التسول الرقمي

التسول الرقمي
الأربعاء 2 دجنبر 2020 - 17:46

فرضت سياقات الجائحة جمودا قسريا على العديد من الأنشطة الاقتصادية، إذ يواجه العالم أسوأ تباطؤ اقتصادي، ويتوقع الخبراء أن يعاني الكثيرون من الفقر، وتضيق السبل أمامهم للوصول إلى الخدمات الأساسية. ومع تفاقم هذه الأزمة الخانقة، تصاعدت وتيرة بعض الظواهر السلبية، ومنها ظاهرة التسول؛ إذ تحول التزايد المستمر في عدد المتسولين إلى آفة اجتماعية تقض مضجع العالم، ومرشحة للتصاعد خلال الفترة القادمة بسبب كورونا. فما هي أسباب هذه الظاهرة؟ وما المستجد في أشكالها؟ وكيف تصدى القانون لها؟.

التسول التقليدي

تحول التزايد المستمر في عدد المتسولين إلى مشكلة اجتماعية خطيرة، تعاني منها المجتمعات العربية، وكذلك المجتمعات الغربية؛ وصورتها التقليدية معروفة، فتجد المتسولين في الأسواق، وعلى أبواب المساجد، والكنائس، والحدائق، أو متسولين يدعون العاهات، والإصابات، أو المرض، أو التسول بموهبة (العزف، الغناء…). وهذه الآفة تسيء للشكل الحضاري للمجتمع، وتوقف العمل والإنتاج؛ لأن كثيرا من القادرين على العمل لا يعملون، ولا ينتجون، يبخسون كرامتهم، ويستجدون عطف الناس مستغلين طيبتهم، وسذاجتهم.

وأسباب الظاهرة كما يعتقد كثير من الباحثين متعددة منها: الحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عدم التوزيع العادل للثروة في المجتمع، عدم تخاذ أي حلول من طرف المسؤولين، الهدر المدرسي، الكسل والاتكالية، وجود من يعطي الصدقة؛ كما قال الباحث المرحوم المهدي المنجرة: “…ينتشر التسول عندما يوجد من يعطي الصدقة”.

كما أن التغييرات التي شهدتها المجتمعات العصرية تركت آثارا كبيرة على منظومة القيم الاجتماعية، ومكانة العمل لدى الإنسان العربي، وساهمت في نشر عقلية الربح السريع، والسهل؛ فخلقت أشخاصا كسالى اتكاليين يسعون إلى كسب المال دون بذل أي جهد. فما هو مستوى الظاهرة بالمغرب؟ وماهو موقف المشرع منها؟.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدم إحصائيات رسمية تتعلق بالتسول؛ فجاء المغرب في صدارة الدول العربية التي تعاني من الظاهرة، حيث وصل العدد إلى حوالي 195 ألف متسول سنة 2019، متبوعا بمصر 41 ألف متسول، والجزائر في المرتبة الثالثة بمجموع 11 ألف متسول (نفس الرقم المهول على الصعيد الوطني موجود أيضا في إحصائيات وزارة الأسرة والتضامن).

وقد تصدى المشرع لهذه الظاهرة، إذ يعاقب القانون على آفة التسول، وخاصة الفصل 326 الذي ينص على أنه: “يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر من كانت لديه وسائل العيش، أو كان بوسعه الحصول عليها بالعمل، أو بأي وسيلة مشروعة، ولكنه تعود ممارسة التسول في أي مكان كان”. كما جاء في الفصل 327: “يعاقب كل متسول يستعمل التهديد، أو يدعي عاهة، أو مرض، أو يقوم باصطحاب أطفال من غير فروع المتسول، بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنة”.

كما أورد الفصل 328 من القانون الجنائي: “يعاقب بالعقوبة المشار إليها في الفصل السابق من يستخدم في التسول صراحة، أو تحت ستار مهنة أو حرفة ما، أطفالا يقل سنهم عن ثلاثة عشر عاما”.

لكن تطور وسائل الاتصال ساهم في تغيير أشكال الممارسة الاجتماعية لظاهرة التسول، وأصبح مستجدا توظف فيه معارف علمية متطورة، ومؤهلات ذهنية كبيرة مسايرة للتطور التكنولوجي؛ وهو ما يطلق عليه التسول الرقمي؟.

التسول الرقمي

ظاهرة التسول الرقمي لا تختلف عن التسول التقليدي؛ فهي قائمة بالأساس على الخداع، والتحايل، والاستغلال للحصول على المنافع المادية، والعينية. كيف ذلك؟ المتسول الرقمي يحاول جذب عطف الناس، ويطلب مساعدات أو تبرعات تحت حسابات وهمية، وأسماء مستعارة، فيجني الملايين…

وميزة التسول عبر الأنترنت ومنصات التواصل أنها وسيلة آمنة لمتسول مجهول الهوية؛ لا يمكن معرفة معلومات عنه. والمتسولون الرقميون عادة ما يتمتعون بذكاء اجتماعي عال جدا في انتقاء الكلمات المؤثرة التي تستعطف الهدف للحصول على المال بتوظيف تقنيات حديثة مثل: تركيب فيديوهات أو صور كلها مزيفة. ويعمل عدد كبير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على ترويج هذه الرسائل والقصص الإلكترونية التي ينشرها المتسولون.

براثن الخداع

التسول الرقمي ظهر مع ظهور الأنترنت، لكنه أصبح أكثر انتشارا بمجرد انتقال العالم من الهواتف المحمولة إلى عصر الهواتف الذكية. والخبراء يحذرون من أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بمثابة العالم الافتراضي الذي وجد فيه المتسولون الاتكاليون فرصتهم للحصول على أموال الغير بأساليب خادعة. فعبر الوسائل الرقمية يستطيع المتسول أن يصل إلى العديد من الأشخاص على شكل متخف، حيث يقوم بصياغة قصص وهمية لخداع الناس، والقلوب الطيبة. ومن الأساليب: إظهار تقارير طبية مزيفة – فواتير الماء والكهرباء –طلب المساعدة على الدراسة – إجراء عملية جراحية -جمع تبرعات لبناء مسجد أو حفر بئر- فيديوهات خادعة. لذا كثير من الدول اعتبرت التسول الرقمي من الجرائم المعلوماتية؛ لكن إثبات الجريمة يحتاج إلى وسائل تقنية حديثة.

وفي المغرب، رغم المقتضى التشريعي الذي يروم مكافحة التسول، فإنه في المقابل تظهر مجموعة من الإشكالات أمام المشرفين على إنفاذ القانون في التسول الرقمي العابر للقارات، منها: صعوبة كشف هوية المتسولين الرقميين لأنهم يستعملون أسماء مستعارة، أو ينشرون بأسماء غيرهم، واعتمادهم على تفعيل برامج وتقنيات تجعل صعوبة في التعرف على هوياتهم الحقيقية، ما يتطلب تدخل المشرع من جديد من أجل البحث عن منافذ تشريعية أخرى تحد من هذه الصعوبات، وتساهم في إيقاف هذا النوع من الجرائم المستحدثة.

كيف نحد من الظاهرة؟

للحد من آفة التسول بكل أنواعه يجب: خلق فرص عمل جديدة، نشر ثقافة العمل في المجتمع، تفعيل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وتطبيق العدالة الاجتماعية، وتحيين القوانين بإضافة قانون مكافحة جمع التبرعات الاحتيالي، والتسول الرقمي. والأهم من هذا كله توعية الجيل الجديد الذي يتعامل مع التكنولوجيا في كل مناحي الحياة بعدم التعامل مع شخص افتراضي. وفي هذا السياق أثمن العمل الأخير الذي قامت به وزارة الأسرة والتضامن احتفاء باليوم العالمي لحقوق الطفل (20 نونبر) وهو إطلاق *دليل الأسر لحماية الأطفال من الأنترنت*.

تسول لا يعاقب عليه القانون؟

هذا التسول الرقمي (لايت) يثير انتباه الكثيرين من مستخدمي المنصات الرقمية، حيث يستجدي المتسول (لايك) الإعجاب بصفحته، أو أخباره، أو صوره، أو مداخلته في ندوة، أو قصيدته، وآخرون يتسولون الدعاء للشفاء لهم أو لقريبهم…مع التسول لزيادة عدد المتابعين، والمشاهدين. وأهمس لهؤلاء المتسولين للإعجاب بأن الأعمال الجيدة والمستحقة للإعجاب تفرض نفسها دون حاجة أصحابها إلى استجداء مشاهدة، أو متابعة، أو حساب عدد “اللايكات”…أليس كذلك؟.

‫تعليقات الزوار

5
  • Amaghrabi
    الأربعاء 2 دجنبر 2020 - 21:03

    نعم استاذتي المحترمة ,رغم ان التسول ظاهرة عالمية الا ان التسول في المغرب وصل الى الدرجة القصوى من المبالغة وانفلات اخلاقي يضاهي المناكر التي حرمها الشرع الاسلامي وبالتالي فاليوم يجب ادخال التسول في خانة الاجرام والمحرمات.صراحة سيدي الكريمة انزعج بالتسول الذي بدأ ينتشر في مدينة فرانكفورت وكيف لا يكون انزعاجي اعظم حينما ازور بلدي المغرب ويبدأ التسول منذ وصولي الى بلدي من المطار او الميناء الى داري التي يزورني فيها بعض الجيران قصد المساعدات المادية من البداية وبالتالي فالتسول في مدينة الناظور يبدأ من الدار مرورا بالشوارع واذا كنت في السيارة فتجدهم ينتظرون في الاشارات الحمراء واذا وقفت عند الجزار او الحوات او الخضار فسيمر جحافل من المتسولين ,ولقد قال لي صديق ايراني زار المغرب في السنة المضية المغرب جميل ولكن أسوأ ما فيه كثرة المتسولين. واتمنى من دولتنا ان تحارب هذه الافة السيئة واقول هذا وانا مبؤوس لانني اعلم ان الدولة اصبحت مكتوفة الايدي لان الفساد متنوع وكثير جدا في المغرب وبالتالي اصبحنا لا نعرف الاولويات التي يجب ان نبدأ بمحاربتها

  • حكيمة الحضري
    الخميس 3 دجنبر 2020 - 01:01

    تحيتي وتقديري للأستاذة الفاضلة والمفكرة الرائعة التي تعودنا منها القاء الضوء على قضايا مجتمعية هامة وفحص جذورها ومعرفة اسبابها والعروض في اغوارها مشيرة في الأخير إلى طرق العلاج او التخفيف من الآفة خاصة هنا آفة العصر وضريبة التطور التكنولوجي واستعمال الصفائح الرقمية وظ
    هور جرائم رقمية خطيرة كل ذلك يأتي باسلوبها البارع في التدقيق والبحث ..واكبك التالق غاليتي

  • a.ekharrak
    الخميس 3 دجنبر 2020 - 11:33

    صحيح للأسف بعض المتسولين في المغرب يسيؤون للدولة و لسمعة المغاربة بصفة عامة
    المغرب من الدول التي يزورها السياح من كل العالم و هؤلاء السياح ينزعجون من المتسولين خصوصا الذين يلحون بطرق تضرب عرض الحائط الكرامة الانسانية
    على الدولة أن تقوم بدورها و تخلصنا من هذه الافة المشينة فغالبية المتسولين اخذوها عادة و ليس احتياج
    ايضا هناك الطماعين ادا درست حالته ستجد له بيت ملك و له كل ما يحفظ كرامته و مثل هؤلاء كثييير لا يستشعر نعم الله عليه و يعتقد أنه لا يملك شيء فيخرج للتسول

  • مصطفى آيت الغربي
    الخميس 3 دجنبر 2020 - 22:30

    موضوع مهم جدا
    دات يوم خرجت من مسجد من مساجد الأتراك بعد ما صليت العصر ووقفت بجانب المساجد وادا بأحد الشماكرية الهولنديين طبعا من المدنين على الهروين فجثى على قدميه ورفع سبابته ونظر الى السماء يسألني وكنا نتواجد في شارع وحي الأجانب وما هي دقيقة واحدةحتى وقفت الشرطة بجانب أرجلنا فأخدوه ووضعوا له الأصفاد في خلف السيارة ثم جاء عندي شرطي وسألني : Hij bedelt?
    وتعني بالعربية أكان يسعى؟ فقلت نعم فقال لي الشرطي : شكرا ودهبوا به.
    حصل هدا بهولندا.

  • مصطفى آيت الغربي
    الجمعة 4 دجنبر 2020 - 22:14

    أي فرد دكر أو أنثى يتقاضى أقل من 3000 درهم شهريا فهو متسول أو متسولة.
    فالمرأة التي تبيع جسدها للقمة عيش أو أطعام أبنائها لأنها مطلقة أو أرملة فهي متسولة.
    عدد المتسولين والمتسولات في العالم المتخلف لايحصى.
    أنا بنفسي متسول ولكنني لاأسال .
    80 في المائة من الموظفين متسولون ويموتون وحياتهم يقضونها في التسول.

صوت وصورة
وصول لقاح أسترازينيكا
الإثنين 25 يناير 2021 - 00:52 2

وصول لقاح أسترازينيكا

صوت وصورة
ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور
الأحد 24 يناير 2021 - 16:20 10

ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور

صوت وصورة
انهيار منازل في مراكش
الأحد 24 يناير 2021 - 15:32 11

انهيار منازل في مراكش

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 23

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 9

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 11

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان