لم يكن الوصول الى تشريعات حمائية أمرا سهلا، وإنما أفرزته سلسلة من الإضرابات المتكررة والتي حظيت باهتمام من قبل الهيئات الحقوقية وبعض الفاعلين والمهتمين بالشأن القانوني، لما يشكله المستهلك من أهمية في الدورة الاقتصادية.
لذلك تم سن العديد من القوانين التي ترمي في كنهها إلى توفير الحماية اللازمة للمستهلكين وذلك عن طريق منحهم مجموعة من الحقوق والمتمثلة في الحق في الإعلام، الحق في الحماية الصحية، الحق في الاختيار إضافة إلى الحق في الاستماع إليهم مع تحديد بعض المبادئ المرتكزة على ضمان سلامة وجودة السلع الاستهلاكية ووضع برامج تثقيفية ترمي إلى تجسيد الحماية الفعلية للمستهلكين.
ومن بين القوانين الحمائية التي كرسها المشرع المغربي حماية لقواعد المنافسة التجارية، من جهة نجد القانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة والذي تم تتميمه وتعديله بمقتضى القانون 104.12 الصادر سنة 2014 والمعدل بموجب القانون 40.21 سنة 2022، إلى جانب القانون رقم 41.21 والذي يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، دون أن ننسى القانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك باعتباره الحلقة الأضعف في جل العلاقات التعاقدية.
ويهدف القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة كما تنص على ذلك ديباجته إلى تحديد الأحكام المطبقة على حرية الأسعار وإلى تنظيم المنافسة الحرة، وتحدد فيه قواعد حماية المنافسة قصد تنشيط الفاعلية الاقتصادية وتحسين رفاهية المستهلكين، ويهدف كذلك إلى ضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية.
فقواعد المنافسة تستهدف إما بشكل مباشر أو غير مباشر حماية المستهلك بصفة أولية أو نهائية ما دام أن أسعار السلع والمنتوجات والخدمات تحدد عن طريق المنافسة الحرة أي قانون العرض والطلب.
وطبقا للفصل 166 من الدستور، يعتبر مجلس المنافسة، المسمى بعده في هذا القانون بـ”المجلس” هيأة مستقلة مكلفة، في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار.
ويتمتع المجلس بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وسلطة تقريرية واسعة في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي كما هي معروفة في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، على خلاف ما كان عليه الأمر قبل التعديل الذي طرأ على القانون 06.99.
ويقوم مجلس المنافسة استنادا إلى مقتضيات القانون 20.13 المعدل بموجب القانون 41.21، بصفته جهاز ضبط إداري بمراقبة الممارسات المنافية للمنافسة، ويمكن أن تشمل تدابير المراقبة وقف الممارسة المعنية وكذا إصدار أمر للأطراف بالرجوع إلى الوضعية السابقة إذا كانت هذه الممارسات تلحق مساسا خطيرا وفوريا باقتصاد البلاد أو اقتصاد القطاع المعني بالأمر او بمصلحة المستهلكين أو المنشآت المتضررة، وهو الشيء الذي ينطبق بالأساس على قطاع المحروقات من جهة، بحيث أن الارتفاع المهول للأسعار بشكل لا يتماشى مع السعر الدولي لأثمنة المحروقات يؤثر وبشكل سلبي على الاقتصاد الوطني بشكل عام، والقدرة الشرائية للمستهلك على وجه الخصوص، كما أن هذا الارتفاع يجعلنا نلامس ضعف الرقابة على هذا القطاع من جانب وغياب الأدوار المنوطة بالمجلس من جانب آخر ليتضح لكل المهتمين بالشأن القانوني أن هذه القوانين لم تأت في كفة الطرف الضعيف الذي يستحق الحماية، ولم تحقق الأهداف المنشودة من تكريسها ما دامت أدوارها تظل حبيسة ولا تمت للواقع المعاش بصلة.
وأثناء قراءتنا للنصوص القانونية الواردة في هذا القانون استوقفتنا عبارة “يستشار مجلس المنافسة” من لدن:
1- اللجان الدائمة للبرلمان في مقترحات قوانين تتعلق بمسألة المنافسة؛
2- الحكومة في كل مسألة تتعلق بالمنافسة؛
3- مجالس الجهات، والجماعات الترابية، أو غرف التجارة والصناعة والخدمات أو غرف الفلاحة والصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري، والمنظمات النقابية والمهنية أو جمعيات حماية المستهلكين المعترف لها بصفة المنفعة العامة في كل مسألة تتعلق بالمنافسة وذلك في حدود المصالح التي تتكفل بها…
ومن خلال العبارة الواردة أعلاه والمتمثلة في الاستشارة نستنتج أنه يصعب على المجلس أن يقوم ببعض اختصاصاته دون رقابة ودون ضغوطات تمارس عليه على الرغم من الاستقلالية التي حظي بها.
وهذا ما يعاب على هذا المجلس على الرغم من منحه الطابع التقريري، سيظل مجرد جهاز استشاري بدون فعالية لأنه يفتقد لسلطة التقرير بمفهومها التقني الدقيق والذي يجعلنا نستخلص أن كل توصياته تبقى حبرا على ورق.
ومن وجهة نظر خاصة يمكن للمجلس أن يلعب دورا رياديا في حماية المستهلكين إما بصفة مباشرة أو غير مباشرة من خلال محاربة عرقلة المنافسة بوجه عام أو الحد منها أو تحريف سيرها في سوق ما لضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية، اعتمادا على منحه سلطات واسعة مع التجسيد الفعلي لاستقلاليته.
الشيء نفسه، يمكن إثارته بخصوص المجلس الاستشاري الأعلى للاستهلاك الذي تم إحداثه بموجب القانون 31.08 وبالضبط في ظل مقتضيات المادة 204 منه، باعتباره مؤسسة الهدف من إحداثها المساهمة في تحديد سياسة الدولة في المجال الاستهلاكي، أي المساهمة في خلق سياسة حمائية هادفة إلى تقوية مركز المستهلك، كما أن هذا الجهاز يبدي رأيه في كل التدابير المتعلقة بإنعاش ثقافة الاستهلاك والرفع من مستوى حماية المستهلك.
ولا شك أن هذا الدور المسند لهذه المؤسسة سيوفر حماية متميزة خاصة في ما يتعلق بالمصلحة الجماعية، فأهمية هذا الدور الذي يضطلع به المجلس الاستشاري الأعلى للاستهلاك تكمن أساسا في الاختصاصات المسندة له بمقتضى مشروع المرسوم، حيث نجد المادة الأولى منه قد حددتها -اختصاصات- على الشكل التالي:
– إبداء آراء استشارية حول مشاريع النصوص المتعلق بحماية المستهلك المعروضة عليه من طرف السلطات العمومية.
– الإدلاء بآراء استشارية في القضايا العامة أو الخاصة المتعلقة بالدفاع عن حقوق المستهلك، وحمايتها واحترامها وتعزيزها.
– إبداء رأيه للسلطة التشريعية والتنفيذية في القضايا التي تهم المستهلك.
– دراسة واقتراح كل التوجيهات الكفيلة بتعزيز السياسة الحكومية في مجال الاستهلاك وحماية المستهلك مع الأخذ بعين الاعتبار وضعية ثقافة الاستهلاك بالمغرب والممارسات الدولية في هذا المجال.
وعليه فإن هذه الاختصاصات منحت له في سبيل القيام بالأدوار والأهداف التي أحدث من أجلها هذا المجلس، لكننا نتساءل حول أدواره الفعلية والتي ينبغي أن تتجسد بالأساس في هذه الفترة الحرجة التي تأثر فيه المستهلك بشكل ملموس جراء الارتفاع الصاروخي للأسعار، دون أية تدابير من قبل أية جهة لها صلاحية التدخل من أجل ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين، خاصة الفئات الهشة التي يستعصي عليها توفير أدنى متطلبات الحياة.
ونحن بدورنا كباحثين في مجال التشريعات الاستهلاكية نرى بأنه أضحى من اللازم تفعيل المقتضيات الحمائية الواردة في ظل القانونين 31.08 و104.12 وتجسيدها على أرض الواقع، من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير التي من شأنها أن تعزز الحماية المنشودة للمستهلك من قبيل سياسة مراجعة الأسعار وتسقيفها في بعض القطاعات الحيوية، إلى جانب تشجيع المنافسة والأخذ بسياسة الإعفاءات الضريبية في بعض الحالات الاستثنائية من أجل خفض نسبة الضرر التي تلحق بالحلقة الأضعف في كافة المعاملات التجارية “المستهلك”، والضرب بيد من حديد كل من سولت له نفسه التلاعب بالأسعار أو نهج سياسة الاحتكار التي باتت بعض القطاعات تتخذها سبيلا لتحقيق الربح السريع، وفي المقابل فعدم التجسيد الفعلي للمهام المنوطة بمجلس المنافسة إلى جانب المجلس الاستشاري للاستهلاك سيؤثر لا محالة على مناخ الأعمال من جهة وعلى النظام العام الاقتصادي من جهة أخرى.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.