الدور الإقليمي لحل الأزمة الليبية

الدور الإقليمي لحل الأزمة الليبية
الإثنين 12 يونيو 2017 - 17:08

تقف ليبيا، الآن، في مفترق طرق؛ فإما أن يتغلب السلام، وإما أن يستمر الاقتتال، وتتفاقم الفوضى واللاستقرار، وتتوسع أكثر رقعة نفوذ التنظيمات الإرهابية المهددة لأمن واستقرار دول الغرب والجوار، منها “داعش”، التي أصبحت تتحكم في مساحات ترابية كبيرة. والأخطر من ذلك هو أن هناك أصواتا دولية صارت تطالب بضرورة وضع ليبيا على أجندة المناطق الإستراتيجية ذات درجة المخاطر المرتفعة على جنوب أوروبا والممر البحري المتوسطي.

ولا شك في أن الليبيين ينتظرون بفارغ الصبر تشكيل حكومة متوافق حولها من قبل جميع الأطراف السياسية وقيام دولة لها سيادة على جميع أقاليمها، وإقرار دستور لتنظيم السلط بليبيا ووقف الفوضى العارمة بالبلاد ويأمل الكثيرون من المتتبعين على الصعيد الدولي في أن ينجح الفرقاء في إنهاء حالة الفوضى؛ فالوضع في البلاد لم يعد يحتمل، وأن الشعب الليبي يتطلع إلى دولة استقرار وأمن وتنمية وقيادة رشيدة تجنبه ويلات الحروب، التي قد تستفيد منها التنظيمات الإرهابية لاستغلال المناطق النفطية وفرض هيمنتها عليها وتوسيع رقعة نفوذها. في الوقت الذي تطمح الشعوب العربية إلى الأمن والاستقرار والتنمية ونماذج حكم ديمقراطية.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن ليبيا الآن تتجاذبها عدة أطراف إقليمية، يحاول كل طرف تقديم حلول للأزمة في ظل ظروف جد معقدة بسبب حدة الصراع بين الأطراف السياسية وصعوبة التوصل إلى حل توافقي. وهذا ما سنحاول بسطه فيما يلي:

1. الدور المغربي لحل الأزمة الليبية

لعبت المملكة المغربية دورا رائدا في دعم مسلسل المفاوضات الليبية وتقريب وجهات النظر لإنهاء الخلافات وتشكيل حكومة وفاق وطني تحظى بتزكية البرلمان الليبي. وهذا الدور المتقدم الذي يقوم به المغرب من خلال سياسته الخارجية، يندرج في إطار التزامه بالحفاظ على مبدأي السلم والأمن بالمنطقة العربية، وحتى على الصعيد الدولي، كما أن سياسته في مجال مكافحة الإرهاب تجعله يعي كل الوعي لقطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية؛ وعلى رأسها تنظيم “داعش” للامتداد في شمال افريقيا وبالتالي إلى أوروبا، وبالخصوص عن طرق ليبيا التي توجد بها خلايا إرهابية، قد تنتعش وتتقوى في ظل الأزمة.

فضلا عن ذلك، فإن المغرب له مرجعية في هذا النوع من المبادرات السلمية، إضافة إلى الثقة في مؤسسات المغرب وتجربته المستقرة وعلاقة المغرب بشخصيات ليبية مؤثرة، وامتداداته ذات الطبيعة الاجتماعية والدينية داخل ليبيا، والعلاقات التاريخية والإنسانية القوية التي تربطه مع الشعب الليبي؛ وهو ما يجعله أنت يكون مؤهلا أكثر للاستمرار في لعب دور محوري في هذا الملف وتحقيق الاستقرار ووحدة البلدان المغاربية.

ولا ننسى في هذا الخصوص الدور المحوري الذي لعبه المغرب للوصول إلى اتفاق الصخيرات في يوم 17 ديسمبر 2015، حيث وقعت وفود عن المؤتمر الوطني العام بطرابلس ومجلس النواب المنعقد في طبرق شرقي البلاد والنواب المقاطعين لجلسات هذا المجلس، إضافة إلى وفد عن المستقلين، على اتفاق يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ غير أن حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج لم تحض بإجماع وطني، بالرغم من الاعتراف الذي أحرزته من قبل هيئة الأمم المتحدة، لأنها واجهت اعتراضا من قبل برلمان طبرق في شرق ليبيا، والذي تفرّعت عنه فيما بعد حكومة يتزعمها عبد الله الثني، وأيضا من قبل اللواء خليفة حفتر الذي يقود القوات المسلحة في الشرق الليبي، هذا الأخير أصبح شخصيةً محورية قوية، في المنطقة الشرقية على الأقل، وهو ما دفع بمختلف الأطراف، بما في ذلك الأمم المتحدة، إلى الاعتقاد بأن استبعاده لم يعد ممكناً، وأن التعامل معه اليوم ضروري، باعتباره جزءاً من الحل، وهو ما جعل اتفاق الصخيرات الذي رعاه المغرب أمام تحديات صعبة بسبب الخلافات الحاصلة بين الأطراف الأساسية في النزاع الليبي.

2. السباق الجزائري لحل الأزمة الليبية

تتجه السياسة الخارجية الجزائرية نحو إيجاد موقع قدم للجزائر بليبيا حتى تلعب دورا طلائعيا في حلّ الأزمة الليبية والتقريب من وجهات نظر فاعلين أساسيين هما المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، وبرلمان طبرق في الشرق، الذي تفرّعت عنه حكومة عبد الله الثني، زيادة على طرف ثالث أقل تأثيرا، هو حكومة تسمى بالإنقاذ، يرأسها خليفة الغويل، مستبعدة الجناح العسكري الذي يتزعمه خليفة حفتر، المدعوم من قوى خارجية.

وفي هذا الإطار، قام عبد القادر مساهل، وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي الجزائري وجامعة الدول العربية، بزيارة ببعض المدن والمناطق في الجنوب الليبي، حيث تتمركز هناك قبائل إقليم فزان التي راهن عليه نظرا لثقلها الكبير على المستوى السياسي، خصوصا أن هذه المنطقة يوجد بها أعيان وعدة شخصيات سياسية وعسكرية مرموقة، عقد معها الوزير الجزائري لقاءات للتفكير في إيجاد حلٍّ للأزمة الليبية.

وليست هذه هي الزيارة الأولى للوزير الجزائري إلى ليبيا، إذ سبق أن قام بزيارات في الفترة ما بين 19 و21 أبريل 2016 لعدد من المدن الليبية، بينها طرابلس ومصراتة وبنغازي والزنتان والبيضاء وغيرها؛ فيما عقد لقاءات رفقة عدد من المسؤولين، على رأسهم خليفة حفتر، وفايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

كما سبق للجزائر أن رعت اجتماعاً في النيجر، في سياق محاولتها دفع دول الجوار الليبي من جهة الجنوب الأفريقي، مثل النيجر وتشاد والسودان، إلى لعب دور فاعل ومؤثر في الأزمة الليبية، باعتبار أنها على علاقة مباشرة بالأزمة الليبية على الصعيد الجغرافي والأمني والإنساني.

ناهيك عن الزيارات المتكررة التي قام بها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج للجزائر، عقد خلالها لقاءات مع مسؤولين حكوميين، كانت الغاية من وراء ذلك الحصول على دعم جزائري لحكومته المنبثقة عن اتفاق الصخيرات.

3. المبادرة التونسية لحل الأزمة الليبية

تم يوم الاثنين 20 فبراير 2017 بقصر قرطاج صدور إعلان تونس الوزاري لحل الأزمة الليبية، بين وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر الذي يأتي في إطار مبادرة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي الهادفة إلى إيجاد تسوية سياسية شاملة في ليبيا، دون إقصاء أي طرف ليبي في إطار حوار ليبي-ليبي بمساعدة الدول الثلاث ورعاية الأمم المتحدة.

وينص الإعلان على التمسك بسيادة الدولة الليبية وبوحدة ترابها ومواصلة السعي لتحقيق المصالحة الشاملة دون إقصاء ليبي والبحث عن تعديلات للاتفاق السياسي في الصخيرات ورفض أي تدخل عسكري أو أجنبي في ليبيا والعمل على أن يكون الحل على أساس ليبي- ليبي.

هذه المبادرة التونسية واجهت تحديات متعددة؛ من بينها أساسا:

أن اللواء خليفة حفتر، وهو أحد أطراف النزاع الرئيسيين في ليبيا لم يستجب لدعوة الرئيس التونسي التي بلغته عن طريق أكثر من جهة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، نظرا لحساسيته تجاه الدور الجزائري في المنطقة، خاصة أنه دخل في تنسيق مع دولة مصر بخصوص مستقبل ليبيا.

أن عَلِيًّا الصلابي، عضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المقيم في قطر والذي يقترب فكريا من جماعة الإخوان المسلمين، وضع فيتو في وجه مصر، داعيا الجزائر إلى رعاية مؤتمر وطني للسلام والمصالحة في ليبيا؛ وهي دعوة صريحة إلى استبعاد مصر عن لعب أي دور في حل الأزمة الليبية.

استنتاجات:

من خلال ما تقدم، يمكن لنا الخروج بالاستنتاجات التالية:

إن توافق الأطراف المتصارعة لتشكيل حكومة وفاق وطني وتجاوز الخلافات أصبح ضرورة مستعجلة وسيشكل فرصة تاريخية لدولة ليبيا لإقامة نظام اقتصادي وأمني قوي، ووضع دستور ديمقراطي وإجراء انتخابات برلمانية، دون إغفال بأن ليبيا تتوفر على إمكانات وموارد قد تؤهلها أن تكون قوة اقتصادية بشمال إفريقيا. وهذا الأمر سيتوقف على مدى تحلِّى القادة الليبيين بالمسؤولية والحكمة بوضع مصلحة البلد فوق كل اعتبار، ودعم الحكومة ماديا وعسكريا وإعادة بناء الجيش والشرطة.

إن الخيار العسكري الذي يقوده اللواء خليفة حفتر بدعم خارجي لن يقود الى حل للازمة الليبية، بقدر ما يزيد في تعقيدها وسيسهم بدون شك في تقسيم الوحدة الليبية وفي مزيد من التوتر والاقتتال والدمار.

إن إنهاء الخلافات بين الأطراف الليبية وتشكيل حكومة وفاق وطني تحظى بتزكية مجلس النواب قد يقطع الطريق للتدخل الأجنبي، ويتصدى، من جهة أخرى، لتوسع نفوذ تنظيم التنظيمات الإرهابية.

إن تعدد المبادرات حول الأزمة الراهنة في ليبيا لن يوحّد الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد تسوية للأزمة، إذ يظل الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المرجعية والعنصر الأساس لتسوية الأزمة الليبية.

*مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والإستراتيجية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • أمين
    الثلاثاء 13 يونيو 2017 - 09:49

    بكل أمانة لا أظن أن المغرب أو تونس أو مصر يمكنهم أن يلعبو دورا في حل الا.مة الليبية. حل الأزمات و التوسط هو من اختصاص الجزائر بامتياز. و أنى رأيت في كثير من الأخبار المجهود الجزائري الذي أظن أنه يضاهى في هذا الامر. زيادة على ذلك نصريحات المسؤولين الليبيين الذين يثقون في الوساطة الجزائرية لان الجزائرلها باع كبير و خاصة لها مصداقية فهي بشكل بسيط تقول ما تفعل و لا تفعل ما تقول
    و صح صيامكم

  • خالد
    الثلاثاء 13 يونيو 2017 - 10:24

    كتب صاحب المقال
    "فضلا عن ذلك، فإن المغرب له مرجعية في هذا النوع من المبادرات السلمية"
    والله أريد أن أقتنع بهذا ولكن أريد بعض الأمثلة. مع احترامي الشديد للمغرب لم أر له إنجازات في الوساطة التي تمكنه من تبوأ مركز المرجعية.
    الوساطة تحتاج إلى خصائص كثيرة و دبلوماسية عريقة و قبل هذا و ذاك أنا أقول و من الذين يؤمنون أن الوساطة هي قبل كل شيئ ثقافة بلد و ثقافة شعب

  • sedrati
    الثلاثاء 13 يونيو 2017 - 17:31

    المشكلة الليبية بعيدا عن أسباب اندلاعها أصلا والاطراف التي اذكت هذه الازمة هي التدخل الخارجي في الشان الليبي فمصر تريد سيطرة تامة على ليبيا وفرنسا وايطاليا لهما الرغبة في الحصول على امتيازات اقتصادية هامة خاصة الطاقوية منها ودول الخليج ترغب في الثأر من عهد القذافي .. الجزائر وتونس اكبر المتضررين من الجماعات المسلحة الليبية وتدفق السلاح الى اراضيهما… دول جنوب ليبيا ليس لها القدرة لفعل شيء… المغرب رغم محاولته حل النزاع لم يستطع بسبب عدم دعم كل الاطياف الليبية لمبادرات السياسية و تدخل أطراف خليجية في الموضوع…….. لا يوجد حل توافقي حاليا لان الاطراف المتصارعة في ليبيا قرارها ليس بيدها خاصة دعاة الحل العسكري كاللواء حفتر الذي تستعمله مصر لفرض اجندتها… فليبيا بالنسبة لمصر غنيمة لا يجب التفريط فيها….. الشعب الليبي غائب تماما ومكبل من جميع الاتجاهات….. فالحل اذا بيد هذا الاخير

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟