه الخير كله وإن لم تر فيه الأعين الناظرة سوى العيب في الخلقة والثلمة في الكمال الجسدي.

والحقيقة أنني لا أستطيع أن أتخيل نفسي على هيئة غير هذه. ليس في ذلك استمراء للمعاناة، كما قد يحسب البعض، ولكنه إحساس ينبعث من أعمق دواخلي كلما خطرت لي هذه الخاطرة.

شدتني هذه الإعاقة من مخانقي لأطل على وجه الحياة المشرق. في سلاسل الاضطرار اقتادتني، على درب الألم، لأدرك معنى أن تكون إنسانا لا يحمله وهم الكمال على الاستعلاء والكراهية والحقد البغيض.

*كاتب صحافي – منتج إذاعي سابقا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • مصطفى
    الجمعة 9 شتنبر 2016 - 09:35

    لذيك أسلوب رائع في الكتابة لو فكرت بكتابة سيرة ذاتية لشخصك ستباع العديد منها. فالقليل من الناس من لديه مثل عزيمتك

  • Maghribiya
    الأحد 11 شتنبر 2016 - 03:32

    Very strong person with strong expression and very well organized ideas and the most important thing that your story is very interesting because it's about a lot of people everyday life but no one is discussing it. I agree with #1 comment you can really write a book it will be very interesting to everyone and especially to people like I mentioned earlier who are living in your shoes but nobody has the courage to talk about what did they go through. Everyone should come out their closet and accept what GOD had for them and talk about it. They really need to accept their life and live it to the fullest and love it because everyone's life will have an ending soon. Sir Your book will give people a feel of relief and that there are not alone But millions of them out there live everyday the same life. Good luck brother and I hope to read your book next time

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط