الجزائر العالقة في نظام شنقريحة

الجزائر العالقة في نظام شنقريحة
الأحد 3 أكتوبر 2021 - 23:23

لم يكن حدث الأسبوع قرار المحكمة الأوروبية حول اتفاقيتي الصيد البحري والتبادل الفلاحي المبرمتين بين المغرب والاتحاد الأوروبي، الذي ستتم مراجعته في المرحلة الاستئنافية، والذي لا أثر له بموجب نص القرار نفسه، أضف إلى ذلك أنه تم تجاوزه من طرف المغرب والاتحاد الأوروبي من خلال البلاغ المشترك الموقع بينهما، الذي أكد على أن الطرفين يعيان جيدا سياق إصدار هذا القرار السياسي.. بل كان الحدث تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، التي أطلقها أثناء استقباله بقصر الإليزيه 18 شابا وشابة من أبناء “الحركيين”، في إطار تنفيذ التوصيات الصادرة عن تقرير بنجامين ستورا حول “ذاكرة الاستعمار والحرب الجزائرية”، الذي تم تقديمه للرئيس الفرنسي في يناير 2021، بمناسبة ما تمت تسميته بـ”مصالحة الذاكرة الفرنسية- الجزائرية”. وقد كان التصريح الذي أدلى به ماكرون في هذا السياق، وفي سياق النقاش الذي دار بينه وبين هؤلاء الشباب، سابقة في تاريخ العلاقة الفرنسية الجزائرية، ليس لأنه صدر عن الرئيس الفرنسي، بل لمضمونه القوي وغير المسبوق.

الرئيس الفرنسي طرح قضايا سياسية مهمة تعكس الحالة التي تعيشها الجزائر في ظل نظام حوَّل الجميع إلى رهينة لديه، وجعلت الرئيس تبون عالقا في هذا النظام الجزائري الذي أضعفه الحراك، حسب تعبيره.

إننا أمام تصريح تم فيه تشريح النظام الجزائري بعين فرنسية تعرف كل خبايا التاريخ الجزائري، الذي حسب ماكرون حان وقت إعادة كتابته، وهو ما جعله يتساءل: هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟

هذا السؤال لم يكن اعتباطيا، لأنه يعرف جيدا أن الجزائر لم تكن يوما أمة ذات هوية واضحة، فهي أكثر الدول التي عاشت تحت الاستعمار والتغلغل الأجنبي، عاشت تواجدا عثمانيا، تلاه لأكثر من قرن الاستعمار الفرنسي، مما جعل مفهوم الأمة ببعديها التاريخي والهوياتي مفتقدا لدى الدولة الجزائرية.

ماكرون وهو يتحدث عن وضعية تبون، باعتباره رئيسا عالقا في جبة العسكر الجزائري، إنما يصف الحالة السياسية القائمة، حيث أصبحت جميع المؤسسات، بما فيها رئاسة الدولة، رهينة لدى الجيش الجزائري، خاصة الجنرال شنقريحة، الذي بات المتحكم الأول في القرار السياسي بالجزائر وحوَّل تبون إلى مجرد دمية، ورئيس صوري للتغطية عليه باعتباره الحاكم الحقيقي للجزائر، والمتحكم الفعلي في السلطة وصانع القرار السياسي هناك.

لقد بات الوضع في الجزائر اليوم يثير حفيظة المجتمع الدولي، ويطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل هذا النظام، ومستقبل الجزائر ككل مادام عسكرها أصبح هو المسيطر، إلى حد أن الرئيس نفسه صار عالقا وسطه، لا هو قادر على الحركة ولا هو قادر على اتخاذ موقف سياسي بمعزل عن تحكم ووصاية العسكر، الذي بات هو المتحكم الفعلي في السلطة السياسية. إننا أمام حالة طالما تم انتقادها والتنبيه إليها نظرا لخطورتها على الشعب الجزائري، الذي يناضل منذ أكثر من ثلاث سنوات من أجل حريته وتقرير مصيره السياسي، والذي بفعل حراكه الطويل أصبح هذا النظام عاجزا، مشلولا ومنهكا، ليس له سوى محاولة التغطية عن عجزه هذا بافتعال الأزمات مع الجيران ومحاولة دفع ليبيا إلى إجهاض انتقالها السلمي، الذي انتهى بإقرار انتخابات نزيهة، مستقلة، ستسمح بإعادة بناء المؤسسات الليبية على أسس جديدة.

ما قاله ماكرون ليس بالجديد، لكنه اليوم جاء على لسان الرئيس الفرنسي، الذي أعاد في التصريح ذاته مسألة كتابة تاريخ الجزائر التي لم تكن يوما أمة. ومسألة كتابة التاريخ هي إشارة قوية لما يحمله الأرشيف الفرنسي من وثائق تثبت زيف التاريخ الذي تمت كتابته من طرف العسكر الجزائري، خاصة أن ما حاول العسكر كتابته هو مجرد محاولة زائفة لتشكيل الوعي الجزائري لما بعد استقلال الدولة، وهو وعي مرتبط بتاريخ كتبه الجنرالات خدمة لبطولات غير حقيقية، وهو ما أكده التصريح ذاته لماكرون، الذي قدم إشارة واضحة إلى أن ما يتم تسويقه اليوم من معطيات جزائرية “تاريخية” يُقدم بمرجعية أيديولوجية مرتبطة بمرحلة الانقلاب على بنبلة لشيطنة فرنسا دون أن يطال التاريخ الجزائري الرسمي أي حديث عن فترة التواجد العثماني فيها!!!

تصريحات ماكرون لا يمكن ربطها بسياق الانتخابات الفرنسية، بل مرتبطة أساسا بتشخيص فرنسي للوضع السياسي المريض بالجزائر، الذي بات اليوم قريبا من الانفجار الاجتماعي والسياسي بفعل الحراك الجزائري، وبسبب هيمنة العسكر على جل المؤسسات الجزائرية، بما فيها الرئيس الذي أصبح عالقا في هذا النظام، إن لم يكن عاجزا أمامه. ففي كل أنشطة تبون الرسمية لا يمكن أن يظهر إلا وشنقريحة يزاحمه في التقاط الصور في رسالة إلى الداخل والخارج بأنه هو الحاكم الفعلي للجزائر.

ماكرون أعاد طرح نقاش حقيقي على دول شمال إفريقيا أن تفتحه، نقاش مستقبل المنطقة في ظل نظام سياسي عسكري، مستبد، عالة على المنطقة، أصبحت الكلمة فيه للجنرالات. طبيعة هذا النظام هي ما تجعلنا نفسر الأسباب وراء اشتعال كل الحدود التي تمتلكها الجزائر مع الدول المجاورة لها، وهي ما تفسر الأسباب الحقيقية التي تجعل هذا النظام يصعد في كل مرة مواقفه ضد المغرب.

خلاصة القول أننا أمام نظام منخور من الداخل، يحمل في طياته كل عوامل الانفجار الداخلي، التي باتت تهدد الشعب الجزائري، وتهدد المنطقة. وتكفي الإشارة إلى ردود الفعل الكبيرة، التي خلفها صدور كتاب “ربيع الإرهاب في الجزائر” في فرنسا تزامنا مع هذه التصريحات الصادرة عن ماكرون، حيث يفضح الكتاب كيفية صناعة الإرهاب في الجزائر، ومسؤولية الجنرال توفيق مدين وشنقريحة وخالد نزار عن كل الجرائم التي حدثت بالجزائر ودفع البلد لتعيش عشرية سوداء جديدة… إنه وجه آخر من التاريخ الجزائري الذي تمت كتابته وتضمنه هذا الكتاب، وقد أشار إليه ماكرون في تصريحه بطرح سؤال حول التاريخ الجزائري الذي كتبه الجنرالات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • واعي
    الإثنين 4 أكتوبر 2021 - 01:37

    لم أفهم شيئا، تكرار الخزعبلات ممل….القارئ يريد حقائق ملموسة

  • Amaghrabi
    الإثنين 4 أكتوبر 2021 - 09:32

    أعتقد استاذي المحترم ان ردة فعل الرئيس ماكرون ضد الافعال السيئة التي تمارسها باستمرار العصابة العسكرية منذ المقبور بوخروبة الى شنقريحة الحاقد على الدولة المغربية كانت لابد منها بحيث فرنسا خلال هذه الاعوام الطويلة حاولت ان تقف محايدة بين المغرب والجزائر من اجل مصالحها مع الدولتين ولكن انسداد الافق وتوجه المغرب الى فتح علاقات مع دول عظمى ودخول الدولة الجزائرية في حالة حيص بيص وازمات سيلسية واقتصادية تنذر بالكوارث الخطيرة التي تهدد فرنسا بخسارة الدولتين في وقت واحد جعل الرئيس ماكرون يغير سياسة نغز البردعة والاستحياء من الحمار فاعلن عن الحقيقة المرة التي اذهلت العصابة الجزائرية وبقيت ردة فعلها محتشمة بحيث اعلنت باغلاق مجالها الجوي للطائرات العسكرية وبالتالي هي هزيمة للعصابة التي تؤدي بدون شك الى تغيير سياستها الخبيثة التي تؤدي الى عدم الاستقرار في المنطقة وبالتالي تضع مصالح فرنسا تحت المحك.تصريح يخدم المصلحة المغربية ويجعل العصابة تبرد شيئا ما وتخفض من التصعيد الخطير الذي تمارسه العصابة والتي من خلاله تبحث عن حرب مع المغرب بكل الوسائل لانها فشلت داخليا وفشلت في اطروحاتها مع المرتزقة والتي

  • moha raiss
    الإثنين 4 أكتوبر 2021 - 14:45

    تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي أنكر فيها وجود شعب جزائري قبل الاحتِلال الفرنسي عام 1830، وتطاول فيها على الرئيس والنظام والجيش الجزائري هو “إعلان حرب” على الجزائر في إطار مُؤامرة أمريكيّة إسرائيليّة تستهدفها، وتُريد تركيعها واستِنزافها، وتفكيكها على غِرار ما حدث في سورية وليبيا والعِراق.
    لا نُريد تِكرار هذه التّصريحات، ولكنّنا لن نتردّد في إعادة سرد مواقف ماكرون العُنصريّة ضدّ الإسلام، والمُسلمين، والعرب، خاصَّةً عندما وصفهم بالإرهاب، وأيّد نشر صُور ورسوم كاريكاتيريُة تُسِيء للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) تحت ذريعة حُريّة التّعبير.
    -مُشكلة فرنسا، والرئيس ماكرون، ومُعظم القادة الاستِعماريين الغربيين العُنصريين، هي الجُيوش العربيّة والإسلاميّة، وهذا ما يُفَسِّر حلّ الجيش العِراقي، وإغراق الجيش السوري في حرب استِنزاف لأكثر من عشر سنوات، وتدمير الجيش الليبي، وجرّ الجيش المِصري إلى حَربٍ ضدّ إثيوبيا عبر مِصيَدة سدّ النهضة.
    -من هو ماكرون هذا حتّى يتوعّد بإعادة كتابة التّاريخ الجزائري باللّغتين العربيّة والأمازيغيّة، وأيّ حقائق تلك التي يُريد الكشف عنها؟ هل يُريد أن يدفن تاريخ

  • moha raiss
    الإثنين 4 أكتوبر 2021 - 14:54

    الجزائري الصّالح في قاموس ماكرون هو الجزائري “الحركي” الخائن الذي تعاون مع الاستِعمار الفرنسي وقاتل في صُفوفه ضدّ ثورة بلاده، أو الجزائري الذي ينخرط في مُؤامرةٍ انفصاليّة لتفتيتها، وهو ما يُفَسِّر استِقباله الحارّ لهؤلاء الحراكيين ونسلهم وتكريمهم، وردّ الاعتِبار إليهم في حفلٍ كبيرٍ في قصر الإليزيه.
    ***
    الجزائر العُظمى لن ترضخ أمام هذه المُؤامرة، ولن تَسْكُت عن هذه التّطاولات المُهينة، ولعلّ استِدعاء سفيرها من باريس، وإغلاق أجوائها أمام الطّائرات العسكريّة الفرنسيّة المُتَوجِّهَة إلى السّاحل الإفريقي، وإلغاء مُعاهدة سابقة في هذا الصّدد هو البداية، والأيّام القادمة ستكون حافلةً بصَدماتٍ أقوى.
    هذه المُؤامرة الفرنسيّة الإسرائيليّة ضدّ الجزائر لن تَمُر، وستُهزَم مِثل كُل مثيلاتها في العِراق وسورية وإيران، فالمُواطن الجزائري الذي يملك إرثًا عَريقًا حافِلًا بفُصول المُقاومة المُشرّف ضدّ الاستِعمار الفرنسي، سيَقِف صفًّا واحدًا خلف دولته وجيشه لهزيمتها، ومثلما هزم فرنسا وطرد احتِلالها في المرّة الأُولى، سيفعلها في المرّة الثّانية.

  • خطاب عقيم
    الإثنين 4 أكتوبر 2021 - 18:06

    الرئيس ماكرون أعطى وجهة نظره حول التاريخ فجن جنون الجزائريين و وصف نظامهم السياسي كما هو فلم يعجبهم . الظاهر أن الجزائر الجديدة مثل القديمة لا تحب الحقيقة ، في النهاية نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج

  • الراضي بما قسمه ربنا
    الثلاثاء 5 أكتوبر 2021 - 13:37

    ماقاله الرئيس الفرنسي ليس بقرآن منزل بل هو كلام يحمل من الديماغوجية ما يحمل, هونوا عليكم يا أصحاب الضمائر الحية من انزلاقات مثل هاته.

  • مولينكس
    الثلاثاء 5 أكتوبر 2021 - 17:46

    moha raiss هو aleph سابقا ،وهو من ٱنفصالي الداخل (البوليزاريو).
    ينتحل الآن صفة زياني ، بعدما كان سابقا يدعي أنه ريفي.
    إنه هنا ليدافع عن النظام العسكري البتفليقي.
    الرحل لا يسمون موحا،هلا غيرت ٱسمك إلى السالك

  • moha raiss
    الثلاثاء 5 أكتوبر 2021 - 23:15

    الى رقم 7 مولينيكس
    -منذ ان نشأت مجلة هسبريس وأنا بنفس الإسم في كل تعليقاتي ويظهر أنك أنت من احتلط عليك الحابل بالنابل وامتزجت المعلومات في المولينيكس .انصحك ايها الخلاط الإلكتروني بقراءة قصيدة احمد مطر عن الوطن ..وعاش الوطن

  • مولينكس إلى moha raiss
    الأربعاء 6 أكتوبر 2021 - 09:40

    أنا لا أفقه في الشعر ياموحا،كل ماأملك هو قوة الملاحظة.
    وجدت أنك لا تعلق إلا عندما يتعلق الموضوع بالنظام العسكري الجزائري لتُمجده(الأرشيف بين يديك)،العناوين أسفل وأعلى.
    ولا أجد لك تعليقا يوافق فيه رأيك رأي المغاربة.
    وتلك عقدة أسمها المغرب ،يعاني منها فقط أبناألرحل جنوب المغرب.
    على كل حال أنت حر،ولكن لا تحاول ٱستعمال نون الجماعة;فأنت وحدك

  • F 16
    السبت 9 أكتوبر 2021 - 22:29

    شنقريحة ومن معه.. لن يورثو للشعب الجزائري المسكين الا الفقر والتقهقر بين الشعوب
    يجب على الأحرار الاستفاق من سباتهم ونومهم.. للتخلص من العجزة.. العصابة الحاكمة.. التي إن بقت سيحل الدمار والخراب بالجزائر

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة