الثورة والثورة المضادة

الثورة والثورة المضادة
الخميس 31 غشت 2017 - 14:09

يُقر المفكر المغربي عبد الله العروي، بمعرفته التاريخية الرصينة، بأن الدولة في بلادنا متقدمةٌ على المجتمع (لأسباب معروفة)، ولهذا السبب بالذات يقع على عاتقها أمر تحديثه وتطويره، ما يجعل الحاجة إليها تاريخية. غير أن العروي، بنباهته المعهودة، يستدرك ويضيف إلى هذه الحقيقة اشتراطا تاريخيا آخر، وهو ما أسماه القطيعة المنهجية مع العوامل التي كانت سبباً في تأخرنا التاريخي. والقطيعة هنا ليست سوى ذلك الفعل الثوري الممتد في الزمن، والذي يجُبُّ المجتمع الذي قبله، الغارق في متاهات التقليد. ولبلوغ هذه الغاية، لا مناص من تدشين ثورة في نظام الشرعيات، أي العمل على إعـادة بنـاء شرعيات الدولة والمجتمع على قوام جديد.

والثورة، تعريفاً، تعني بناء نظام اجتماعي جديد خرج من رحم نظام قديم قد يكون فقد أسباب استمراريته بفعل تآكل موارد شرعيته التي هزّتْ كيانه وشلّتْ توازنه وفاعليته، وأضعفت مقبوليته والحاجة التاريخية إليه. لذلك، لم تتردد الكثير من المجتمعات الواقعة تحت ضغط التحولات الاجتماعية الكبرى في الاجتهاد في البحث عن مصادر جديدة للشرعية أو تجديد أخرى، تكون حاملة لطاقة مُولدة لديناميات مجتمعية دافعة لتحولات عميقة ونقلات نوعية، تحدث ثورات وقطائع مع الوضع السابق الذي استنفذ صلاحيته أو يكـاد.

والثورة لا تتحقق بمجرد صياغة خطاطة ذهنية أو الاستئناس بشبكة معيارية وقع استيراد تفاصيلها من خارج زمانها ومكانها، بغية إسقاطها أو توطينها في مجتمعاتٍ ببنياتٍ وذهنياتٍ وسياقاتٍ مختلفة من حيث تكوينها وطبيعة أنظمتها السياسية وإيقاع تطورها التاريخي. وهذه الحقيقة تمت معاينتها واستنتاجها من وحي تحولات المجتمعات وأحكام التاريخ، ما يصبغ على مفهوم الثورة تاريخيتها، أي خضوعها لزمنية المجتمع والسياق الذي أفرزها.

وقد أسهب رواد فكر الحداثة والتاريخ، وبخاصة منهم علماء الاجتماع والسياسة، في بسط نظريات وأطروحات مُجددة ومُغايرة للمفهوم الكلاسيكي للتغيير الاجتماعي، الذي لم يكن يرى سوى العنف كوسيلةٍ وحيدةٍ للتغيير.

وقد جرت أمام أعيننا وقائع سياسية وانفجارات اجتماعية وتغيرات اقتصادية، محمولة على موجة العولمة الكاسحة، وأحدثت هزات في البديهيات والقناعات كما في البنى والإطارات الاجتماعية. وقع ذلك في العالم بأسره، إذ لم يعد التغيير الاجتماعي هنا يتوسل الأساليب والأدوات العنيفة نفسها، وإن كان يُبقي، ظاهريا، على الأهداف العليا نفسها للثورة عبر الحفاظ على مضامينها الاجتماعية والثقافية والسياسية ذات الصلة بالديمقراطية والحرية وقيم المواطنة والتنمية الاجتماعية.

والمغرب لا يشذ عن هذه القاعدة بعد أن اهتدى إلى تدشين ثورته الخاصة، الهادئة والمتدرجة، إذ تعاقبت حلقاتها وتراكمت منجزاتها على امتداد فترات زمنية متباينة، رغم أنها لم تخضع في مجملها لقطائع كبرى بالمفهوم التاريخي الذي ذكرناه أعلاه. يكفي أن نقارن مغرب الأمس بمغرب اليوم، حتى يتبين لنا حجم التحولات الكبيرة التي مست عمق البنى الاقتصادية والمؤسساتية والثقافية والقيمية والذهنية، والتي أضحت تُعبد الطريق نحو ولادة مجتمع جديد يختلف عن سابقه في تمثل تجليات الحداثة في الدولة والديمقراطية ونظام القيم والمواطنة والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

وبما أن في جوف كل ثورة تنمو ثورةٌ مضادة، فإن أكبر عائق يعترض عملية التحول التاريخي هذه هو ثقل المواريث التقليدية وتجلياتها في المجال السياسي، متمثلة في سطوة ثقافة محافظة محمولة على صهوة قوى اجتماعية مؤثرة في مستويات ومسارات إنتاج القرار العمومي، وتقوم بأدوار معاكسةٍ للخطوات الإصلاحية ومقاومةٍ للدعوات التحديثية التي تفرض نفسها في لحظةٍ ما من تاريخ الانتقال الثوري الهادئ ذاك.

إنها حركية كابحة لأي فعل تنموي يراد له أن يتبلور داخل المجال السياسي، وفي القلب منه مجال السلطة، تُجليها ثقافة عوجاء وسلوكات عرجاء، لا تلبث أن تفيض عن مجالها الأم وتقذف بشظايا عنفها وتوتراتها إلى المجالين الاقتصادي والثقافي؛ وهي لحظة الانحراف الوظيفي الخطير في سلوك الفاعل السياسي، الذي ينتقل فيه الأفراد والمؤسسات من لعب دور المنقذ من حالة الانسداد، إلى استعارة دور الكابح والممتنع عن التطور. ولأن المجال السياسي هنا، هو مجال الدولة باعتباره المختبر والإطار المرجعي الحاضن والمولد للشرعيات الحديثة المبنية على ثالوث الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، بحسبانها عوامل مُهيكلة لما يصطلح عليه بالتنمية الديمقراطية الشاملة، فإن أي تجاهل لهذه الشروط التاريخية المتصلة بالدولة، تكويناً واستمراراً وتطوراً، إنما هو مغامرةٌ تاريخيةٌ ومقامرةٌ سياسيةٌ بوحدة الاجتماع الوطني، وضربٌ لمشروعية الكيان الجامع. ولنا في ما يقع في البلاد العربية من ضروب الفتن ومآسي الاحتراب الداخلي، الدليل التاريخي القاطع الذي لا تخطئه العين.

‫تعليقات الزوار

4
  • MOHAMMED MEKNOUNI
    الخميس 31 غشت 2017 - 15:53

    الثورة المضادة تكمن في حب الوطن وإحترام قوانينه والتعاون من أجل تقدمه وما سواهم ليس سوى عموميات تنويمية للإنقاض على خيرات البلاد عن طريق الألاعيب السياسة وخير مثال فلنعدد أحزابنا السياسية ونخبها وماذا يملك هم وأبناؤم الذين بمجرد حصولهم على شواهدهم الجامعية تفتح لهم الإدارة
    المغربية أبوابها ـــ رئيس الحكومة المعفى ونجليه نموذجا ـــ

  • كاره الضلام
    الخميس 31 غشت 2017 - 18:58

    الثورات الحقيقية تمتد في الزمن و تتحقق عبر جرعات محددة لا يمكن تجاوزها و من يريد تحقيق تحولات كبرى في زمن قصير يحصل على خراب و يضحي بما هو قائم من اجل ما لم يتحقق بعد، و لدلك يقال ان الثوروات العنيفة لا تحقق اهدافها الا بعد زمن طويل مثل الثورة الفرنسية التي احتاجت الى قرن، بل ان الثورات العنيفة غالبا ما تؤجل ما كان يمكن تحقيقه عبر التحول الهادئ الممكن و الطبيعي، لو ان المغرب عرف ثورة عنيفة في الخمسينات لما كانت هده التحولات وقعت و لربما كنا رجعنا عقودا الى الخلف ،المصريون اليوم يحنون الى الملكية و من لم يعرف الملكية يحن لزمن مبارك، نعم ما حدث في المغرب خلال خمسين سنة كبير في كل المجالات و الثورة المضادة تكمن في تيارات الاسلام السياسي و العائلات النافدة و النخبة العدمية ، الاسلام السيسي يعيق التحديث و العائلات النافدة تعيق الاصلاح الاقتصادي المحقق لهامش من العدالة و النخبة العدمية تعيق التقدم السياسي بالمزايدة على الدولة و الحقد العقدي على النظام و ممارسة التهويل و تضخيم المشاكل قصد الاستمرار في الصراخ و تشويه الوطن

  • الثورة من أثمن مايسرق إطلاقا
    الخميس 31 غشت 2017 - 22:20

    أغلب الثورات تنتهي بسرقتها و السطو على اهدافها من لدن أصحاب المصالح خاصة و يهمشون بعد ذالك من كان سبب شرارتها وهكذا كانت تجربة فرنسا و روسيا مع ثورتهما التي ضحى من أجلها الفقراء الفلاحين و إستغلها أعداء الدين. المراج للتاريخ يجد أن اغلب ثورات العالم سرقها العلمانيون سرقها العلمانيون بطريق أو بأخرى.

  • كاره الضلام
    الخميس 31 غشت 2017 - 23:38

    المغرب بلد متحرك و يتقدم و ما حصل فيه من تحولات يمكن وصفه بالجوهري، قد نختلف حول الايقاع و الوتيرة و لكن لا يمكن نكران التحولات العميقة التي حصلت في نصف قرن،و نصف قرن زمن طويل بالنسبة للافراد و لكنه لا شيئ في تاريخ الامم،و المغرب مقبل على تغيرات اخرى اعمق يستحيل ان لا تقع،و ستحدث بايقاعها و في اوانها و ليس كما يريد التعجيزيون العدميون،الثورات ااثقافية و التغيير في بنية المجتمع لا يمكن ان يتم عبر اسقاط ايديولوجيات من اعلى على واقع لم يستعد بعد لتقبلها بل تتم من قلب الواقع و في جرعات مقبولة تاريخيا،بالنسبة للمعرقلين فان الاسلام السياسي و الاسلام المحافظ بصفة عامة بدا يفقد معاقله و بدا خطابه يخفت و يبعث الناس على النفور و اما اللوبي المالي و الاقتصادي الدي لازال نافدا سياتي عليه الدور ليسحب منه احتكار المنفعة الاقتصادية و اما العدميون او النخبة التعجيزية من اشباه حقوقيين تحولوا الى ندابة على قارعة الوطن لم يعد المغربي يابه بنعيقهم،ظلاميون يرفضون التحديث و لوبي مالي يرفض ترك الضرع و عدميون لا يريدون احراز التقدم نكاية في النظام هؤلاء هم اعداء المغرب و معرقلو ثورته الهادئة

صوت وصورة
مبادرة "حوت بثمن معقول"
الإثنين 19 أبريل 2021 - 15:32

مبادرة "حوت بثمن معقول"

صوت وصورة
حماية الطفولة بالمغرب
الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:10 2

حماية الطفولة بالمغرب

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59 3

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 15

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 7

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان