الحقل القانوني المغربي يتطلع إلى مستقبل العلاقة بين الجامعة والمحكمة

الحقل القانوني المغربي يتطلع إلى مستقبل العلاقة بين الجامعة والمحكمة
صورة: أرشيف
الإثنين 11 ماي 2026 - 08:00

عن مطلب الجمع بين “الأستاذية الجامعية” ومزاولة “مهنة المحاماة”، مازال الحقل القانوني والجامعي في المغرب يعتمل تحت نقاش محموم ومتجدد تجاوز مدرجات كليات الحقوق ليصل إلى اجتماعات لجان البرلمان ومنصات الرأي العام.

في جوهره، يتمحور هذا الجدل حول مطلب “رفع حالة التنافي” التي تمنع أساتذة القانون بالجامعات من ممارسة مهنة المحاماة أو ولوجها، وهو المنع الذي أُقِرَّ مطلع تسعينيات القرن الماضي؛ فيما تكمن أهمية هذا النقاش في كونه يمس جوهر العلاقة بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الميدانية. فبينما يرى البعض في هذا الجمع حقا تاريخيا مكرسا دوليا وتطويرا للمنظومة القانونية، يبدي آخرون تخوفات بشأن “استقلالية” المهنة أو “إغراقها”.

العلم والممارسة

أفاد رضوان الطريبق، أستاذ القانون بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس باحث في السياسات التشريعية، بأن النقاش الدائر حاليا حول الجمع بين صفة الأستاذية وممارسة مهنة المحاماة “ليس وليد اليوم، بل هو نقاش متجذر تاريخيا في المنظومة القانونية المغربية. فالمغرب، قبل مطلع التسعينيات، كان يعرف هذا الجمع بشكل طبيعي، حيث كان خيرة المحامين هم في الأصل أساتذة جامعيون، والعكس صحيح”. إلا أنه مع بداية عام 1993، تم إقرار حالة “التنافي” ومنع الجمع بين المهمتين لأسباب اعتبرها الطريبق “غير مفهومة” في ذلك الوقت.

ومنذ ذلك الحين، ظل هذا المطلب، وفق المصرح لهسبريس، “حاضرا في وجدان الأساتذة الجامعيين، ويتجدد مع كل مراجعة للمسوّدات التشريعية المنظمة للمهنة، وصولا إلى اللحظة الراهنة التي يطرح فيها الموضوع أمام قبة البرلمان لمخاطبة المشرع بوصفه صاحب السلطة التقديرية في تجويد النصوص القانونية”.

واستدل الطريبق بـ”الحجّة الدولية”، قائلا إن منع الجمع بين الأستاذية والمحاماة يجعل المغرب في وضعية “استثناء”؛ إذ إن التجارب الدولية المقارنة تكرس هذا الحق. وزاد بالشرح: “دولٌ متقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بالإضافة إلى معظم دول الاتحاد الأوروبي، تتيح للأكاديميين ممارسة المحاماة”. وشدد على أن المغرب، الذي يتبنى برنامج “التقارب القانوني” مع الاتحاد الأوروبي كشرط للوضع المتقدم، ملزم بملاءمة أنظمته مع هذه الممارسات. كما أشار إلى أن دولا عربية وجارة كالجزائر وتونس ومصر تسمح بهذا الجمع، مما يجعل المبادئ الكونية للمهنة لا تتعارض مع المزاوجة بين البحث الأكاديمي والممارسة الميدانية.

اعتبر الباحث في السياسات التشريعية أن “المصلحة العامة للدولة تقتضي هذا التلاقي بين الجامعة والميدان. فمن شأن الجمع بينهما أن يساهم في “تجويد المنظومة القانونية والقضائية” عبر إقامة جسور حقيقية بين العلم النظري والممارسة العملية. فكما أن الجامعة تنفتح باستمرار على الممارسين (القضاة والمحامين) للتدريس في أسلاك الماستر والدكتوراه والمشاركة في الندوات، فإنه من المنطقي أن يسمح للأستاذ الجامعي بالانتقال إلى ردهات المحاكم. هذا الانتقال يمنح الأستاذ خبرة ميدانية وواقعية من “المختبر الاجتماعي” للمحاكم، مما ينعكس إيجابا على جودة التكوين الذي يقدمه لأجيال المستقبل من الطلبة.

كما فنّد الخبير القانوني عينه المخاوف التي تروّج حول “إغراق المهنة” أو تضييق الفرص على الخريجين الجدد في حال السماح للأساتذة بالولوج إليها. ومن خلال لغة الأرقام، أوضح أن عدد المحامين بالمغرب يتجاوز 17 ألف محام، بينما عدد الأساتذة الجامعيين (فئة التعليم العالي) الذين استوفوا شرط 10 سنوات من الأقدمية في تدريس القانون لا يتعدى في أقصى التقديرات 300 إلى و400 أستاذ. وأكد: “حتى في حال رغب هؤلاء جميعا في الممارسة (وهو أمر مستبعد)، فإن نسبتهم لن تتجاوز ما بين 1.2% و2% من مجموع المحامين بالمغرب. وبالتالي، فإن الطرح القائل بأن الأساتذة سيحرمون الشباب من مقاعدهم هو “نقاش مغلوط لا يستند إلى منطق إحصائي سليم”.

“حذف التنافي”

قدّم عبد الرزاق اصبيحي “تعقيبا شاملا” فنّد فيه الهواجس المرتبطة بالاستقلالية و”التفرّغ” والجانب التطبيقي، وسجل الحاصل على شهادة أهلية مزاولة المحاماة أن “مطلب حذف التنافي ليس بدعة، بل هو دفاع عن حق كان مكرسا في المنظومة التشريعية المغربية ومعمولا به حتى عام 1993″، مضيفا أنه “من المثير للاستغراب أن أستاذ القانون المغربي يُقبل للترافع أمام المحاكم الأجنبية بينما يُحرَم من هذا الحق داخل وطنه”.

وشدد على “وجوب تصحيح المفاهيم؛ فالدفاع عن مزاولة المحاماة هو دفاع عن مبدأ حقوقي وليس بحثا عن عائد مادي إضافي. والدليل أن الكثير من الأساتذة حاصلون على شهادة الأهلية واختاروا طوعا مسار التعليم، كما أن من يلتحق بالمهنة حاليا سواء عبر الاستقالة أو التقاعد هم قلة قليلة جدا”.

وتابع أن “الادعاء بأن فتح الباب للأساتذة سيؤدي إلى إغراق المهنة، هو مغالطة تهدف لاستمالة عواطف الخريجين الجدد. والحقيقة أن عدد أساتذة القانون في المغرب لا يتعدى بضع مئات، لن يشكل الراغبون منهم في المزاولة سوى بضعة أفراد داخل كل هيئة، مما يجعل أثرهم العددي شبه منعدم”.

وحاول المتخصص في القانون مقارعة الحُجة بالحجة، عادّا أن “مقولة ‘إن بضاعة الأستاذ نظرية بحتة’ نوعا من الخرافة؛ فالمحامون أنفسهم هم خريجو كليات هؤلاء الأساتذة الذين لقنوهم القانون نظرا وعملا. أما الإجراءات المسطرية اليومية، فهي مهارات تُكتسب بسهولة تامة عبر الممارسة والتأقلم الميداني”.

“ليس في الجمع بين الصفتَين أي ضرب لاستقلالية المهنة؛ فالدول الأكثر حرصا على استقلال القضاء والدفاع تسمح بهذا الجمع ولا تراه عائقا، والأستاذ بطبعه وتكوينه هو الأشد تمسكا باستقلالية آرائه وقناعاته”، يورد اصبيحي معقّبا، خالصا إلى أنه “قانونا، لا يوجد ما يُلزم المحامي بعدد ساعات أو ملفات محددة، بل هو يعمل وفق طاقته والتزامه تجاه موكليه بنزاهة. وواقعا، أثبتت التجربة وجود أساتذة يجمعون بين المهمتين بكفاءة عالية، موازنين بين واجبهم التعليمي ومهمة الدفاع دون تقصير في أي منهما”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • ع الجوهري
    الإثنين 11 ماي 2026 - 08:18

    عندما الحقل القانوني يكون منسجم مع نفسه و مع مبادئه يمكنه حينذاك ربط علاقة مع الجامعة

  • عبد الرحمان اليزيدي
    الإثنين 11 ماي 2026 - 08:25

    إذا أصر وزير العدل على هذا الجمع الغريب فسيكون على الفريق الحكومي برمته أن يقدم استقالته. و هناك أيضا مخرج ثان : الترخيص لكل موظفي الدولة بمزاولة نشاط مهني حر إلى جانب مهامهم الرسمية. بعبارة أخرى ، هذا الجمع إما حلال على الجميع أو حرام على الجميع.

  • باحث
    الإثنين 11 ماي 2026 - 08:38

    الكل يريد الالتحاق بالمحاماة، لا أفهم هدا الطنوش الذي أعطي لهده المهنة وكأنها ستدخلهم الى الجنة، الأساتدة يريدون المحاماة موظفوا الدولة الذين يشتغلون في مصالح المنازعات القانونية يريدون الالتحاق بالمحاماة كتاب الضبط الكل يتهافت على هده المهنة ، والمحامون لا يريدون أحد، وكأنها الفردوس، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ماهدا الجري وراء السراب، إدهبوا الى المحاكم وانظروا الى من يزاول هده المهنة، الأغلبية تعيش في قلق مستمر من فرط المشاكل التي يعيشونها مع المواطنين خاصة النزهاء أصحاب الضمير، أما الفئة التي تعمل بدون ضمير فهؤلاء لا أتحدث عنهم وهم كثر، إن سبب هدا التهافت هو قلة القناعة لدى من يريد الالتحاق بهده المهنة مع بعض الاستثناءات، والمحامون الدين يرفضونهم، يعانون الجشع إلا البعض منهم. الدولة مطلوب منها وضع حد لهدا الصراع من خلال وضع المصلحة العليا للوطن والمواطنين، كمحدد لأي مهنة، علا شأنها أو نزل، فالصراع الدائر يدور في فلك المصالح الشخصية، الأساتذة مكانهم الطبيعي الجامعات والاشراف على تكوين الطلبة وإدا أرادو ممارسة المحاماة هم وغيرهم فليقدمو استقالتهم لايمكن الجمع بينهما.

  • عباس
    الإثنين 11 ماي 2026 - 08:41

    المحاماة مستقلة امميا ومختلفة اجتماعيا واخلاقيا

  • غازي احمد
    الإثنين 11 ماي 2026 - 08:42

    جاء في المقال “مع بداية عام 1993، تم إقرار حالة “التنافي” ومنع الجمع بين المهمتين لأسباب اعتبرها الطريبق “غير مفهومة” في ذلك الوقت.” يبدو ان الاستاذ الباحث لم يكلف نفسه عناء البحث عن السؤال فلماذا في بداية التسعينات تم اقرار هذا الحظر؟ السبب بسيط جدا في مجتمع نتخره البطالة لا يمكن السماح لموظف عمومي ان يجمع بين الوظيفة العمومية ومهنة المحاماة، فمن يريد العمل في مهنة حرة عليه ان يترك منصبه المالي لشخص اخر في اطار مبدأ تكافؤ الفرص، نفس الامر بالنسبة لمن يريد ان يمارس نشاطا تجاريا، ينبغي ان نفكر في خلق فرصة عمل لمن لا يعمل، عوض السماح لمن يعمل بالجمع بين وظيفته ونشاط مهني اخر… فالوطن ينبغي ان يشرك الجميع. اما القول بخلق مساحات مشتركة بين البحث العلمي والمهن القضائية فمجالات تحقيق ذلك واسعة، منها المختبرات العلمية والابحاث الميدانية ومجموعات العمل، واتفاقيات الشراكة بين الجامعات وبين الجمعيات المهنية.

  • سلوى
    الإثنين 11 ماي 2026 - 09:05

    مهنة المحاماة في دول العالم الثالث هي 70% نوع من السمسرة المحترمة والمقننة وهذا هو الدافع الرئيسي لممارسة المحاماة عند لكثير ممن يريدون الإغتناء السريع

  • مغربي
    الإثنين 11 ماي 2026 - 09:37

    يجب تحديد السن الأقصى لولوج المحاماة في 45 سنة. وإذا ارتأى أستاذ القانون او القاضي أن المحاماة أفضل له فعليه ان يستقيل من الوظيفة العمومية ويترك منصبه لآلاف الشباب الحاصلين على شواهد من كليات الحقوق والعاطلين عن العمل. أما إغراق المحاماة بالأستاذة فهو سيشجع ظاهرة الموظفين الأشباح. لأن الاستاذ سيقضي كل وقته في مكتبه لاستقبال موكليه وفي المحاكم للترافع والدفاع… ولن يتذكر أنه أستاذ جامعي إلا في آخر الشهر حينما سيكتشف أن ملايين السنتيمات دخلت حسابه البنكي…

  • ميمون
    الإثنين 11 ماي 2026 - 10:40

    أساتذة القانون بالجامعات المغربية يريدون فتح ثغرة قانونية لولوج المحاماة من الباب الواسع وغلق الأبواب عن آلاف الشباب الحاصلين على الشواهد العليا والباحثين عن الشغل .

  • بدلا من التنافي المطلق ...ابحثوا عن أرضية مشتركة
    الإثنين 11 ماي 2026 - 10:48

    أنا لا أفهم المنطق الذي يشتغل به أساتذة القانون …بدلا من التنافي المطلق ابحثوا عن أرضية مشتركة مع السادة المحامين وهذه أفكار يمكن الاشتغال عليها :
    اولا : حصر الاساتدة الذين لهم الحق في ولوج مهنة المحاماو في الذين قضوا 15 سنة كأستاذ جامعي وان يكون في درجة استاذ محاضر .
    ثانيا : فتح كوطا سنوية للاساتذة الجامعيين على صعيد كل هيئة من هيئات المحامين ( كل سنة عشر مناصب تزيد أو تنقص ) ويتم قبولهم بناء على دراسة الملف من طرف مجلس الهيئة …أعتقد بأن هذا لن يشكل اغراقا للمهنة وسيتم التحكم في الأعداد من قبل مجالس الهيئات نفسها …وهذا خطاب طمانة بالنسبة للمحامين .
    ثالثا : الزامية اجتياز الاستاذ الجامعي لسنة الزامية من التمرين ، وتخويله الترافع بالنسبة للسنوات الثلاث الأولى على صعيد المحاكم الابتدائية فقط .
    على هذا النحو الكل رابح …الاساتذة الجامعيون والمحامون …أما منطق شد عليا نقطع عليك فهو منطق ما خدامش…وبالمناسبة أريد أن أوضح للسادة الاساتذة الجامعيين أن المشكل ليس في التأصيل لحق الاستاذ الجامعي في ممارسة المهنة بالاستناد لقوانين مقارنة ولكن في طمأنة قطاع واسع من المحاميين

  • Omar Miftah
    الإثنين 11 ماي 2026 - 12:27

    الأكاديمي يمكن الإشتغال كمحامي. هناك فرق بين أستاد جامعي موظف و بين إطار ليس موظف يقدم محاضرات أو يشتغل بعقد مأقت في الجامعة فهو ليس موظف. بعد التقاعد أو الإستقالة يمكنك كأستاد سابق أن تفتح مكتب محاماة

  • مواطن
    الإثنين 11 ماي 2026 - 17:42

    الكراطة الجشع، حين يتم الجمع بين وظيفة ومهنة حرة واين حقوق الطلبة خاصة مع تغير الامتحان لمباراة بمناصب محدودة؟ يا طلبة انتفضوا من أجل حقوقكم الجشع وصل لمستويات قياسية.
    قاليك الجمع بين مهنتين زعما الاستاذ الجامعي سوبرمان، فين حق الطالب مع ساعات التدريس مع البحث العلمي، مع تصحيح الأوراق؟!! حاليا ومستوى التعليم في انهيار مع فضائح التعليم الجامعي عاد غادي تزيد بالجمع بين المتناقضات ؟واش الاستاذ قادر يقري ويمارس مهنة المحاماة في المحاكم ؟ عجيب هذا الجشع وتبرير مالا يبرر فين هذ الأساتذة من مطالب العدالة الاجتماعية ومحاربة الجريمة والفساد الجامعي ؟؟؟ أولى المحاماة كتاب الضبط على الاقل ابناء الإدارة القضائية.
    الحصول بلاد مشات احمادي

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 4

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة