9
كان السؤال الملح الذي شغلني ولم أستطع عليه صبرا، هو كيف تمكنت تلك الجموع القادمة من كل حدب وصوب من حضور مراسيم التشييع، علما أن وفاة السي الحسن كانت ليلة الجمعة ودفنه ظُهر السبت. جاءني الجواب الشافي من لالة رقية وابن عمتي طيمة، الذي بعثته والدتي بمجرد أن لفظ الوالد أنفاسه ليحمل الخبر الأليم إلى أقربائه وأحبائه في كل من أمزميز مسقط رأس آبائه وأجداده، ومشيخة إماريغن بويرغان، معقل أسرتها، وفي مقدمتهم الشيخ عمر الذي كانت تربطه بالراحل صداقة ومصاهرة.
في النصف الأخير من تلك الليلة نفسها، خرج المرسول إلى فحل الزفريتي المُشرف على ساحة جامع الفناء وباب الفتوح، والذي هو في الوقت نفسه المركز الرئيسي لجميع وسائل النقل التي حولتها توابع أزمة الحرب العالمية الثانية إلى أعاجيب ومَضَاحِك. كانت سيارات الأجرة الكبرى التي تقطع المسافات الفاصلة بين العاصمة مراكش وأحوازها، قد تحولت إلى عربات تجرها الخيول، وكانت جُل تلك السيارات “المَسخ” من النوع الأمريكي الممتاز كالدودج والشفروليه والكاليدلاك وغير ذلك، ودخلت في تنافس شرس مع العربات الأصلية: الكوتشي.
أما المكان الذي اشتهر بكراج أمزميز، فكان لا يضم إلا حافلة أو حافلتين تسيران بالفحم، إصرارا من أصحابها على الاحتفاظ بها حتى مع بصيص الانفراج الذي بدأ يظهر بعد سنوات الضّنك التي فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية على العالم.
خرج المرسول مسرعا ليأخذ مقعدا في مقدمة الحافلة البخارية قبل فوات الأوان وبزوغ شمس يوم السبت، وحتى لا ينضاف إلى حرّ مراكش، حرُّ القِدرتين الممتلئتين فحما مشتعلا. وكان من حظ كل متأخر الجلوس على مقربة من مؤخرة الحافلة؛ حيث نُصبت القِدرتان على عتبة حديدية، يقف عليها مساعد السائق وإلى جانبه كيس فحم كبير ومعوَل يرمي به مزيدا من الفحم ليذكي النار، كلما بدأت سرعة الحافلة تخف.
ومن طرائف هذه المركبة البخارية التّحفة، أنها عندما كانت تبلغ سدّ لالة تكركوست، تتثاقلُ حتّى لَيَرى الراكب من نافذته أصحاب الحمير والبغال والراجلين أحيانا، يتجاوزونها وهم يتغامزون على الآلة ومن ركبها بتعليقات ساخرة.
قضى المرسول أربع ساعات ونيف من المسير على هذه الحال، مع توقفات في كل من الشريفية مدخل تامصلوحت وأمناس، فتكركوست ثم أكودار وأولاد مطاع، إلى مطحنة الزيتون وبعدها مركز الحاكم الفرنسي والقائد الباشاوي، المعروف “بالبيرو”؛ حيث يتم الخضوع للمراقبة والتفتيش، لأن أمزميز لم تكن قرية بالمفهوم المتعارف عليه، فقد كانت قبيلة تحتل بالنسبة للمحتل مكانة تفوق مكانة بعض المدن، لما لها من موقع استراتيجي.
أما المحطة الأخيرة، فالوصول إليها “في يد الله”..ورهين بهدوء وادي امزميز، وهي الساحة المركزية للقرية، أمام أكبر دكان جملة للمواد الغذائية كان يمتلكه اليهودي الشهير سويسو.
بعد أن شاع الخبر بوفاة السي الحسن في القبيلة، امتطى المرسول بغلة خبيرة بالممرات الجبلية التي توصل إلى وادي النفيس وويرغان ثم قرية أماريغن عبر الجبال، لإخبار الشيخ عمر الذي لن يصعب عليه أن يجد وسيلة نقل تُمكّن الراغبين من حضور تشييع الجنازة قبل ظهر يوم السبت.
وبرحيل السي لحسن انقطع عمله، وبقي ذكرُه على شفاه الأوفياء من الناس، وأصبح الدّعاء له بالرحمة حقاّ يطوقُ أعناق أولاده وأجياد بناته.
لبِست لالّة رقية ثوب الرّضا بحق الله ناصع البياض وكذا ضرّتها لالّة فاطمة، أما احبيبتي رقوش، أمُّ أخي أحمد، فبعد ثلاثة أسابيع جاءها المخاض وانضاف للأسرة ذكرٌ سُمي باسم الوالد، ليبلغ عدد الأبناء تسعة، أكبرهم لا يزيد عمره عن سبعة عشر سنة، بلا خبرة أو تجربة تشد عضده أو تُؤهله لرعاية من يضمهم المنزل المكتظ بالرعايا. وتقمص الصّانع أحمد الحيري، الذي أصبح زوجا للأخت الكبرى نجمة- دور المسؤول والآمر الناهي في الدُّكان، وحتى في بعض شؤون المنزل. وسُرعان ما ظهر فشله في هذه المسؤولية التي كان يديرها ربُّ الدار السي الحسن باقتدار شديد رغم ما كان يزاحمها من مهمات عديدة لا تقبل التهاون ولا النسيان، وأجلُّها عنده خدمة الزاوية النظيفية.
لم تعد مداخيل الدكان كافية للإيفاء بحاجيات المنزل الضرورية واليومية. وبدأ الصّهر أحمد يُبرر عجز المصاريف بجملة يُرددها بين الحين والآخر “المعلم دّا معاه بركتو”. فاضطر للتّخلي عن خدمات بعض الصُنّاع والمتعلمين. ثم كثُر الجدال وشكوى الأرامل، وبلغ التذمر حدّ الشك في ذمة الصّهر وأمانته، خُصوصا عندما انكشف أمره، وعُلم أنه ابتلي بمصيبة “التدخين” وربما حتى السْبْسِي، وتلك أمور تدخل في المحرمات، حسب فقه السي الحسن ومن تأثر به.
وبضياع الثقة بين آل البيت والصهر أحمد، اتجهت الأنظار إلى الأخ عبد الله، وبدأ الضغط على الوالدة لتُوقفه عن متابعة الدراسة حتى يلتحق بالدكان كمُساعد للصهر وعين رَقيبٍ عليه، خُصوصا وأن عبد الله كان قد اكتسب المهارات المناسبة خلال اشتغاله في الدّكان في العطل الدراسية، أيام الحْضَار. ولم تجد لالّة رقية بُدّا من الخضوع للفكرة أمام اللّغط المتزايد، فأشارت على ابنها الذي نشأ على السمع والطاعة، أن يُودّع طريق العِلم، ليتحمل مسؤولية الرّجال.
امتثل عبد الله، مشروع العالم الفقيه، والتحق بالحانوت وهو يتحسّر على تبخّر أحلام والده التي التحقت بصاحبها. أمّا أخي أحمد ابن احبيبتي رقوش، فقد تأثر بخاله الضابط المُجند في الجيش الفرنسي، وأصبحت لديه رغبة في تعلم اللغة الفرنسية. ولم يكن إلى ذلك من سبيل إلاّ أن نخرج من المدرسة الحسنية إلى مدرسة الباشا الابتدائية.
بدأ أحمد يحمسني أن أشاركه في الشغب لبلوغ المراد وتحقيق الهدف. والحقيقة أنه لم يجد صعوبة في إقناعي بالفكرة؛ إذ كانت ليَ أسبابي أيضا التي أغرتني بالسير في ذاك الاتجاه، مِنها التحاق مجموعة من مْحَاضَر السي حماد بالمدرسة الباشاوية، وأهمها ما كنت أشعر به من ضيق عندما أشاهد فيلما أجنبيا في السوليما القنارية دون أن أفهم ما يتحاور به الممثلون.
وكنت أيضا أرغب في الصُّعود إلى جِلِيزْ في أيام الأحد التي يعرف فيها هذا الحي أنشطة فنية ورياضية خاصة بالأطفال الفرنسيين، والتي لا يسمح فيها بالاقتراب إلاّ لمن يُشبههم في اللسان والملبس.
أما أخي عبد الله، فقد غدا يُلوّح بنسخ من مفاتيح الدّكان عوض مفاتيح الخزانة الممتلئة بالكتب النفيسة المطبوع منها والمخطوط باليد، وأغلبها عن المنهج التّيجاني وطريقته وأوراده، وبعضها من تأليف الشيخ امحمد النظيفي نفسه، الذي التمسنا له أعذارا كثيرة على عدم السؤال عن أبناء صديقه وكاتم سره.
غير أنّنا لم نجد عُذرا لأبنائه وهم كُثُر، وكُلهم يعلم مكانة السي الحسن الذي حفِظ أمانة أبيهم المُودعة عنده من طرف أهل الخير المحبين للشيخ ولمذهبه والطّامعين في بركة دعائه، المعتقدين بأن فيها مِنعة لهم من جبروت رؤسائهم.
وبين شروق الشمس وغروبها أصبح الطّالب الحافظ لكتاب الله يُلقب بالمعلم عبد الله الحجام. واستعاض ابن السي الحسن عن الكِتاب بالمُوسى، مُعزيا نفسه بالقول المأثور: “أنا أريد.. وأنت تريد.. والله يفعل ما يريد”.
لم يعد درب سبع تلاوي موطأ لأقدام الكثير من “أصدقاء السي الحسن” كما جرت عادتهم في الصُبح والعشيّ. ولا عاد منزله مقصدا لمَرْسُول القائد محماد من أوريكا، كما كان أيام كل مطلوبٍ شهيّ. وحتى من كُنّا نُجلهم ويُحدّثُنا والدنا عن ورَعهم وتبَحُرهم في علوم الفرض والسنة، ما عُدنا نرى لهم أثرا، ولا نسمعُ عنهم خبرا.
ومن ظلّ منهم يزور الدُّكان كلما “غَوفل”، لم نسمع أنه تأسف لِمَا آل إليه مصير الطّالب النجيب صاحب التخريجة والثلاث سُلكات لستين حزبا من الذكر الحكيم، الذي من المفترض أنهم تعلموا منه البيان والنصح باللسان، أو القلب في أضعف الإيمان.
لم ينهه أحد عن خطأ الانقطاع عن التعليم وهو الفتى الواعد، بل كان جُلهم يُبارك له إقدامه على تحمل المسؤولية في تلك السن المبكرة ويدعم رأيه بالأمثال والحكم من قبيل “حرفة بوك لا يغلبوك”، “هذا الشبل من ذاك الأسد”، “من شبه أباه فما ظلم”، “ذاك الغصن من تلك الشجرة”، وعبارات أخرى تحمل معاني الحق ويُدعمُ بها الباطل.
فَقَد المنزل دفأه وبهجته، والحيُ روعته، والشارع المؤدي إلى المدرسة الحسنية هيبته، والتعليم رونقه وحلاوته. وتحول ركضنا، أنا وأحمد، في اتجاه المدرسة إلى تذمر وحركة بطيئة. وكثر تساءلي وأنا أسير جنب أخي: “أين أهل الذكر والتسابيح؟ أين الشيخ وأبناء الشيخ وأحفاد الشيخ.. وقد كنّا نراهم يتحلقون بوالدي صباح مساء؟ أين الخلفاء والقياد وشيوخ القبائل الذين كانوا يطلبون من الوالد التوسط لدى الشيخ النظيفي؟ أين أصحاب السيادة من كل تُراب الجنوب؟ أين..؟ وأين؟”.
كانت نظرة أخي أحمد إلى الحياة أكثر واقعية و نُضجا مني، فكان يرد ساخرا بجملة غريبة على سمعي أظنه أخذها عن خاله المُجند في الجيش الفرنسي “اشمن خير غدي تلقى فبوبليغة؟؟”
سألت: اشكون بوبليغة؟
أجاب أخي: كاع هدو اللي دكرتي.. بوبليغة
أجبت: مافهمتش
قال أخي: كاع لا تفهم
أخيرا جاءنا خبر سُرّ له كل من في الدار. “ابن الشيخ النظيفي سيأتي لزيارتنا”. عمّ التفاؤل نفوس الصغار والكبار، ووقف الصهر أحمد الحيري والأخ الأكبر عبد الله لاستقبال الزائر الكبير. ومن وراء خوخة الباب الفاصل بين الدار و”أعكمي”، وقفت الزوجات تسترقن السمع مُستبشرات بنسائم بركة الشيخ التي هبت على منزل السي لحسن بعد طول غياب.
وما هي إلاّ بُرهة حتى تبخر النّسيم وانطفأ البصيص، وأطبق على المنزل صمت رهيب. فالزائر الكبير لم يأت إلاّ ليطّلع على رسم مِلكية منزلنا، لأنهم أخبروه أن السي لحسن الحجّام قد وهب داره قبل وفاته وَقْفًا للزاوية.
أيها الفنانون، أيها القراء، أنظروا إلى فصاحة هذا الرجل، و إلى تعبيره السلس السهل الممتنع، جزاك الله خيرا أيها الأستاذ المبجل و أطال عمرك…أتحفتنا والله بكتابتك لسيرتك الذاتية شكرا شكرا..
لن نخوض في يوميات الفنان الجندي لان هنلك أشياء في حياتنا امس الى الحاجة الى الخوض اكثر من الفن والفنانين.رجاء فبعض معلقينا الدين عوض ان يدلوا لنا بأفكار وتحليلات تغني القارىء الكريم يأبون الا أن يحولوا هذا المنبر الى السب والشتم والتجريح والالغاء والسوداوية والعدمية بكثير من الشعبوية التي استقوها من قنوات التظليل البيترودولارية التي تعيش الثراء الفاحش .وهم بذلك يعكسون المدارس التي شربوا منها دون فهم او تحليل او تمحيص.وهذا يسيئ في الاصل الى تاريخ هذا الوطن الدي اخرج الى الوجود رجالا صدروا الفكر والمنطق الى المشرق دون ان يلجا هذا المشرق في أيامنا هذه ان يفرض على شريحة كبيرة من ابنائنا نمط التفكير والتدبير .نريد افكارا منطقية وتحليلات موضوعية لا نريد انجرارا وراء ماكينات اعلامية تروج للحرية المستوردة والديموقراطية الهجينة التي حولت الحق الى باطل والباطل الى حق فما معنى ان ننتقص من دين عيسى وقد جاء علينا رجل جاهل انتقص من ديننا مادا ان نسب امة كاملةوقد خرج امي من تلك الامة يسبنا ويقدحنا لمادا العقاب الجماعي .علينا ان نكون عقلانيين لا جاهلييين …..واكلت حينما اكل الثور الابيض.
اللهم ارحم الوالد وأسكنه الفردوس الاعلى .لعل قدر الله ان تنشر هذه السطور في هذا الشهر الفضيل ليدعو له الصائمون .
شكرا للفنان الكبير ولهسبريس عن هاته السيرة الداتية المشوقة وعن التعبير الفصيح الرائع.
من خلالها يتبين لمن لازال بحجة الى تبيان ان "فيلم الزوايا داير كلو عل الحبة"
بطبيعة الحال هناك ناس نية كالمرحوم السي لحسن…
أقترح أن تعتمد وزارة التربية الوطنية هذه السيرة الذاتية لتدرس لتلامذتنا لغناها الأدبي وحمولاتها الثقافية والسياسية والتاريخية والاجتماعية العميقة.
تكريما لهدا الهرم الشامخ أدعو كل من به غيرة على أبناء هدا الوطن أن يتم العمل على إعداد مسلسل مغربي يخلد به هدا الرجل .
انا على يقين أنه سيكون تأريخا لفترة مهمة من بلادنا؛ مفيدا تربويا للأطفال ومقدما الموعضة الحسنة للكبار ….آمل أن يشرع في هدا العمل وأستادنا الجليل-أطال الله عمره – على قيد الحياة ….
على أن هناك قامات أخرى يجب الإلتفات إليها كدلك ….لا أريد دكر إسم أحد منهم لأنهم كثر وفي كل مجالات الحياة …..والله الموفق…
أحييك وبارك الله فيك امتعتنا والله. برافو
انا اعيش بامزميز …كل السكان المزامزة يشهدون بحسن اخلاقك فضلا عن جودك وكرمك لهم …كما اني تعرفت على بعض اقاربك من ايت بولخضرت وايت بوحسين الذين ذكرتهم في سيرتك الذاتية…اطال الله لنا في عمرك ايها الفنان الاديب القدير.
Histoire captivante. Merci m joundi et merci hespress. Ca mecrapelle azalia et notre soir pourcecouter les episodes sur la radio. C est un autobiographie qui merite d ete mise en scene. Histoire pleine d images elle me fait reverer et mexrapelle mon quartier kasba. Mille merci si hassan barak llah oufik
بالاضافة الى اللغة السلسة التي دبج بها السرد شدني كذلك ذكر بعض اسماء
احياء المدينة الحمراء كفحل الزفريتي وسبع تلاوي ودرب الحركاصة ودرب
لجنايز والشرفا ولمواسين
استمتعت كذلك بذكر " اعكمي" انقرضبلا شك هذا اللفظ من حكينا اليومي
وتحياتي
بالفعل مادا جناه الناس من بوبليغة الا التعليم العتيق و استيلاب عقليتهم بالزوايا والاولياء الصالحين لانفسهم فقط ..وتفقير بعض الناس الميسورين كما كان عليه البابوات والاساقفة في الكناءس في القرون الوسطى ..بمادا تفسرون لي وقف املاك الناس وتفقير ابناءهم اليس هدا شبيه باعمال الرهبان الدين يبيهون الوهم وسكوك الغفران الكادبة ..
من فضلكم لا تفهموني خطء ..عندما اشرت الى عينة من المغاربة ببوبليغة كنت اعني بهم اناس دفعوا باعيان من مركش لوقف بعض املاكهم واتحفظ عن دكر اسماءهم ..
الله يرحم السيد الوالد، شكرا لك أيها الهرم ، و اتمنى ان يعمل مسلسل.
الرجل قامة من قامات الفن المغربى نتمتع حينما نراه فى الافلام التاريخية الاسلامية وفى المسرح المغربى نعتز به ونقف وقفة اجلال وترحم على روحه واسكنه الله فسيح جنانه