الحقيقة الصوفية المزعومة

الحقيقة الصوفية المزعومة
السبت 26 شتنبر 2026 - 23:04

اتحاد العاشق والمعشوق، ذوبان الذات العاشقة في المعشوق، فناء شعور الانسان بذاته وإرادته المستقلة في حضور الله، الحلول، والعشق والسكر والشوق والحضور……

كل هذه المفاهيم وغيرها، التي تنهل من معجم الفكر الصوفي، ليست ظاهريا إلا شكلا من أشكال ممارسة طقوس عبادة تريد تقريب المخلوق من الخالق وتطهير الذات من كل الرذائل لترتقي في ملكوت العشق إلى درجة الصفاء المطهر الذي يقربها من الذات الالاهية.

لكننا لو تمعنا أكثر لوجدنا خلف هذا الصفاء الروحي المزعوم والأنماط اللغوية المعقدة، حقيقة مختلفة تتحكم فيها الخلفيات السياسية والاجتماعية وصراعاتها المرتبطة بأحلام السلطة والحكم، باسم القدر والقناعة والكفاف والعفاف والفقر، فهل الصوفية فعلا بريئة أم أنها مجرد خدعة مقدسة للسيطرة على العامة، وترسيخ القبول بالأمر الواقع ؟

إن الحقيقة الصوفية شبكة عنكبوتية من المدركات التي لا تنتهي، أشبه بسطح بركة ترمي فيه حجرا فتتولد منها دوائر تزداد اتساعا كلما ابتعدنا عن المركز. هذه الحقيقة تزداد تعقيدا حين نبحث في طياتها عن انعكاس للصراعات السياسية والفكرية للوسط الذي نشأت فيه، فهي نموذج مصغر للسلطة الحاكمة، وكلتاهما تسعى إلى الهيمنة وفرض سلطتها على العقول وتدجينها لتصبح حقيقتها مرجعية ومقدسة.

ربما نتساءل مع علاقة هذا الفكر الصوفي أو الزوايا المرتبطة به بدرجة الوعي الاجتماعي والتغييرات التي يمكن أن تطرأ على البنية الاجتماعية، ودور ذلك في التنمية والتطور والحداثة ؟

لقد كانت الزوايا والطرق الصوفية على مسار التاريخ خزانا بشريا تنهل منه الحركات المسلحة، وتنطلق منه الثورات والتمردات والانقلابات، وساهم شيوخ الفكر الصوفي في تدجين العامة وتغييب العقول، وخلق أجيال من الخاضعين المستسلمين والانهزاميين الذين يرفضون المواجهة مع السلطة الحاكمة لإيمانهم بالحتمية والقدرية وقناعتهم بأن الطاعة العمياء المطلقة والتسليم غير المشروط بصحة الشيخ أو الحاكم، هي السبيل نحو الخلاص الروحي متناسين أن مثل هذه الفكر الاستسلامي يجعل مقاومة الاستبداد أو حتى مساءلة الحاكم أو السلطة مهما كانت رموزها، أمرا محكوما سلفا بالمنع والعبثية، وهو ما أضعف لدى عامة الناس روح النقد والمبادرة والمسؤولية والمواجهة.

المنطق يقول بأن الحقيقة مهما كانت ليست لها صفة القداسة لأنها نسبية، لكننا قد لا نتحدث عن نقس المفهوم حين يختلف مجال المعرفة، فالحقيقة الصوفية ليست مدركات عقلية أو منطقية بل سلسلة من التأثيرات النفسية أشبه بالهلوسات الفكرية، وحين نسلم بقدسية الحقيقة الصوفية نكون قد حكمنا على العقل بالجمود.

الصوفية مخدر يحول بين العامة وبين الادراك العقلي، يدفعهم نحو الخضوع والاستسلام، يشجعهم على القناعة والزهد وهو ما يجعلهم يقبلون الواقع مهما كان فاسدا باعتباره قدرا حتميا، لا نجد في الصوفية دعوة للتمرد أو الثورة بل مجرد انسلاخ عن الواقع وغوص في أوهام الصفاء الروحي المزعوم.

من هنا ندرك بأن كل التيارات الفكرية التي تركب صهوة الدين من أجل دفع الناس للخضوع، إنما تتاجر في العقل وقدراته ودوره وتحول بينه وبين التغيير، إن هذا التفكير الانهزامي ليس سوى مطية ركبها الساسة لبسط هيمنتهم على العامة، وساهم فيها رجال دين بحسن أو سوء نية، لكننا ندرك الآن بأن أي نمك فكري مهما كان ليس مقدسا ولا خالدا بل هو نتاج بشري قابل للتغيير والتعديل، وأن المعيار الحقيقي هو العقل، وكل دعوة لتقديس السلف أو الخضوع والاستسلام للواقع، هي في الحقيقة مجرد حيلولة بين جدلية التغيير التاريخية وبين منطق التحول الجدلي الطبيعي في كل شيء، والنتيجة هي أن كل فكر بشري مهما ليس مقدسا، وأن أوهام التيارات الدينية تبقى مجرد صناعة بشرية قابلة للتغيير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02

بنكيران: البيجيدي في المعارضة