احتضن مركز دراسات الدكتوراه بكلية الاقتصاد والتدبير بفاس، يوم الأربعاء، ندوة علمية خُصصت لمناقشة موضوع “البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية 2027.. أي توازن بين النجاعة الاقتصادية والاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية؟”؛ وذلك بمبادرة من شعبة الاقتصاد وتدبير المنظمات وشعبة التدبير، إلى جانب مختبر الدراسات والأبحاث في تدبير المنظمات والمجالات الترابية (ERMOT)ومختبر البحث متعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات (LIREFIMO) ومختبر البحث متعدد التخصصات حول الديناميات الاقتصادية والمالية وريادة الأعمال.
وفي هذا السياق، قال عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، إن تنظيم ندوة حول مشروع قانون المالية والبرنامج الحكومي يندرج في إطار تقليد دأب المنتدى على ترسيخه مع تشكيل كل حكومة جديدة.
وأضاف مودن، في تصريح لهسبريس، أن هذه الندوة تنعقد في سياق يتسم باتساع النقاش حول مقتضيات مشروع قانون المالية، وانخراط فئات واسعة من المجتمع المغربي في مناقشة مضامينه؛ وهو ما يسعى المنتدى إلى ترسيخه منذ تأسيسه سنة 2014، من خلال العمل على تعميم المعرفة والمعلومة المالية وتقريبها من مختلف فئات المجتمع.
وأوضح المتحدث أن هذا اللقاء يشكل محطة للنقاش الأولي حول مضامين المشروع، تمهيدا لإطلاق النسخة الثانية عشرة من القافلة التواصلية لقانون المالية، التي يعتزم المنتدى تنظيمها عقب التصويت على مشروع القانون، بهدف مواصلة النقاش والتواصل بشأن مقتضياته وتيسير فهمها لدى المواطنين.
الوهم الضريبي
الجلسة الافتتاحية تولى تسييرها فؤاد بلحاج، مدير مختبر البحث متعدد التخصصات حول الديناميات الاقتصادية والمالية وريادة الأعمال. وعرفت هذه الجلسة تقديم مجموعة من المداخلات العلمية التي قاربت الموضوع من زوايا اقتصادية ومالية وجبائية وتدبيرية متكاملة.
وفي هذا السياق، قدم محمد النميلي مداخلة بعنوان “الضريبة بين الوضوح الاقتصادي والمردودية السياسية.. قراءة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 على ضوء نظريات الوهم الضريبي”، تناول فيها السياسة الضريبية المغربية من زاوية الاقتصاد السياسي للضريبة، مستندا إلى نظريات الوهم الضريبي والتوظيف السياسي للقرارات الجبائية، التي تميز بين العبء الضريبي الحقيقي وما يدركه المواطن وبين المردودية المالية للضريبة والعائد السياسي الذي قد تحققه للحكومة.
وأبرزت المداخلة أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقدم مثالا على تفاوت وضوح الإجراءات الضريبية، إذ تحظى التخفيضات المرتقبة في الضريبة على الدخل باهتمام إعلامي واسع باعتبارها دعما للقدرة الشرائية؛ في حين تحظى الزيادات في بعض الضرائب غير المباشرة، خاصة الضرائب الداخلية على الاستهلاك، باهتمام أقل، على الرغم من إمكانية انعكاسها على أسعار بعض المنتجات.
كما توقف النميلي عند مفارقة إعلان تخفيض الضريبة على الدخل، مقابل توقع ارتفاع مداخيلها بنحو 11 في المائة، وارتفاع حصيلة الضريبة على القيمة المضافة الداخلية بنسبة 18.26 في المائة، مع التأكيد على أن ارتفاع المداخيل لا يعني بالضرورة زيادة العبء الضريبي الفردي.
وتناولت المداخلة كذلك رفع الضريبة على شركات استيراد وتوزيع المحروقات من 35 في المائة إلى 40 في المائة، متسائلة عن مدى تحمل المساهمين لهذه الزيادة أو إمكانية انتقال جزء من عبئها إلى المستهلكين، وعن أبعادها السياسية المحتملة.
وخلص أستاذ التعليم العالي نفسه إلى أن العدالة الضريبية لا تُقاس بحجم التخفيضات المعلنة وإنما بالتوزيع الفعلي للعبء الضريبي بين مختلف فئات المجتمع، مؤكدا ضرورة تعزيز شفافية القرارات الجبائية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
من جهته، ناقش أمين السعيد موضوع “البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية 2027.. رهانات التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية”، مسلطا الضوء على ضرورة التوفيق بين الالتزامات الانتخابية والإكراهات المالية والزمنية، ومراجعة القانون التنظيمي لقانون المالية بما يراعي خصوصية السنة الأولى من الولاية الحكومية.
وأكد السعيد أهمية الانتقال من التوزيع التقليدي للاستثمارات العمومية إلى اعتماد مبدأ الإنصاف المجالي، عبر توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر هشاشة وخصاصا، وتعزيز التضامن والتكامل بين الجهات والأقاليم، بما يضمن الحد من التفاوتات التنموية.
كما شدد على ضرورة مواكبة الاستثمار في البنيات التحتية بتوفير الموارد البشرية، من خلال إقرار نظام تحفيزي لفائدة الموظفين والأطر العاملين بالمناطق النائية والجبلية، خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والهندسة.
وخلص إلى أن تحقيق التنمية المتوازنة يقتضي الانتقال من اعتبار العدالة المجالية مجرد شعار للسياسات العمومية إلى جعل الإنصاف المجالي قاعدة لتوزيع الاستثمارات والموارد المالية والبشرية.
تحديات ورهانات
قدم عبد الرزاق الهيري مداخلة بعنوان “من البرنامج الحكومي إلى مشروع قانون المالية 2027.. أي انسجام بين النمو والانضباط الميزانياتي والإنصاف الاجتماعي؟ أكد خلالها أن التحدي الأساسي الذي يطرحه البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يرتبط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة بقدر ما يتصل بمدى القدرة على تحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
وأوضح الهيري أن الرهان الأول يتمثل في تحويل الاستثمار العمومي، الذي يقدر بنحو 400 مليار درهم، إلى رافعة لتحفيز الاستثمار الخاص وخلق فرص شغل قارة ومنتجة، بما يضمن تعزيز دينامية الاقتصاد الوطني وتحقيق أثر مباشر على سوق الشغل. أما الرهان الثاني، فيتعلق بضمان استدامة المالية العمومية من خلال التحكم في مستويات العجز والمديونية، والرفع من مردودية الإنفاق العمومي، دون أن يكون ذلك على حساب الاستثمارات ذات البعد الاجتماعي.
وأضاف أن الرهان الثالث يتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، عبر تحسين جودة الخدمات المقدمة في قطاعي التعليم والصحة، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية.
وشدد الهيري على أن مواجهة هذه التحديات تقتضي ربط الميزانيات بمؤشرات واضحة للأداء، وإخضاع المشاريع لتقييم دقيق لقياس أثرها، إلى جانب تعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، وترسيخ قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تطرق الدكتور أنور الأشقم إلى موضوع “نجاعة الأداء بين البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027.. دراسة في مدى ترجمة الالتزامات السياسية إلى أهداف ومؤشرات ميزانياتية”، أكد فيها أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة مدى نجاعة الدولة في إنفاق مواردها العمومية، وإنما في معرفة مدى نجاعة الاختيارات التي توجه هذا الإنفاق.
وأضاف أن الدولة قد تنجح في تنفيذ برامجها وفق الأهداف والمؤشرات المحددة، دون أن تتمكن بالضرورة من معالجة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها المجتمع. ومن ثمّ، فإن الانتقال من منطق تدبير الموارد إلى منطق النتائج، ينبغي أن يستكمل بالانتقال من منطق النتائج إلى منطق الأثر، ومن قياس الأداء الميزانياتي إلى تقييم المردودية المجتمعية للسياسات العمومية، على اعتبار أن نجاعة الأداء لا تعوض غياب الرؤية الاستراتيجية، ولا يمكن أن تتحول إلى بديل عن بناء نموذج مجتمعي وتنموي مستدام.
أما محمد رضى الرويجل فقدم قراءة نقدية في المقتضيات الجمركية التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027 متوقفا عند السياق العام للمشروع وأهدافه، قبل أن يستعرض أبرز تدابيره الجمركية والجبائية؛ ففي مجال رسوم الاستيراد، شملت التدابير اللحوم الحمراء والأعلاف الحيوانية وأعلاف الأحياء المائية وبعض الأجهزة الطبية، في إطار تحكيم بين القطاعات الوزارية.
أما الضرائب الداخلية على الاستهلاك، فقد شملت التبغ والسجائر الإلكترونية والمشروبات الكحولية والمشروبات الغازية، بهدف حماية صحة المستهلك وتماشيا مع توصيات منظمة الصحة العالمية.
وسجّلت القراءة العلمية أن عددا من التدابير الاستعجالية تحوّل إلى إجراءات دائمة دون آليات للتقييم أو المراجعة، وأن أثرها على أسعار الاستهلاك يظل غير مضمون، منبهة إلى مخاطر تمسّ الإنتاج الوطني، وتنامي الغش والتهريب، وتراجع وضوح التعريفة الجمركية، إضافة إلى غياب أي تدبير لخفض أسعار المحروقات، وخلصت المداخلة إلى ضرورة إرفاق هذه التدابير بآليات للتتبع والتقييم تضمن نجاعتها.
يشار إلى أن هذا اللقاء العلمي شكل مناسبة أكاديمية لفتح نقاش حول رهانات السياسة المالية والاقتصادية بالمغرب، واستجلاء مدى قدرة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على ترجمة الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي إلى اختيارات ميزانياتية وتدابير عملية، تستجيب لمتطلبات النمو الاقتصادي وتحافظ على التوازنات المالية، دون إغفال أبعاد العدالة الاجتماعية والمجالية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.