الحوار الفقْهي في وسائل الإعْلام

الحوار الفقْهي في وسائل الإعْلام
الخميس 23 يناير 2014 - 18:39

في زمن الفضاءات المفْتوحة، حينما تتابع نقاشا في قضايا دينيّة، وخصوصا إنْ كانتْ مرْتبطة بفقْه المرْأة، أو فقْه النّوازل السياسيّة..، لا تسْمع سوى التّهم المتبادلة، فترى فريقا يكفّر ويحرّض، وفريقا آخر يصف خصومه بالظلاميّة و الرّجْعيّة..، وفي النّهاية يشغلون الرّأْي العامّ بقضيّة مهمّة، لكنْ بأسلوب أبْعد عن العلْمية، وأقرب إلى الصّراعات الانْتخابيّة.

الأساس في مناقشة الإنْتاج الفقْهيّ في الزّمن المعاصر، أنّ يحدّد بالضّبط المدافعون ما يدافعون عنْه، و المعْترضون ما يعْترضون عليه، في المستويات الآتية:

– مستوى فقْه الخطاب، من جهة اللّغة ومقاصدها، ومنْ جهة الشّرع و مقاصده، فهل المعْترض يعْترض على القواعد العلْميّة التي وظفها العلماء في اسْتنْباط الحكْم الشّرعيّ من النّصّ؟ إنْ كان له منْ اعْتراض، فلْيتفضّل؛ ليبيّن للْجمهور نموذجه الجديد في الاسْتنْباط، في جو منْ الحريّة، والاستماع للرّأْي المخالف، وأنْ يتفضّل المُتخصّصون لمناقشته، فما كان صوابا يُسْتثمر، وما كان خطأ يراجع.

– مستوى تنْزيل الحكْم في محلّه من الواقع، إنْ كان المعْترض، يقرّ بصوابيّة وسلامة منْهجية اسْتنْباط الحكْم الشّرعّي، لكنّه ينازع في الاجتهاد التّنزيلي للْحكم، فله أنْ ينازع في ذلك، وليتفضّل أيضا لتقديم اجْتهاده الجديد.

أغْلب الاعْتراضات التي نسمعها في الإعلام، تصبّ في المسْتوى الثاني وليس الأوّل، المعْترضون ينازعون في منْهجية تنْزيل الحكم في محلّه على واقع متغيّر معقد، فيظنّ المدافعون أن هؤلاء يشكّكون في الحكْم الشّرعي كما هو في نصّه، غيْر أنّ الحال؛ المعْترضون يناقشون تنْزيل الحكْم في الواقع، و المدافعون يناقشون اسْتنباط الحكم من النص، وتجد كل واحد منْهم لايخاطب إلا نفْسه.

هناك فئة من المعْترضين، ليست لها الجرْأة الكافية في مناقشة منْهجية الاستنباط، وإعادة النظر في القواعد الّتي يتوصّل بها إلى الأحْكام الشّرعيّة، لأنّها إنْ فعلت ذلك، ستجد نفْسها أمام نيران كثيفة، والحقّ أن هذه الفئة لو كانت متسلّحة بالعلْم اللازم، ولها غرض الوصول إلى الحقيقة، فهي لنْ تبالي بأي تهْديد كيفما كان نوعه.

هناك فئة نادرة جدا، لا تعْترض على الخطاب و لا على كيْفية تنْزيله في الواقع، بل تعْترض على صاحب الخطاب، لكنّ خوْفها من البوح بذلك، يجْعلها تداري النّاس بقولها أنّها مؤمنة بهذا النّصّ التّشريعي، لكن من اللازم أن يفتح باب الاجْتهاد و التجديد.

وهذه الفئة في الحقيقة من خلال التّأمل العميق في خطابها، عندها مشْكلة مع صاحب الخطاب، الذي هو الله سبحانه، لا تريد أن تربط الأمر بالآمر، و لا النهي بالناهي، ولذلك فإن علماء أصول الفقه، قدّموا لمصنّفاتهم الأصولية بمقدمات كلاميّة، هي ليست منْ باب التّرف العلْمي، فهم يدركون أنّ هذه المقدّمات أساسيّة في فهْم فلْسفة التّشْريع الإسْلامي.

إنّ المتحاورين حوْل إنْتاجات الفقْه الإسْلامي في الفضاء العمومي اليوم، في حاجة ماسّة إلى مزيد وضوح لما يريدون الدّفاع عنْه أو الاعْتراض عليه، وإلا فإن ّحوارتهم هذه لا تعْدوا أنْ تكون لغْوا يُشغل الأسْماع ولايفيد العقول.

‫تعليقات الزوار

4
  • ياسين
    الخميس 23 يناير 2014 - 19:45

    إن أغلب من ينتسبون إلى المجال الفكري والعلمي مع الأسف الشديد يناقشون الأشخاص ولا يناقشون الأفكار وليس هناك دليل يثبت قصورهم وعجزهم وانهزامهم كذالك أكثر من هذا…

  • almohandis
    الخميس 23 يناير 2014 - 21:06

    بلا شك أن الاسلام غني بمدارسه المعروفة . فالمسلم بإمكانه ان يدرس الأصول و الفلسفة التي قامت عليه هذه المدارس والنتائج المترتبة على هذه الأصول عند تطبيقها فبها يمكن استشراف الواقع وفهمه و استأناف الحضارة الاسلامية. أن رواد كل هذه المدارس سواء كانوا اصحاب القياس كالإمام ابي حنيفة أو إمام أهل الحديث أحمد ابن حنبل أو من جمع بين مدرسة أهل الحديث والرأي كالإمامين مالك و الشافعي أو من تمسك بالظاهر كالإمام العبقري ابن حزم هؤلاء كلهم مجمعون على تقديس النص سواء كان كلام الله عز وجل او كلام النبي (ص). المشكلة مع الحداثيين المتأثرين بالفلسفة الغربية هذه الفلسفة لايمكن التوفيق بينها وبين الاسلام. بحكمي أني أعيش في الغرب منذ صباي قد اكتشفت أن الفلسفة الغربية التي عليها بنيت المجتمعات الغربية ناضل أصحابها ضد الكنيسة (الدين) حتى استطاعوا ان يتغلبوا عليها النتيجة هي ان الكنائس تهدم والألحاد ينتشر !! لماذا؟ لان الأطفال منذ نعومة أظافرهم يلقنون النظريات الإلحادية كنظرية التطور وغيرها. فالحداثة الغربية بفلسفاتها المعروفة لها موقف عدائي للأديان والدين الذي ينافسها اليوم هو الاسلام.

  • مغربي
    الخميس 23 يناير 2014 - 22:08

    ما أحوجنا الى مثل هذه الآراء و التحليل المنهجي البسيط والعلمي المحايد اذا أردنا فعلا التغيير الإيجابي في المجتمع.
    للأسف ان أغلب المتدخلين ولا أقول الفاعلين في هذا الشأن يغفلون هذه المنهجية أحيانا جهلا و تنطعا وأحيانا أخرى عمدا و تدليسا.

  • محمد امين
    الخميس 23 يناير 2014 - 22:59

    عمل رائع من الاستاذ الفاضل مصطفى بوكرن فالحقيقة على كل من أراد الاشتغال بعلم المناظرة أن يراجع هذا العمل الطيب …شكرا مرة أخرة للاستاذ

صوت وصورة
نداء أم ثكلى بالجديدة
الإثنين 25 يناير 2021 - 21:55 3

نداء أم ثكلى بالجديدة

صوت وصورة
منصة "بلادي فقلبي"
الإثنين 25 يناير 2021 - 20:45 6

منصة "بلادي فقلبي"

صوت وصورة
ورشة صناعة آلة القانون
الإثنين 25 يناير 2021 - 19:39 4

ورشة صناعة آلة القانون

صوت وصورة
انطلاق عملية  توزيع اللقاح
الإثنين 25 يناير 2021 - 17:02 20

انطلاق عملية توزيع اللقاح

صوت وصورة
الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:31 20

الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت

صوت وصورة
تخريب سيارات بالدار البيضاء
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:05 36

تخريب سيارات بالدار البيضاء