الثقب الأسود الذي ابتلع "العدالة والتنمية"

الثقب الأسود الذي ابتلع "العدالة والتنمية"
الأحد 19 شتنبر 2021 - 01:13

راكب الأسد مزهو إلى حين

للنكبة التي داهمت حزب العدالة والتنمية، وهو في أوج حكومته وعزه، جذور تتجاوز القشرة الانتخابية، نازلة إلى عمق الأعماق، حيث التربة الفقيرة لفكر سطا على كل مخرجات الديني، وسرق كل حقوق التأليف، متوهما أنها مفاعل نووي قادر على إنتاج طاقة تدبير الدول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والحال أن عمق الديني مجرد سؤال ينتظر إجابات متجددة تراكمها العصور إلى ما لانهاية.

أن تتوهم السؤال جوابا، ثم تقرفص جالسا، هو قمة الكسل الفكري.

هكذا تعالى هذا الحزب عن الواقع، وعن كل توابل الشرط الديمقراطي، ولو أنه انتعل الانتخابات، غِب ربيع عربي، ليجد نفسه-وهو يسترق الفوز، وإن لم يسرق-وجها لوجه مع تدبير الدولة، بحكومة، احتار كثيرا قبل أن يقتنع بأنها غير مسموح لها، تاريخيا وجغرافيا، بأن تشتغل دعوية.

لا وقت للدينامية التنموية للبلاد لتنتظر استجابة السماء، ولا صبر للمتضررين من الفساد المستشري لينتظروا حسابات يوم في حكم الغيب.

وانهار القاموس الدعوي كلُّه، ولم نعد نسمع غير سقط الكلام وغريبِه، وقهقهات لا تقول غير: “عَقتْ بِكُمْ، ابغِيتوا ادَّابْزوني مْعَ الملك”.

وفي مرحلة لاحقة، استُبدلت القهقهات بابتسامات صفراء باهتة، لا تقول غير: “كل هذا فوق طاقتي”.

غدا الدستور المعدل، وقد راهنت عليه الملكية والشعب معا، فُضلة في العمل وليس عمدة، بل تُرك وشأنه، في دواليب المؤسسة الملكية، بحجة أنه شأن ملكي، والحال أنه شأن شعبي بالحراك والتجاوب الملكي، ثم بالتصويت.

بانهيار القاموس الدعوي، أمام الواقع التنموي وهو بمعنى ما “لا ديني”، وبأرشفة تعطيلية لمستجدات الدستور، سقط الحزب المدبر للحكومة في الثقب الأسود، مستسلما لتدويره بسرعة امتصاصية هائلة، إلى أن تم لفظه جثة هامدة، لم تستسغه حتى أغوار الثقب.

بتعطيل القاموس الدعوي، الذي اشتغل تحشيديا، لعشرات السنين، وأرسى قاعدة انتخابية صلدة، انهارت الثقة الشعبية، المنتمية وغير المنتمية، وتبودلت النيران الصديقة مرارا وتكرارا.

ماذا بقي، غير أشباح وزراء اقتنعوا أنهم حيث هم إلى حين، دون أي مستقبل.

قضاء حكم من داخل الحزب قبل الانتخابات، وما تكون الأحزاب المنتصرة قد استقوت به، حسب الزعم.

هذا الانكفاء على الذات، مع ضعف الحركة، أفضى إلى السمنة والترهل، كما يقع مع العجول.

وكانت له اشتغالات أخرى، مالية أسرية، أخلاقية، خارج المنتظر من الأداء الوزاري.

أرتب على كل هذا الخلاصة الآتية:

نشأ حزب العدالة والتنمية، كما تسمى لاحقا، نشأة مخبرية مصطنعة-لمواجهة يسار الجامعة دعويا-خارج الحركية السياسية بالمغرب المستقل، التي لم تستدخل الاشتغال الديني، لوجود إمارة للمؤمنين ضامنة ومؤطرة لتدين الدولة والمواطنين.

ولما انتهى به الأمر، بعد عشرات السنين، إلى مواجهة شباب 20 فبراير أيضا، متشفيا في أحزاب أفرغت له الساحة قصدا وكرها، ركب على الأسد الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة بفوز انتخابي في منتهى الهشاشة.

ولم يكن له من خيار، في غياب الكوادر والكفاءات، غير تعطيل دولة لا تشتغل-ولا ينبغي لها أن تشتغل-بالدعوة.

ومن يركب الأسد يزهو بمركبه، إلى حين فقط، إلى أن يجوع الأسد.

والبقية معروفة.

ماذا سيصيب الأحزاب الأخرى من نكبة العدالة والتنمية؟

لم ينتبه أي من المحللين السياسيين لهذا؟

ربما لأن هول النكبة أصاب الجميع بالذهول، داخل الحزب وخارجه، بل حتى على مستوى بعض الإعلام الدولي.

كما ولَّد فرحا هستيريا، عكسته مواقع التواصل، وهو متواصل، ويبدو أنه لن يخبو سريعا.

أما حدائق الحزن فلم تلجها غير قلة، إما لكآبة متأصلة فيها، أو لكونها تثق كثيرا في قيادتها ثقة المريد في شيخه، ولو وقف على تركه للصلاة.

لا يمكن ألا يتأثر الجسم السياسي المغربي برض عضو فيه، إلى حد البتر تقريبا.

لو لا وجود خلل عام في البنية الحزبية كلها، لما كانت هناك ضرورة لبتر العضو أو رضه. الكل مرتبط بالكل.

في الأصل، كما أسلفت، كانت الطفرة الدعوية التي استصغرت، وربما سفهت، الدينامية السياسية الحزبية، كيفما تسمت.

هنا الخطيئة الأصلية التي غضت عنها الدولة الطرف، وتحالفت معها في النهاية، لمواجهة يسار جامعي يتقوى عربيا ودوليا يوما بعد يوم.

استمر الجسم السياسي، مترنحا، لما به من توريم، جعل بعض المغاربة ينظرون إلى غيرهم على أنهم أقل تدينا:

حزب ذو مرجعية دينية، يحتكرها ريعا غير مبرر إطلاقا، ضمن أحزاب لم يُشتكى منها أبدا دينيا، وإمارة المؤمنين شاهدة.

هكذا كان على الأحزاب الوطنية، وحتى المسماة إدارية، أن تسير بأحذية تخز الأقدام.

واستمر الوخز حادا والحزب الديني في الحكومة.

كل الشأن الحزبي تأثر بهذا حتى غدت أحزابا صورية لإنتاج التزكيات فقط، في بعد كبير عن النضال وشرطه، والمناضل الذي لا رأسمال له غير نضاله، الذي قتله الأمناء والأعيان.

لسان الحال الحزبي ظل يقول لسنين:

قتلتم العمل السياسي بالانحياز غير المبرر للدعوي، ولم يبق إلا أن ننيخ بالمناضل ليركب الأعيان ورأس المال، هذا ما تبقى لنا من طريق للوصول إلى البرلمان والحكومة.

انتهت مواسم النضال الحزبي منذ أن سُمح لحركة دعوية باحتكار كل حقوق التأليف، ثم السياسة والحكومة.

ولم تقنع لأن العين-منذ البداية-على الخلافة الإخوانية، خارج خرائط الوطن.

اليوم وقد جرى ما جرى، على الأحزاب أن تستبدل أحذيتها بأخرى مريحة، وتعيد الدينامية والعنفوان للحياة السياسية، التي لا تعترف إلا لإمارة المؤمنين بتدبير الشأن الديني، بعيدا بعيدا عن الشأن السياسي.

يجب أن يفسر اندحار الدعوي بمستقبل مشرق يستعيد فيه المناضل السياسي مكانته، بعيدا عن غارات رجال المال والأعيان.

إذا حدث هذا التصحيح الحزبي، المكمل لكل طموح النموذج التنموي الجديد، كما سيُنزل، فإننا سنعيش في مغرب آخر، مؤكدين للأعداء، الجيران والأوروبيين، أن تخوفاتهم من النمر الإفريقي كانت في محلها.

وأكاد أجزم ألا تصحيح حزبيا في وجود أو انزراع جسم ديني آخر في الساحة السياسية.

إذا استنتج الفكر الدعوي العدالي المنهار، من هذا، ألا مستقبل له في المغرب إلا حزبا سياسيا، فقط، بمرجعية وطنية دستورية، وببرامج تنموية حقيقية، فسيكون مصيبا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • عاجل
    الأحد 19 شتنبر 2021 - 09:17

    الكل يفسر ويحلل بينما هذا الكل يعلم ان الملك هو الحاكم الفعلي للمغرب والسلام.
    الملك هو الفاعل واللاعب الاوحد والوحيد على الملعب المغربي سياسيا واقتصاديا ودينيا وووووووووو
    كفانا تحاليل، فقط اطلب من الملك طلبا واحدا وهو ان يعير اهتمامه كثيرا للاقتصاد اي الصناعة لتشغيل البشر.

  • sifao
    الأحد 19 شتنبر 2021 - 15:15

    ابتلعوا انفسعم بانفسهم بسبب تخمة الثقة بالنفس التي يغديها الاعتقاد بنصرة السماء لهم…لاول مرة في تاريخ المغرب السياسي يتحدث رئيس حكوما بلغة خشبية فجة مخاطبا الناس باسلوب استفزازي بشع…” يالله بدلت السيارة وصاوبت الكوزينا والصالون ” هل هذا كلام يليق برئيس حكومة…؟ “واش بغيتو نخدموا بليكي…؟؟ بالاضافة الى الكثير من التصريحات التافهة زالمستفزة التي لا بجب ان تصدر عن رجل سياسة او ادارة…المغاربة ومتةخلال الكثير مت مةاقف وتصرفات هؤلاء الفقهاء ادركوا انهم كانوا يسعون الى تحسين وضعهم المادي وليس خدمة مصلحة الوطن والمواطنين …

  • amaghrabi
    الإثنين 20 شتنبر 2021 - 09:28

    اعتقد ان الاسلام السياسي عامة تلقى الضربة القاضية سواء بطريقة استبدادية انقلابية او بطريقة باردة شعبية في المغرب واعتقد انها النهاية وتجربتها كانت فاشلة وانا لله وانا اليه راجعون

  • مغربي متابع
    الإثنين 20 شتنبر 2021 - 12:32

    كفاكم شماتة في العدالة والتنمية الذي لم يختلس وزراؤه أي شيئ بخلاف العديد من الأحزاب الأخرى.
    كل الغيورين على الديمقراطية من يساريين وعلمانيين وإسلاميين يجمعون على الانتخابات زورت واستعمل فيها المال والترهيب.
    هناك أخطاء للحكومة السابقة وحزب الأحرار كان جزءا منها فلماذا لم يعاقب؟
    الحقيقة أن العدالة والتنمية أستعمل لامتصاص غضب الربيع العربي والآن عادت الدولة العميقة وسوف ترون أياما أسوء من البصري.

  • مصطفى الرملي
    الإثنين 20 شتنبر 2021 - 23:08

    هاته النظرة للإنتخابات تجانب الصواب لسبب بسيط يتمثل في كون العملية السياسية المذكورة تمارس بدون الشعب وما الأحزاب على تلاوينها – يمينية أو يسارية. أو إسلامية …- تتقاسم الأدوار مع وحدة الهدف لكن بالمقابل يستفيدون من النعم والخيرات زيادة على ذلك الحصانة .

  • متتبع مغربي
    الجمعة 1 أكتوبر 2021 - 12:26

    الهزيمة المدوية/النكبة/الانتكاسة و ما شئتم من الأسماء هي تحصيل حاصل لما زرعه الباجدة و زعاماتهم و حوارييهم من تدليس و نصب و سماوي سياسي باسم المشترك الديني الإسلامي لعموم المغاربة و شرائحهم الاجتماعية العريضة و الواسعة باستغلاله سياسيا و انتخابيا  و الركوب على هشاشة و سذاجة الناخبين المغاربة الواثقين في خطابهم الشعبوي الانتفاعي الكاسد و وعودهم المعسولة و الزائفة طيلة عقد كامل من عمر ولايتين تشريعيتين فاشلتين من تدبير الشأن العام المغربي وطنيا و جهويا و محليا و محاباتهم للفساد و أباطرته بل أصبحوا جزءا لا يتجزأ من منظومته الريعية الفاسدة و إثقالهم كواهلهم بترساتة السياسات اللاشعبية القهرية المخزنية التراجعية في عديد القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية و الحقوقية..

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 3

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38 4

تفاصيل دعم النقل