التنمية الروحية المستدامة

التنمية الروحية المستدامة
الخميس 12 ماي 2022 - 21:18

يكثر التأسف، ويبدي الكثير منا الحسرة على انقضاء رمضان، باعتبار مضيه، فواتا لكل أعمال الخير، والعودة إلى سابق عاداتنا وانشغالاتنا الفاقدة لمعاني البر وإشراقات الروح. حيث ننكب فيه على الروح ونجد “فيما يكمل فضائلها”، إيمانا بأنها جوهر الإنسان ولبه، “فلم يبق بعدها إلا صورة اللحم والدم”. فهل لتأسفنا وتحسرنا ما يبرره؟ وما المانع من استدامة نفحاته الروحية، وآثاره الإنسانية؟

رمضان شعيرة دينية وتنمية روحية:

يشكل الدين ركنا أساسيا في بناء الشخصية الإنسانية ماضيا وحاضرا، سواء كان دينا وضعيا أو سماويا. فهو دافع أو كابح لحركات وسكنات المرء، لكن هذا الوازع قد تعتريه العطل، فيجنح إلى الضمور وقلة الفاعلية وقلة التأثير في معيش الناس، “فيصدأ الإيمان”، ويرتبط الإنسان بالأرض، هاملا نداءات السماء ومتطلبات الروح، فيكسل الفكر والنظر العقلي المسدد بالوحي في أبعادهما الإنسانية الخلاقة. وبهبوب نسمات رمضان الروحانية، تجري المياه الراكضة، فتكنس الران والصدأ المتكدس على القلوب، وتجرف قوتها أوتار الفرامل المعطلة لحركة العقل وملكة التفكير، ما دام الشهر، شهر قراءة وتدبر، ليس للكتاب السماوي فحسب، بل لكل الكتب المقروءة منها والمنظورة والمسموعة، ولكل المعاني الرمزية التي يغفل عنا المرء حينما يكون منشغلا بما يملأ به بطنه، أو ليست “البطنة تذهب الفطنة”؟ وهو ما يُفسر هذه الحركية التي تدب في أوصال الحياة الثقافية والأدبية والفنية… بمختلف الأشكال والتلوينات: ندوات، معارض، مسابقات….

إنها يقظة تدفع صاحبها إلى مراجعة علاقاته بالمادة والرمز في حياته، وإعادة ترتيب أولوياته، بل عاداته التي هو ابن لها و”طبيعته الثانية”. ومن ثمة تبني مواقف جديدة في الحياة، قوامها: ليس بالجسد ومتطلباته نحيا، ولأجله تعبنا وكددنا. فنتفطن فجأة إلى منابع الاطمئنان والسكينة، والشعور بالوجود السعيد، في ظل علاقات ربانية واجتماعية موصولة غير مقطوعة، تغني عن الافتتان بالمعروض على قارعة الطرقات من البضائع، والتنافس في استهلاك أقصى ما تستطيعه من الماديات. يزيد من وطيسه، مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المجال الواسع للتباهي وعرض القوة الاستهلاكية. والتي قد تخفت لدى البعض في موسم الصيام، فاسحة المجال لإشراقات روحانية، وترددات معرفية نورانية، ودعوات بدوامها، ورجاء بعدم انقطاع حبل وصالها، بانقطاع شهر تنميتها بامتياز.

التنمية الروحية مدخل التنمية الشاملة:

واضح إذن أن الصوم وإن كان شعيرة دينية مهمة، فهو وسيلة تربوية لإخضاع الجسد وتزكية الروح. ورمضان مدرسة ومحطة تجنيد اختياري، للتغيير نحو الأفضل، المتمثل أساسا في استدامة يقظة الوازع الديني، والحس الإنساني. وتعهد النفس بالتنمية الروحية التي لا ينقطع مددها بانصرام رمضان، وقد عشنا شهرا نعمل على تعزيز القيم والأبعاد الرمزية فينا، وترويض غرائزنا، والتخلي فيه عن عاداتنا.

إن الحديث عن التنمية الروحية أو التنوير، لا يمكن أن يستقيم دون الحديث عن التدين كمدخل أساسي، التدين القائم على الشرائع السماوية عامة، والإسلام خاصة. ولا يمكن ربطه بالتنمية الشاملة من دون التفاعل الإيجابي للفرد مع المحيط البشري والمادي، بما استمده واعتنقه من قيم، كانت محل تعبده وجوهره، عنوانها: “وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا”. وإلا فهي مجرد طقوس فلكلورية تغرق في التخلف أكثر مما تدفع نحو الترقي والكمال، ومجرد فقاعات لا تلبث أن تندثر بمجرد خفوت صوت طبولها ومزاميرها، وذهاب بريق وجدة أزيائها مهما حاولت في الاقتباس من التراث. و”الله لا ينظر إلى الصور، ولكن إلى ما اكتسبت القلوب”، المحركة للجوارح والأشياء.

فالتنمية الروحية في زمن التنمية البشرية التي أخذت موقع النجومية بين سائر المواضيع، والتي أصبحت تخصصا له أهله وقواعده، “تتطلب تكوينا بشريا متوازنا، بجوهر أخلاقي خلاق، وبثقافة إيمانية، ومحاسبة ونقد ذاتي، وعمل وسلوك يحققان عمارة الأرض، وكل ألوان التعمير في الحياة الكونية” (يوسف الحسن). وهي عملية تتطلب زمنا لتفعيلها لا يتوقف على شهر دون آخر، ويمكن أن يكون رمضان فرصة لانطلاقها، لإحداث التغيير المنشود، على المستويين المادي والمعنوي. ويعد الجانب الثقافي القيمي القائم على تغذية الروح، الذي يرتفع منسوبه بشكل كبير في رمضان، بما يوفره من موائد الرحمان الفكرية والروحية، كما الغذائية، أحد رافعاتها التي توجه الإنسان إلى استغلال قدراته ومعطيات عصره على مختلف الصعد، ليكون عنصرا له بصمته، وقيمة مضافة في مجتمعه، يسعد نفسه وغيره، لما بعد رمضان من الأيام والشهور.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Lamya
    السبت 14 ماي 2022 - 11:05

    لا اريد ان اعمم و لكن المناسبات الدينية في العالم مثلا عي ميلاد المسيح عند النصارى و رمضان عند السلمين اصح الناس و الاقتصاد يعتبرونها مناسبة للاستهلاك المفرط و تحيقيق الارباح الاقتصادية, مثلا احتكار والمضاربات حول المواد الغذائية و التباهي و السهر و اللهو و اللغو…
    و اصبح ينظر لها كعادة ثقافية و هناك من المتعبدين من يستغل المساجد و صلاة التراويح و الصدقات للدعوة الى فصيله او جماعته او لبيع اشياء مرتبطة بالدعوة الى جماعة معينة, مثلا بيع كتبهم امام المساجد
    يعني الحقيقة المرة اصبح الدين عبارة عن تجارة مربحة و للتباهي, الا من رحم ربك
    و ايضا من طرف الدعاة دعوة للعبادات فقط و ليست دعوة للاخلاق الحسنة
    المسلمون عليهم اعادة فهم الدين من جديد و بان الاخلاق و القيم و المبادئ هي الاساس و الغاية في نفس الوقت, و العبادات مثلا الصلاة و الصوم هي فقط وسيلة للوصول الى هذا الهدف, لان الله غني عن عبادتنا

  • Lamya
    السبت 14 ماي 2022 - 11:08

    نحن من يحتاج و يستفيد روحيا و اخلاقيا من العبادات
    اي العبادات ليست اشياء مجردة و انما متصلة بصلة وثيقة بالتربية الروحية و الاخلاقية و هي هدفها الاسمى, و اذا كانت اخلاق الشخص فاسدة و لا ينوي اصلاحها في رمضانو فلا داع ان يتباهى بصومه و صلوات تراويحه و صدقاته
    و لو كانوا الناس صادقين في عباداتهم و اخلاقهم في رمضان لاستمر ذلك طول السنة و لا ينقطع بعد رمضان لان ها الشهر في السنة غايته هو التاثير على باقي شهور السنة

  • Lamya
    السبت 14 ماي 2022 - 12:07

    و هناك من الدعاة من يقول انه يريد الدفاع عن الاسلام في رمضان بخشونة وغلظة, لان “له غيرة على دينه” فيسب الناس و يحتقرهم و يقول اشياء لا اخلاقية و الغيبة و النميمة…
    و هل الدفاع عن الاسلام يكون بهذا الشكل? و هل الله كلفه هو بهذه المامورية?
    صراحة الاسلام لا يحتاج لمن يدافع عنه, لان الله يدافع عن الذين امنوا, يعني نحن من نحتاج الله, لكي يدافع عنا, و ليس الله هو الذي يحتاج من يدافع عنه سبحانه عما يصفون, يعني الداعية المطلوب منه التحلي بالتقوى و الاخلاق الحسنة, كي يصبح مؤمنا فعلا, لكي يدافع الله عنه و الله هو الحافظ لدينه

  • Lamya
    السبت 14 ماي 2022 - 13:01

    مسالة اخرى مهمة علينا ان نسلم بها, و هي الاعياد و المناسبات الدينية هي اوقات خاصة و مباركة عند الله, و لذلك, رغم كل ما قلته سابقا, فعلى الانسان استغلالها للتصدق و فعل الخيرات اكثر من الايام الاخرى. و هذه مسالة طبيعية وهي سنة الله في الارض, لان الاجر يكون فيها , اضعاف مضاعفة و الله يضاعف اكثر فاكثر لمن يشاء من عباده..
    فكل الديانات تهتم مثلا بالضعفاء و بالاطفال المحرومين و يفرقون عليهم الهدايا و الملابس في العيد…

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 2

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 6

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 8

أزمة الكراء في سلا