لم يولد التطرف في العالم الإسلامي من فراغ، ولم يكن التكفير جزءًا أصيلًا من روح الدين ولا من التجربة النبوية الأولى، بل تشكّل تدريجيًا كلما تحوّل الدين من رسالة أخلاقية مفتوحة على الإنسان إلى أداة صراع على السلطة والهيمنة والنجاة السياسية. فمنذ اللحظة التي غاب فيها النبي، لم يكن الخلاف حول الإيمان بقدر ما كان حول من يحكم وبأي شرعية، غير أن هذا الصراع سرعان ما لبس لباس العقيدة، وأصبح الخلاف السياسي يُترجم بلغة دينية قاطعة: إيمان وكفر، حق وباطل، فرقة ناجية وفرق ضالة.
كانت ظاهرة الخوارج أول تجلٍ صارخ لهذا الانحراف الخطير. رفعوا شعارًا يبدو في ظاهره إلهيًا خالصًا، لكنه في جوهره اختزال قاسٍ للدين في نص منزوع من سياقه، وعقل مغلق على تأويل واحد. لم يكفّروا خصومهم لأنهم أنكروا الله، بل لأنهم خالفوا قراءتهم الضيقة له. ومنذ تلك اللحظة، دخل التكفير التاريخ الإسلامي كأداة إقصاء، لا كحكم عقدي بريء. لقد أصبح من الممكن أن يُقتل المسلم باسم آية، وأن يُدان العقل باسم الخوف على العقيدة.
ومع تعاقب الدول، لم يتراجع هذا المنطق بل تغيّر شكله. في العصور الأموية والعباسية، صار التكفير أحيانًا قرارًا سلطويًا، تُلبسه الدولة ثوب الدين لتصفية خصومها أو فرض رؤيتها العقدية. عُذّب علماء كبار لا لأنهم كفروا بالله، بل لأنهم فكروا خارج الإجماع المفروض، فكان العقل هو المتهم الأول. ومنذ تلك المرحلة بدأ يتكوّن في الوعي الجمعي خوف مزمن من السؤال، وريبة من الفلسفة، وتحفظ من كل فكر لا يطمئن إلى الجواب الجاهز.
ومع الزمن، ازداد هذا الخوف رسوخًا. ففي لحظات الانحطاط السياسي والحضاري، حين تراجع الإبداع وتقلص الأفق، تحوّل الدفاع عن الدين إلى دفاع عن الجمود، وصار المختلف مهددًا للنظام الرمزي كله. كُفّر الفلاسفة، واتُّهم المتصوفة، وأُحرقت الكتب، لا لأن تلك الأفكار كانت خطرًا حقيقيًا على الإيمان، بل لأنها كشفت هشاشة السلطة الدينية التي لم تعد تملك سوى المنع والتخويف. وهكذا، بدل أن يكون الدين مجالًا رحبًا للتعدد والتأمل، صار ساحة محروسة بأسلاك التكفير.
في الأزمنة الحديثة، عاد التطرف في ثوب أكثر قسوة. مع سقوط الخلافة، وصدمة الاستعمار، وانكسار المشروع الحضاري، ظهرت حركات قرأت الهزيمة قراءة دينية لا تاريخية، فحمّلت المجتمع مسؤولية السقوط، واتهمته بالجاهلية، واعتبرت نفسها وحدها الناجية المختارة. هنا لم يعد التكفير مجرد فتوى، بل أصبح أيديولوجيا كاملة، تُنتج خطابًا مغلقًا يرى في الفكر خطرًا، وفي الفن انحلالًا، وفي المرأة فتنة، وفي الحرية مؤامرة.
ولم يسلم كبار المفكرين والعلماء من هذا المناخ الخانق. كُفّر من دعا إلى العقل، واتُّهم من فصل بين الدين والسياسة، وحورب من قرأ النص قراءة تاريخية إنسانية. بعضهم اغتيل جسديًا، وبعضهم اغتيل رمزيًا، لكن الجامع بينهم أن التكفير لم يكن دفاعًا عن الله، بل خوفًا من الأسئلة. فالإيمان الواثق لا يخشى النقد، والدين الحي لا يحتاج إلى حراس يحملون السكاكين.
إن أخطر ما في التطرف الديني أنه لا يبدأ بالقتل، بل يبدأ بإلغاء الإنسان. يبدأ برفض التعدد، وبتقديس الفهم الواحد، وبالاعتقاد أن الحقيقة اكتملت وانغلقت. وحين يُغلق باب العقل، يُفتح باب الدم. وحين يُختزل الدين في شعار، يفقد جوهره الأخلاقي، ويتحول إلى أداة عنف بارد.
لذلك، فإن مواجهة التطرف لا تكون فقط بالأمن ولا بالقوانين، بل بإعادة الاعتبار للعقل، وللتاريخ، وللإنسان داخل النص. فالدين الذي عاش قرونًا وهو ينتج فقهًا وفلسفة وشعرًا وعلمًا، لا يمكن أن يُختصر في خطاب كراهية. والتكفير، مهما ارتدى من أقنعة، يظل علامة ضعف، لا قوة، وعجزًا عن الحوار، لا غيرة على الإيمان.
في النهاية، لم يُهدد الإسلام يومًا بالفكر، بل هُدد حين حُرم من الفكر. ولم يُشوَّه بالأسئلة، بل شُوّه حين أُغلقت الأسئلة باسم اليقين. وكل تجربة تاريخية تؤكد أن الدين يزدهر بالعقل، ويختنق حين يُحتكر، ويُقتل حين يُستخدم سلاحًا في معركة لا أخلاق لها.
شكرا لكم مقال مهم
التطرف الديني في جوهره هو ’أزمة روح’ قبل أن يكون أزمة سلوك, فهو يتسم بالغلظة و القسوة و إقصاء الآخر, مما يعقد حياة الناس و يجعل الاندماج و التعايش داخل المجتمعات أمرا مستحيلا.
إن البديل الحقيقي هو العودة إلى الأصل, إلى ’التصوف الرحموتي‘, الذي كان دائما صمام أمان لمجتمعنا قبل أن يتم تهميشه بفعل فتاوى الجفاء.
بينما يبني المتطرف جدران الكراهية, يبني المتصوف جسور الرحمة و التسامح محولا الدين من أداة للترهيب إلى رسالة حب و تعايش و سلام تيسر حياة الناس و لا تعسرها
استعادة هذا الإرث الروحي الرحم هي الطريق الوحيد لتحقيق الأمن الروحي الحقيقي.
يجب أن ندرك أن التطرف الذي نراه ليس مجرد فهم خاطئ للنصوص, بل هو نتاج مباشر لاستغلال الدين في السياسة. الدعاة المتطرفين لا يهدفون لبناء إنسان صالح, بل يسعون لصناعة إنسان منغلق يتم عزله فكريا و روحيا ليكون مجرد درع بشري يخدم نمودجا سياسيا معينا. إذن الحل هو حرير التدين من التوظيف السياسي
“The mind of a bigot is like the pupil of the eye; the more light you pour upon it, the more it will contract”
“عقل المتعصب يشبه بؤبؤ العين؛ كلما زدت عليه الضوء، زاد انقباضاً وضيقاً.”
Oliver Wendell Holmes
“Le dogmatisme est l’ennemi de l’intelligence car il dispense de chercher”
“الجمود العقائدي هو عدو الذكاء، لأنه يعفي المرء من عناء البحث.”
Blaise Pascal
أستاذي،
إنَّ طرحكم يفكك تلك العلاقة المشبوهة بين رغبة التوسع السياسي وضيق الأفق العقدي، موضحاً أنَّ التكفير لم يكن يوماً غيرةً على الذات الإلهية بقدر ما كان درعاً لحماية كراسي الحكم ومصالح الجماعة. فالتطرف يبدأ حين نمنح تفسيرنا البشري للنص قداسة النص نفسه، وحين ننسى أنَّ قوة العقيدة تكمن في قدرتها على احتواء الاختلاف لا في محاولة محوه بالدم. إنَّ المعركة اليوم ليست بين إيمانٍ وإلحاد، بل بين فكرٍ منفتح يرى في الإنسان قيمةً عليا، وبين فكرٍ منغلق يخشى السؤال لأنه يفضح هشاشة اليقين الزائف. إنَّ العودة إلى رحابة الدين تتطلب تحريره من “حراسه” ليعود ملكاً للجميع، فالحوار هو لغة الأحياء، أما الإقصاء فهو صمت القبور.
ALHOCEIMA
تحية للكاتب المحترم على جهده في توصيف مظاهر التطرف الديني غير أن المقال رغم لغته المصقولة وكثافة إحالاته الفكرية لم يغادر دائرة التشخيص المريح وكان هروبا عن قصد أو غير قصد من الاقتراب من الجذور الحقيقية المنتجة لعقلية العنف والإقصاء. فاختزال التطرف في صراعات السلطة أو لحظات الانحطاط السياسي ليس سوى تجنب لمواجهة البنية المعرفية التي صاغت هذا الفكر ورسخته قرونا باسم الدين. إن الحديث عن إعادة الاعتبار للعقل يظل إنشاء فارغا ما لم تسم الأشياء بأسمائها ويكشف صراحة عن المنظومة النصية التي شرعنت التكفير وسفك الدماء وقدست إلغاء الإنسان. وتؤكد تجربتي الشخصية واطلاعي المباشر على كتب الحديث والفقه والتفسير والسير منذ أواسط التسعينات أن العقل المتطرف لم ينبت من فراغ بل تشكل داخل التراث المذهبي نفسه حيث رفعت اجتهادات بشرية مشروطة بسياقاتها التاريخية إلى مقام المقدس. هذه النصوص هي الوقود الحقيقي للتطرف وكل حديث عن مواجهته يظل وهما ما لم يقترن بنقد جذري للمقدس البشري وفصل حاسم بين وحي الله المحفوظ وتراث قابل للمساءلة والمراجعة باعتبار ذلك شرطا لازما لأي إصلاح فكري حقيقي -يتبع…
هنا أستحضر عينة من النصوص التي ما تزال تشكل مرجعا أساسيا في تكوين عقلية المتطرفين وتبرير ممارساتهم العنيفة في حين يتعامل معها العقل الجمعي بقبول ضمني وإن كان لا يستسيغها واقعيا خوفا من التشكيك أو من تهمة المساس بالدين وهو ما غذّاه خطاب الوعظ التقليدي القائم على ترهيب العامة. وبهذا يستمر الجمود وتتعطل المراجعة ولا يحدث أي تحول في العقليات بل تتكرر المآسي وقد تتكرر مستقبلا ما دام النقد الذاتي غائبا وما دام المقدس البشري لا يفصل عن الوحي الإلهي. ومن ذلك حديث الشيخين في صحيحيهما القائل :(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) وهو نص يفيد أن العصمة من القتل ومصادرة الأموال مشروطة بالتلفظ بالشهادتين والدخول في الإسلام وهو معنى لا ينسجم مع الفطرة السليمة ولا مع العقل النقي.
ومع ذلك فإن المتطرف وهو يتلو قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الكهف 29 يقدّم نص الحديث أعلاه على هدى الآية غير منتبه إلى التناقض الصريح بين الوحي القرءاني وما يسمى بالوحي الثاني أو يلجأ إلى مراوغات فقهية تدعو إلى التوفيق بينهما رغم تحذير الله الواضح بقوله ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ النساء 82. أما سبب هذه الانتقائية فيرجع إلى بنية عقدية راسخة في الوعي المذهبي حيث تقرر عند علماء السنة أن السنة قاضية على القرءان كما قال بذلك الإمام الدارمي في سننه وأضاف إليه الشافعي بزعم أن الحديث النبوي وحي ثان. ومن هنا يمكن فهم كيف نشأ فكر التطرف وكيف انتشرت نماذجه المعاصرة كداعش انتشار النار في الهشيم. إن الخلاص الحقيقي يقتضي الفصل الصريح بين ما هو من عند الله وما هو نتاج بشري تاريخي قابل للمساءلة والمراجعة غير أن الأمة في أغلبيتها ما تزال بعيدة عن ذلك ظنا منها أنها متبعة للرسول بينما هي في الواقع قد تبنت دينا موازيا لدين القرءان دينا صيغ بشريا كسائر الأديان الأرضية.
الحمد لله جميع المعلقين تفاعلوا مع المقال بشكل ايجابي وأغنوا النقاش بشكل جيد لانه أصل المشكلة في نظري هو تساوي الوحي اللاهي الذي يمثله كلام الله في كتابه العزيز قرءاننا الكريم والتراث الاسلامي الشائك الذي يحمل سلبيات كثيرة وافكار خطيرة تهدد المجتمعات الاسلامية نفسها والمجتمعات العالمية بصفة عامة وبالتالي لا بد من جعل مرجعية القرءان هي الفاصلة وهي الاساسية ولها المصداقية الواقعية والرئيسية والا فان الخلل في مجتمعاتنا الداخلية والخارجية تهدد الاستقرار داخليا وخارجيا
مقال و كذلك التعاليق ، من أجمل ما قرأت في حياتي، لأنه أصاب الهدف بكل دقة. أشكركم، وآمل أن يتحول إلى خطبة جمعة في كل العالم الإسلامي. أنا محظوظ لوقوع هذا المقال بحوزتي.