الرجل الذي لم يبكِ

الرجل الذي لم يبكِ
السبت 26 شتنبر 2026 - 23:50

في العاشرة من عمري، تعلّمتُ أنَّ الغدرَ لا يأتي على شكل عدوٍّ يحملُ سيفاً، بل على شكل يدٍ كانت تمسحُ رأسَكَ، ثم تنسحبُ من تحتِهِ، فتسقطُ على الأرضِ ولا تجدُ من يرفعُك.

كانت الليلة شتويةً، والمطرُ يضربُ النوافذَ كمن يطرقُ باباً لا يريدُ أن يُفتحَ له. كنتُ نائماً في غرفتي، حين أيقظني صوتُ أمي وهي تهمهم، لكنَّ الهمهمة كانت حادّة كشظيّةِ زجاجٍ. خرجتُ من غرفتي، ووقفتُ عند بابِ المطبخِ. رأيتُها تضعُ حقيبتَها السوداءَ على الطاولةِ، وتضع فيها بعض ملابسَها، وكأنَّها تُرتِّبُ رحيلاً لا عودةَ منه. لم تكن تبكي. كانت تتحرّكُ بانفعال، كمن ينفّذُ مهمّةً خطّطَ لها منذ زمنٍ طويل.

أردتُ أنْ أركضَ نحوها، أنْ أمسكَ بيدها، أنْ أقولَ لها: “لا تذهبي.” لكنَّ صوتَ أبي أوقفني:

— دَعْها. لا تقتربْ منها.

كان صوته جافّاً، كأنَّه لا يتحدثُ عن أمي أو زوجته، بل عن غريبةٍ تمرُّ من هنا. نظرتُ إليه، ثم إليها. كانت أمي تنظرُ إليَّ للحظةٍ، لكنَّ نظرتها كانتْ باردةً، كأنَّها تنظرُ إلى صورةٍ لا تعنيها. لم تمدَّ يدَها لتلمسَ رأسي، ولم تقلْ لي شيئاً. فقط أدارتْ ظهرَها، وسحبتْ حقيبتَها على الأرضِ، ومشَتْ نحوَ البابِ. وعندَ عتبتِه، وقفَتْ هنيهةً، وقالتْ:

— هاني خليتها ليك (ها أنذا تركتها لك).

ثم رحلت. ولم تلتفتْ.

تلك الليلة، لم أنمْ. كنتُ أسمعُ أبي وهو يتجوّلُ في البيتِ، يفتحُ الأدراجَ ويُغلقُها، يفحص بطارية ساعةَ الحائطِ ويُعيدُ تشغيلَها، كأنَّه يحاولُ إيقافَ الزمنِ أو تحريكه إلى الأمام.
وفي الصباحِ، وجدتهُ جالساً على كرسيِّه، ينظرُ إلى النافذةِ، وقد جفَّتْ عيناهُ. لم يبكِ. لم يقلْ لي: “لا تخفْ.” لم يقلْ لي: “سأحميكَ.” فقط قالَ بصوتٍ غريبٍ، كأنَّه يتحدثُ من بعيدٍ:

— اذهبْ إلى غرفتكَ. لا شيءَ حدثَ.

مرَّتِ الأيامُ، وكأنَّها لم تكنْ هنا. لم تتصلْ، لم تكتبْ، لم تسألْ عنِّي. لم أكنْ موجوداً في ذاكرتها، لأنَّني كنتُ جزءاً من رجلٍ كرهَتْهُ إلى أبعدِ الحدود. كنتُ ظلَّه، وكانتْ تريدُ أنْ تمحوَ كلَّ أثرٍ له، حتّى ولو كانَ أثرُها هي فيَّ.

كبرتُ مع عمتي المطلقة التي كانت حاضنتي الوحيدة، وأنا أنتظرُ أنْ يعودَ شيءٌ من حياتي إلى طبيعته، لكنَّ الصمتَ كانَ هو اللغةَ الوحيدةَ في بيتنا. أبي كانَ يتحدثُ عن الطقسِ، وعن سعرِ الخبزِ، وعن زملائِه في العملِ، لكنَّه لم يذكرْها أبداً. وكأنَّها كانتْ مجرَّدَ حلمٍ مضى، وكأنَّني كنتُ أنا أيضاً جزءاً من ذلك الحلمِ/الكابوس، لا من الحقيقةِ.

وفي ذاتِ يومٍ، وأنا أُرتِّبُ غرفةَ أمي القديمةَ، وجدتُ دفتراً صغيراً، مغبرّاً، تحتَ بعض أغراضها. كانَ مذكّرةً بخطِّ يدِها. تردّدتُ في فتحِها، لكنَّ فضولي كانَ أقوى. تصفَّحْتُ الصفحاتِ الأولى، كانتْ وصفات طبخ، ومقادير تحضير أدوية بديلة، وأدعية، وخواطر هواجس وضبط خيانة.
في منتصفِ الدفترِ، وقفتُ عندَ جملةٍ كُتِبَتْ بحروفٍ أكبرَ، وكأنَّها كانتْ مخصَّصةً لمنْ يقرأُها يوماً:

“عندما أقرر الرحيل، لن أنظرَ إلى الوراء. لا تبحث عني، لأنَّني لن أكونَ حيث تظنُّ. لن أعودَ، ولن أسألَ عن أحدٍ.”

لم تذكرني. ولا حتّى اسمي.

أغلقتُ الدفترَ بسرعةٍ، وكأنَّني لمستُ جمراً. شعرتُ بغصةٍ في حلقي، وغضبٍ في صدري، وحزنٍ ثقيلٍ في أضلعي. في تلك اللحظة، عرفتُ يقيناً: كانت أمي تخطط للرحيل منذ سنوات، وأبي كان يعرف. كان يعرف، لكنَّه لم يخبرني. لم يعدّني، ولم يبكِ معي، ولم يقل لي: “سأحميك.” فقط جلس صامتاً، ينتظرُ أنْ ترحلَ، وكأنَّ الغدرَ لا يحدث إلا حينَ يرحلُ الآخرون، لا حينَ يخونُك من يفترضُ أنْ يحميكَ.

أمسكتُ الدفترَ بيديَّ المرتجفتين، وخرجتُ إلى الفناءِ الخلفيِّ، وأشعلتُ فيه النارَ. احترقَ بسرعةٍ، وكأنَّه لم يكنْ موجوداً. لم أردْ أنْ يقرأَهُ أبي، ولم أردْ أنْ يبقى شيءٌ من كلماتها الجارحة في هذا البيتِ، حتى لاتهتز صورة أبي أكثر، لكنَّ النارَ لم تَحْرِقِ الذاكرةَ. الذاكرةُ بقيتْ، مثلَ ندبةٍ في داخلي، تذكّرُني بأنَّني كنتُ طفلاً غيرَ مرغوبٍ فيه، وأنَّ الحبَّ الذي كنتُ أظنُّني أملكُه لم يكنْ سوى وهمٍ.

اضطررت لأشتغل لتأمين نفسي من غدر الزمان.

في أحد الأيامِ، وصلَ خبرُ زواجِ أمي. سمعتُ أبي يهمسُ في الهاتفِ مع أحدِ أقاربِه: “تزوجتْ… بعد انتهاء العدة مباشرة.. وكأنَّها كانت تنتظرُ وتحضر لهذه اللحظةَ منذ زمن.”.

لم يقلْ لي شيئاً. لم ينظرْ في عينيَّ. فقط صمتَ طويلاً، ثمَّ قالَ لي بعدَ أشهر:

سأتزوَّجُ أنا أيضاً. سأنتقلُ إلى مدينةٍ أخرى. أنتَ كبيرٌ الآن، تستطيعُ أنْ تدبِّرَ أمرَكَ بنفسِكَ.

لم يكنْ سؤالاً. لم يكنْ عرضاً. كانَ قراراً.

هو أيضاً. هو أيضاً يتخلّى عنِّي.

لم يقلْ لي: “تعالَ معي.” لم يقلْ لي: “سأبقى لأجلك.” قالَ لي: “أنتَ كبيرٌ”، وكنتُ أُحضِّرُ لرسالةِ الماستر، وكنتُ أتأهَّبُ للزواجِ من فتاةٍ أحبُّها، كنتُ أظنُّ أنَّني سأبدأُ حياتي بعائلةٍ جديدةٍ، تعوِّضُ ما فقدتُه. لكنَّ أبي قرَّرَ أنْ يبدأَ حياتَه هو أيضاً، من دوني، ولم يعلم أنه أنهى حياتي.

رحلَ أبي بعدَ أسبوعينِ. ترك لي البيتَ، وتركَ لي ديوناً صغيرةً، وتركَ لي صمتاً كبيراً. وقفتُ في وسطِ الغرفةِ، أنظرُ إلى الكرسيِّ الذي كان يجلسُ عليه، وإلى النافذةِ التي كان ينظرُ منها، وإلى البابِ الذي خرجتْ منه أمي، وإلى البابِ الذي خرجَ منه هو أيضاً. لم يبقَ أحدٌ.

في تلك الليلة، جلستُ على الأرضِ، وفتحتُ الكاميرا التي كنتُ أحتفظُ بها لتوثيق الذكريات، والتي لم التقطْ فيها أيَّ صورةٍ لعائلتي. كانتْ فارغةً، كما هي ذاكرتي لهم. كان أبي يقولُ دائماً: “الرجلُ لا يبكي.” لكنَّني بكيتُ تلكَ الليلةَ. بكيتُ لأنَّني اكتشفتُ أنَّ الغدرَ ليسَ فقط فيمنْ يرحلْ، بل أيضاً فيمنْ يبقى صامتاً، ثمَّ يرحلُ أيضاً. بكيتُ لأنَّني أدركتُ أنَّني كنتُ مجرَّدَ أداةٍ في معادلةِ كراهيةٍ بينَ امرأةٍ ورجلٍ، وأنَّ كليهما تخلَّى عنّي، كلٌّ على طريقته.

بعد حصولي على شهادة الماستر، وفي ليلةِ حارة، وقفتُ أمام المرآةِ وأنا أرتجف. ليس خوفاً من الزواج، بل خوفاً من أن أكون مثل أبي. خوفاً من أن أختارَ الصمتَ بدلَ المواجهة، أو أن تتخلى عني حبيبتي، أو أن أتخلى عن نفسي وأنا أظنُّ أنَّني أتخلّى عن الألم. وهذا ماحصل حتى لا يعاد الذي حصل، ولتفادي مايمكن ان يكون…

الآن، وأنا على عتبةِ الخمسينَ، لم أعُدْ أنتظرُ عودةَ أحدٍ. لم أعُدْ أحملُ غضباً، لكنِّي أحملُ جرحاً لا يلتئم. ليس لأنَّ أمي رحلتْ، ولا لأنَّ أبي تخلى، بل لأنَّني كنتُ طفلاً، وكانَ من المفترضِ أنْ يكونَ هناكَ منْ يحميني، فلم يكنْ. حتى أنا تخليت عن نفسي وعمن أحب.

الرجلُ يبكي، يا أبي. الرجلُ يبكي عندما يُكتَشفُ أنَّ الغدرَ لا يأتي دفعةً واحدة، بل يأتي على شكلِ رحيلِ أمٍ، وصمتِ أبٍ، وهجرانِ عالمٍ بأكملهِ، تاركاً طفلاً يحاولُ أنْ يفهمَ لماذا لم يكنْ كافياً لأنْ يبقى أحدٌ من أجلِهِ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة