الجزائر.. مُراقب أم طرف؟

الجزائر.. مُراقب أم طرف؟
السبت 21 فبراير 2026 - 21:10

بعد أن باءت محاولاتها بالفشل في استبدال كلمة الأطراف ب “الطرفين” لتعديل القرار الأممي الأخير 2797 ما جعل جلوسها إلى طاولة المفاوضات الرباعية أمرا حتميا، تواصل الجزائر هذه المرة التملص من مسؤوليتها التاريخية في النزاع حول الصحراء، إذ تقدم نفسها كـ “مراقب” في المفاوضات التي جرت في سفارة الولايات المتحدة بمدريد، والتأكيد بأنها تدعم ما تعتبره “حق تقرير المصير”، مدعية أنها لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. غير أن الوقائع على الأرض تناقض هذا الادعاء الكاذب جملة وتفصيلا، وهو ما يعتبر مناورة أخيرة لتضليل الرأي العام الدولي.

هذا الطرح كان حاضراً بقوة في المحافل الدولية والبيانات الرسمية، في محاولة للاستفادة من الصفة الرسمية للمراقب التي تمنحها الأمم المتحدة كغطاء شرعي لتدخلها في النزاع، في مقابل تأكيد المغرب أنها الفاعل الأساسي وراء خلق “جبهة البوليساريو” ودعمها، وأنها طرف يتجاوز تأثيرها هذه الصفة الشكلية بكثير، إذ تتحكم في الموارد والقرارات العسكرية والسياسية والمواقف التي تُطرح في المفاوضات.

ورغم أن الخطاب الرسمي الجزائري يضع البلاد في خانة “المراقب” أو “المساند” لمبادئ تقرير المصير، إلا أن الوقائع السياسية والميدانية والدبلوماسية تشير إلى أن الجزائر تلعب دور الطرف الفاعل والمحرك لهذا النزاع منذ بدايته للأسباب التالية:

1_ تعتبر الجزائر العمق الاستراتيجي والمكاني لجبهة “البوليساريو”، حيث تحتضن مخيمات الذل والعار في تندوف على “أراضيها”، وهي المنطقة التي تدير منها الجبهة أنشطتها السياسية والعسكرية دون انقطاع منذ عام 1975. وخلال تدخله للرد على التصريح المليء بالأكاذيب للممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، سفيان ميموني، خلال أشغال الندوة الإقليمية للجنة ال 24 لمنطقة الكاريبي، المنعقدة بدومينيكا، في الفترة من 25 إلى 27 غشت 2021، استعرض السفير، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، بأدلة دامغة، المسؤولية التاريخية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية والإنسانية للجزائر في خلق وإطالة أمد النزاع المصطنع حول الصحراء المغربية. وجدد التأكيد على أنه خلافا لما يدعيه سفيرها، “لم تكن الجزائر أبدا مجرد مراقب في قضية الصحراء المغربية”، مؤكدا أن “الجزائر كانت منذ البداية طرفا فاعلا في هذا النزاع”. ولدعم تأكيداته، قرأ السفير هلال أمام الحضور رسالة بعث بها السفير الجزائري الأسبق لدى الأمم المتحدة بتاريخ 19 نونبر 1975 إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ووزعت كوثيقة رسمية لمجلس الأمن، أكد فيها الممثل الجزائري بشكل واضح أنه “بالإضافة إلى إسبانيا بصفتها سلطة إدارية، فإن الأطراف المعنية والمهتمة بقضية الصحراء الغربية هي الجزائر والمغرب وموريتانيا”.

وبعد أن أبرز أنه “تم إنشاء ما يسمى بالجمهورية الصحراوية الوهمية في فندق جزائري”، خاطب السفير الجزائري: من يمول “البوليساريو” ؟، من يحتضنها على أراضيه؟، من يسلحها؟، من يجهزها بالصواريخ والدبابات وغيرها من الآليات العسكرية التي تفرغ في ميناء وهران؟، من يمنحها جوازات السفر الدبلوماسية؟، من يدفع لها ثمن تذاكر طيران في درجة رجال الأعمال والفنادق ذات الخمس نجوم؟، أليست الجزائر من يقوم بذلك على حساب شعبها وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية. وأسهب السيد هلال في سرد الأدلة التي تدين الجزائر لدورها المباشر في مشكل الصحراء المغربية، مستنكرا التورط المباشر للجيش الجزائري في الهجمات على المغرب، دعما لـ” البوليساريو” سنة 1976، خلال معركتي أمغالا، اللتين أسرت خلالهما القوات المسلحة الملكية مئات الضباط والجنود الجزائريين وسلمتهم بعد ذلك إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وكشف الدبلوماسي المغربي أنه بناء على أوامر من الجزائر، خرقت “البوليساريو” وقف إطلاق النار، موضحا أنه انطلاقا من تندوف تحركت مليشيات “البوليساريو” المسلحة لعرقلة، طيلة أكثر من 3 أسابيع، معبر الكركارات بين المغرب وموريتانيا قبل تحريره نهائيا من قبل القوات المسلحة الملكية. وأطلع السفير هلال المشاركين في الندوة على مقترح تقاسم الصحراء الذي قدمه الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في عام 2001 إلى المبعوث الشخصي الأسبق للأمين العام جيمس بيكر، متنصلا بذلك من التزامه المزعوم بالحق في تقرير المصير. وهو الاقتراح الذي رفضه المغرب بشدة انطلاقا من إيمانه الراسخ بالوحدة الترابية للصحراء المغربية ووحدة سكان الصحراء المغربية.

2_ تلعب الدبلوماسية الجزائرية دور المدافع الأبرز عن أطروحة الانفصال في المحافل الدولية، حيث تستخدم علاقاتها الدولية وإمكانياتها الطاقية (الغاز والنفط) للضغط من أجل كسب اعترافات بجبهة البوليساريو أو لعرقلة المبادرات المغربية. كما كانت القوة الدافعة وراء إدخال جمهورية الوهم (غير المعترف بها أممياً) إلى منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) في الثمانينيات، وهو ما أدى لانسحاب المغرب حينها.

3_ في القرارات الأممية الأخيرة (مثل القرار 2602، والقرار 2703 لعام 2023، وصولاً إلى القرار 2756 لعام 2024 والقرار 2797 لعام 2025)، حدث تحول نوعي في لغة وصياغة قرارات مجلس الأمن، حيث انتقل من الإشارات العابرة إلى تحديد الجزائر بالاسم كطرف فاعل ومحوري، يجب أن يشارك في “الموائد المستديرة”، حيث لوحظ تكرار ذكر اسم الجزائر في نص القرارات عدداً من المرات يضاهي تقريباً عدد مرات ذكر المغرب، وهو ما يدحض سردية “المراقب” ويضعها في مقام “الأطراف المعنية”، حيث تدعو القرارات “المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا” (بهذا الترتيب غالباً) إلى التعاون مع المبعوث الشخصي للأمين العام.

4_ في أكتوبر 2025، تم اعتماد القرار 2797 الذي جدد ولاية بعثة “المينورسو” لعام إضافي، وقد شهدت كواليس هذا القرار اعتراضاً جزائرياً حاداً على مصطلح “الأطراف” (بصيغة الجمع) ومحاولة استبداله بـ “الطرفين”، لكن مجلس الأمن أبقى على الصيغة التي تشرك الجزائر كطرف أساسي. وتحدث عن الأطراف في القرار الأخير، وليس الطرفين، 13 مرة. كما ربط تطبيق القرار بتوصل “الأطراف”، وليس الطرفين، إلى حل لهذا النزاع وتيسير المفاوضات وإجرائها على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع تقبله الأطراف.

يرى المحللون أن الجزائر تختبئ رسمياً وراء صفة “المراقب”، ويعد هذا الموقف استراتيجية دفاعية لتجنب وصفها “طرفاً مباشراً”، رغم انخراطها الفعلي في المفاوضات ومشاركتها في “الموائد المستديرة”. والهدف من هذا الادعاء التنصل من المسؤولية القانونية والسياسية المباشرة عن إطالة أمد النزاع في قضية الصحراء المغربية. مما يضعها في معادلة صعبة بين خطاب الحياد المزعوم والتدخل الفعلي كدولة داعمة لجبهة البوليساريو وصانعة النزاع منذ انطلاقته. ومن الناحية القانونية، عندما يذكر مجلس الأمن دولة كطرف ويطلب منها الانخراط في حل نزاع إقليمي، فإنه ينقلها من خانة “الغير” إلى خانة “المعني المباشر”.

-كاتب وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • عمو بلال
    السبت 21 فبراير 2026 - 22:06

    أعتقد أن سؤال الكاتب يطهر عبقرية غير مسبوقة
    عملت سبر آراء على بعض المواقع
    و كانت النتيجة
    2.5 بالماءة مراقب
    5.8 بالماءة. طرف
    رغم الحاحنا الشديد على الاختيار إجابة من الاثنين
    صوت 91.7 بالماءة قالو طرف و مراقب

  • amaghrabi
    الأحد 22 فبراير 2026 - 13:15

    صحيح سيدي عبدالله المحترم ,الجزائر كانت دائما الطرف الحقيقي وراء عرقلة وحدتنا الترابية وتدعي جائما انها ليست طرف واليوم دخل طرف اخر قوي بجانب المملكة المغربية الشريفة الا وهو الرئيس الامريكي المحترم رونالد ترامب وبالتالي لا الجزائر اصبحت طرف ولا المرتزقة اصبحت كرف ولا موريطانيا اصبحت طرف وانما الطرف الوحيد اليوم هو المحترم ترامب الذي يقف بجانب وحدتنا الترابية بكل ما أوتي من قوة وان شاء في بعض الاسابيع تنتهي هذه الاسطوانة الجزائرية بخفي حنين بالنسبة للعصابة العسكرية ,انتهت مناورات الاعداء ووحدتنا الترابية اصبحت ان شاء الله مؤكدة ويجب على حكامنا أن لا يتنازلوا على الخطة التي رسمها المغرب لنوعية الحكم الذاتي وبالتالي فالوثيقة التي قدمها المغرب بنوعية الحكم الذاتي لا نقاش فيها ولا نترك العصابة تزيد اي شرط

  • حسن
    الأحد 22 فبراير 2026 - 14:06

    بطبيعة الحال، الجزائر هي المسؤولة عن النزاع من بدايته وحتى الآن، لأنها هي من تأوي مرتزقة البوليساريو وهي من تسلحهم وتقوم بكل شيء، ناهيك عن أن المرتزقة لا قرار لهم مطلقا. هم مجرد أداة وظيفية عند الكابرانات

  • Oujdi
    الأحد 22 فبراير 2026 - 16:03

    Moi je le dis et je le redis il faut frapper fort et sans pitié le régime Rakhiss Harki alge-rien et être plus voyou que voyou avec les voyous puisque il y’a que la fermeté et lz force qui compte avec les lâches qui sont incapables de faire une seule guerre sauf se cacher derrière les marionnettes hommes de services

  • قاسمي
    الأحد 22 فبراير 2026 - 19:49

    الجزائر متورطة في النزاع مائة في المائة. والعالم أجمع يعرف هذه الحقيقة الساطعة. يبدو أن جار السوء ومن يدور في فلكه من المرتزقة قد حشروا فعلا في الزاوية الضيقة جدا، حيث لا مخرج لهم، إما الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أو العقوبات وتصنيف المرتزقة ككيان إرهابي، وما يترتب على ذلك من مخاطر على النظام العسكري كمحتضن لكيان إرهابي انفصالي مسلح ..

  • badou
    الإثنين 23 فبراير 2026 - 19:18

    أكبر أكذوبة هي تصديق أن الجزائر مراقب في قضية الصحراء المغربية. هذا الأمر لا يصدقه حتى الكابرانات أنفسهم والجزائريين. الجزائر هي من صنعت البوليزاريو وبالتالي فالنزاع إقليمي مع النظام العسكري الجزائري

  • LA RÉPUBLIQUE DE KABYLIE LIBRE ET INDÉPENDANTE
    الثلاثاء 24 فبراير 2026 - 09:59

    Ce pays complexé il veut toujours montrer que c’est une puissance avec du bla bla et le vide total et la réalité c’est un pays faible dans tout les domaines il y a pas si longtemps il n’arrivais même pas a faire face à quelques milies des terroristes islamistes et sécuriser ses propres territoires et la il veut donner des leçons avec ses mensonges de toujours vraiment quel régime des guignols complexés qui n’a rien dans son ventre

  • التازي
    الثلاثاء 24 فبراير 2026 - 18:03

    الجزائر هي المبتدأ والخبر. الجزائر هي المسؤولة جملة وتفصيلا عن نزاع الصحراء المغربية منذ السبعينات وإلى اليوم. شيء طبيعي جدا. فهي طرف بالحجج والأدلة الدامغة التي يعرفها العالم باسره

  • أحمد
    الثلاثاء 24 فبراير 2026 - 20:55

    بكل تأكيد هي طرف وسبب في النزاع ولولاها لما كان هناك مرتزقة ..

  • معاد
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 18:13

    من يعتقد أن الجزائر مراقب في نزاع الصحراء يحتاج أن يزور الطبيب، لأن قدراته العقلية مشكوك فيها وتستدعي تدخلا مستعجلا حتى يعود لرشده..

  • سامي
    الخميس 26 فبراير 2026 - 17:46

    نعم، هي طرف ومن يجادل في ذلك فهو أبله. وأعتقد أنها هذه المرة في ورطة شديدة حيث انفضحت امام العالم

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 14

احتجاج يندد بالتطبيع

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 2

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 8

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 5

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 12

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع