الذكاء الاصطناعي يحل "مسألة الألفية".. وعلماء الرياضيات أمام "أزمة وجودية"

الذكاء الاصطناعي يحل "مسألة الألفية".. وعلماء الرياضيات أمام "أزمة وجودية"
صورة: أرشيف
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 03:00

بعد أيام من إعلان “أوبن إيه آي” توصل نظام للذكاء الاصطناعي إلى حل لمسألة “وجود وانتظام نافييه-ستوكس”، انتقل الاهتمام من الساعات الـ88 التي استغرقتها العملية إلى سؤال أكثر إلحاحا داخل الوسط العلمي: ماذا يحدث لمهنة عالم الرياضيات عندما تصبح الآلة قادرة على المشاركة في بناء البراهين التي كانت تحتاج إلى سنوات من العمل البشري؟

وتنبع أهمية التطور من مكانة المسألة، فنافييه-ستوكس واحدة من سبع “مسائل الألفية” التي حددها معهد كلاي للرياضيات سنة 2000، ورصد مليون دولار للحل الصحيح لكل منها، فيما لم تحسم من القائمة سوى مسألة واحدة.

وتصف معادلات نافييه-ستوكس حركة السوائل والغازات، وتدخل في دراسة تدفق المياه وحركة الهواء والتنبؤات الجوية، أما المشكلة الرياضية فتتعلق بما إذا كانت حلول هذه المعادلات تظل منتظمة دائما أم يمكن أن تنهار في ظروف معينة خلال زمن محدود.

وقالت “أوبن إيه آي” إن نموذجها، الذي لم تطرحه بعد للجمهور، عمل على المسألة لمدة 88 ساعة مستخدما ما يصل إلى 10 آلاف “وكيل” للذكاء الاصطناعي يعملون بالتوازي، فيما نقل باحثون بشريون أفكارا أساسية بين مجموعات العمل المختلفة.

واحتاجت العملية إلى موارد حاسوبية يرجح أن تكون تكلفتها قد بلغت ملايين الدولارات، ووصف الباحث في الشركة نعوم براون التجربة بأنها “مكلفة جدا”، فيما نشرت “أوبن إيه آي” ورقة تتضمن الحل وبرهانا مكتوبا بلغة “Lean”، المستخدمة للتحقق الحاسوبي من البراهين، بما يسمح للمتخصصين بمراجعة النتيجة.

من الحساب إلى بناء البرهان

وجود الحاسوب في الرياضيات ليس جديدا، فقد استخدمه الباحثون منذ عقود لإجراء الحسابات واختبار أعداد ضخمة من الحالات والتحقق من بعض النتائج، بينما بقيت صياغة الأفكار وبناء الاستدلال من المهام المرتبطة أساسا بعالم الرياضيات.

التطور الحالي يغير هذا التقسيم، إذ أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تجربة مسارات متعددة وبناء سلاسل طويلة من الحجج، ثم تقديم براهين يمكن إخضاعها للتحقق الحاسوبي.

ويقول أستاذ الرياضيات في جامعة نورث وسترن أنطونيو أوفينغر إن النماذج كانت قبل نحو عام تعاني “هلوسات مستمرة”، إذ تنتج استدلالا يبدو متماسكا قبل أن يسقط بسبب أخطاء تظهر عند التدقيق، فيما أصبحت الأنظمة الحالية أكثر قدرة على بناء سلاسل طويلة من الحجج المنطقية من دون الانحراف عن المسار.

وتساعد طبيعة الرياضيات على هذا التطور، لأن صحة النتيجة قابلة للاختبار وفق قواعد صارمة، ما يسمح باستخدام التعلم المعزز لإجراء أعداد كبيرة من المحاولات وتحديد المسارات التي تقود إلى نتائج صحيحة.

ولم تكن نافييه-ستوكس الإشارة الأولى، ففي يناير أعلنت “أوبن إيه آي” وشركة “هارمونيك” أن نظاميهما تمكنا من حل إحدى “مسائل إردوش”، بعد تقدم حققته أنظمة الذكاء الاصطناعي في مسائل ومسابقات رياضية أخرى.

غير أن الوصول إلى واحدة من “مسائل الألفية”، وفق إعلان الشركة، منح التطور ثقلا مختلفا، لأن هذه المشكلات اختيرت بسبب صعوبتها العلمية ومقاومتها لمحاولات أجيال من الباحثين.

لماذا يتحدث العلماء عن “أزمة وجودية”؟

كان عالم الرياضيات تيرينس تاو، الحائز ميدالية “فيلدز” عام 2006، من أبرز من عبروا عن أثر التطورات الأخيرة، قائلا إنه أصيب بـ”اضطراب شديد جراء أزمة وجودية” في مجاله.

ولا يتعلق القلق باختفاء الرياضيات أو انتهاء الحاجة إلى علمائها، وإنما بما قد يحدث لطريقة إنتاج المعرفة إذا أصبحت الآلة قادرة على الانتقال بسرعة من المشكلة إلى البرهان.

فعالم الرياضيات قد يقضي سنوات في محاولة حل مسألة، وخلال ذلك يكتشف أدوات ومفاهيم ومسائل جديدة، وقد تكون بعض النتائج التي تظهر أثناء الطريق أكثر أهمية من المشكلة التي بدأ البحث من أجلها.

ويشبه تاو الأمر بالتدرب في صالة رياضية، فإذا كان الهدف رفع وزن مئة مرة ثم قامت آلة بالمهمة، تكون النتيجة العددية قد تحققت، لكن الإنسان لم يحصل على الفائدة التي كان سيكتسبها من الجهد.

وفي الرياضيات، يمكن أن تقدم الآلة برهانا صحيحا من دون أن تمر الجماعة العلمية بالمسار الذي كان سيولد معرفة وأسئلة واتجاهات بحثية جديدة، ولهذا تحدث تاو عما قد يغيب رغم الوصول إلى الحل، ومنه “الدروس المستفادة، والآفاق الجديدة، وأشكال التعاون، وتحديد أهداف جديدة”.

ويفرق أستاذ الرياضيات في جامعة ستانفورد محمد أبو زيد بين القدرة على البرهنة والقدرة على ابتكار الأفكار، قائلا إن الذكاء الاصطناعي “يوسع نطاق ما يمكننا إثباته، لكنه لا يزيد من مدى الأفكار التي يمكننا استكشافها”.

ويضيف أستاذ جامعة كورنيل ستيفن ستروغاتز بعدا أكثر ارتباطا بمستقبل المهنة، إذ يقول: “إذا اختارت هذه الأنظمة دراسة المسائل التي تهمنا في أبحاثنا، فقد تتمكن من حل تلك المسائل بسهولة”.

ولا يعني ذلك أن تجربة “أوبن إيه آي” جرت بعيدا عن البشر، فقد احتاجت إلى باحثين ينقلون الأفكار بين مجموعات الوكلاء، كما عمل النظام فوق تراكم معرفي أنتجه علماء الرياضيات عبر عقود.

وظهرت حساسية هذه العلاقة عندما قال الباحثان تريستان باكماستر وليفينت ألبوجي إنهما كانا قريبين من حل المسألة قبل إعلان الشركة، ما أثار تساؤلات بشأن احتمال استفادة النظام من عمل غير منشور، وهو ما نفته “أوبن إيه آي”، مؤكدة أنها لم تطلع على أبحاثهما، مع إقرارها بأنها كثفت مواردها المخصصة للمسألة بعدما علمت أن باحثين آخرين يستكشفون اتجاها مماثلا.

الجامعات ومهنة عالم الرياضيات أمام الاختبار

قد يظهر أحد أكثر آثار التحول حساسية داخل الجامعات، فعالم الرياضيات الخبير يستطيع تقييم البرهان الذي تنتجه الآلة لأنه تعلم خلال سنوات كيفية بناء البراهين واكتشاف نقاط ضعفها، بينما يختلف الوضع بالنسبة إلى طالب يجد أنظمة متقدمة قادرة على تقديم الحلول منذ بداية تكوينه.

تعلم الرياضيات يعتمد على المحاولة والخطأ، فالطالب يكتسب الحدس والاستدلال عندما يختبر طريقا ويدرك فشله ثم يبحث عن مسار آخر، وإذا أصبحت الآلة تقدم البرهان فور طلبه، فستواجه الجامعات سؤالا بشأن المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الطالب بنفسه قبل الاستعانة بها.

وقد تتغير وظيفة عالم الرياضيات أيضا، إذ يمكن أن تتولى الأنظمة جانبا أكبر من اختبار الفرضيات والبحث عن البراهين والتحقق منها، بينما ينتقل الباحث نحو صياغة الأسئلة واختيار المسائل ذات القيمة وتفسير النتائج وربطها بمجالات أخرى.

الباحثة أنيما أناندكومار، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ترى أن الإبداع البشري ما زال حاضرا، فقد استخدم فريقها “شبكات عصبية مستنيرة بالفيزياء” للعمل على صيغة مبسطة مرتبطة بمعادلات أويلر، لكنها أكدت أن تصميم طريقة عمل النظام احتاج إلى تدخل بشري “يتطلب قدرا كبيرا من الإبداع”.

ويظهر تحد آخر في كلفة هذه التكنولوجيا، فتجربة تعتمد على ما يصل إلى 10 آلاف وكيل وموارد حاسوبية يرجح أن تكلف ملايين الدولارات تمنح الشركات والمختبرات الكبرى إمكانات لا تتوفر بسهولة للباحث الفرد أو الجامعة محدودة الموارد، وإن كان انخفاض تكاليف الحوسبة مستقبلا قد يوسع الوصول إلى هذه الأدوات.

ووصل النقاش إلى مجموعة من أبرز علماء المجال، إذ حذر 25 من الحائزين ميدالية “فيلدز” من “تأثير مدمر” محتمل للذكاء الاصطناعي على البحث الرياضي، فيما دعا تاو إلى توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة علماء الرياضيات ومساعدتهم بدلا من التعامل معها باعتبارها طريقا لإحلال الأنظمة محلهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور