الريفُ الذي في خاطري

الريفُ الذي في خاطري
الخميس 9 فبراير 2017 - 17:30

حين دخل الملك محمد السادس مدينة الحسيمة سنة 2000 مباشرة بعد اعتلائه العرش، تفاجأ بسكان المدينة وقد خرجوا عن بكرة أبيهم للقاء عاهل البلاد الجديد، ولم يفعلوا ذلك قط نتيجة تجييشٍ أو ضغطٍ أو ابتزازٍ من طرف رجال السلطة وأعوانهم. لكن ما أثار انتباه الجميع لحظة مرور الملك الجديد عبر أكبر شارع بالمدينة، تلك اللافتة التي كتب عليها بالبنط العريض عبارة لا تخلو من دلالات قوية: “مرحبا بحفيد محمد الخامس”.

الرسالة وصلتْ: فأهل الريف يريدون إغلاق قوس وفتح آخر، وهم يُقدّرون عاليا من يُقدّرهم، بل ويجعلونه تاجاً على رؤوسهم، فهم لم يخونوا عهدا سابقا لا زال يطوق رقابهم، لكن حزّ في أنفسهم أن تم نقضه في محنة ” إِقبَّارنْ” سنة 1958، وتلك كانت بداية عهد العار والحصار بعد أن حكمت الدولة على الريف وأهلها بوضعٍ يشبه الإقامة الإجبارية في وطنهم، تماما كما وقع في جهات أخرى من البلاد كالأطلس والصحراء. فلا ضير إطلاقا من الاعتراف بالأخطاء والخطايا إن كان البوح بها مدخلاً لطي صفحة ماضٍ أليـم وتضميد جراح يصعب أن تندمل، وهو عين ما تم تشخيصه في تقرير الخمسينية للتنمية البشرية وتمت ترجمته بجرأة سياسية نادرة مع تدشين مرحلة الإنصاف والمصالحة.

وحتى لا يقال بأن الحراك الاجتماعي بالريف له أجندات خارجية ونعرات انفصالية أو ما شابه ذلك من خفةٍ في الحكم والتحليل والتقدير، حريّ بنا التذكير والتوضيح بأن أهل الريف لم يفعلوا أكثر من التأكيد على مواقفهم التاريخية تجاه وحدة وطنهم وسيادة دولتهم وكرامة شعبهم، حتى في أحلك الأوقات والظروف يوم كانت تنهش لحم البلاد وحوش الاستعمار البغيض.

والتاريخ يشهد على أنه في عِزِّ نشوة الانتصار البطولي والملحمي في معركة أنوال وغيرها، رفض قائد التحرير الوطني محمد بن عبد الكريم الخطابي عروضا أجنبية يسيل لها لعاب الطماعين، وصلت حد محاولة إغرائه بمنصب خلافة المسلمين الذي عُرض عليه من مركز السلطنة العثمانية آنذاك. لكن مولاي موحند، وبحس وطني قلّ نظيره في تاريخ المغرب، آثر الحفاظ على وحدة وطنه وإعلان بيعته للسلطان المغربي وكل همه استكمال تحرير البلاد وعموم المغرب الكبير، سواء بالحرب أو بالسياسة. وكذلك كان إلى أن نال المغرب استقلاله ليستكمل محمد الخامس رسالة رفيقه في التحرير ابن عبد الكريم، بانتزاع السيادة الوطنية وإعلان المرور من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر عبر تدشين معركة طويلة من البناء المؤسساتي والديمقراطي.

ولمَّا كانت الجهوية المتقدمة انعطافة تاريخية في سبيل تصحيح العلاقة بين السلطة المركزية والأطراف، وتجسيدا مؤسساتيا للمصالحة بين الدولة والمجتمع، وتعبيرا واعياً عن الرغبة في إنصاف مغربٍ مهمشٍ ومنسيٍ، يحق لنا أن نتساءل، بعد مرور سبع سنوات على خطاب الملك يوم 03 يناير 2010 حول الجهوية، عن مآل هذا المشروع الهيكلي الكبير الذي بنى عليه مغاربة الهامش آمالاً عريضة وجعلوا منه مخرجاً لعزلةٍ قاتلةٍ ولحصارٍ طويلٍ ومديـدٍ، بل ومتعمّدٍ أيضاً.

نعم، يحقّ لأهل الريف كما لغيرهم أن يعبّروا عن غضبهم وقلقهم من وعود ثبت مع الوقت أنها أوهـامٌ سياسية وحكايات دستورية، كما يحق لهم أن يطرحوا سؤال الدولة والسلطة طالما أن المقاربات التنموية للسياسات العمومية في الريف بقيت حبيسة الخطط والكراسات والخطابات، وبقي الحال على ما هو عليه إلى أن اجتمعت كافة عناصر التوتر وتكاثفت ظروف الاحتقان الاجتماعي لتُعريّ على واقع الحكرة المقننة.

إنه لغريب فعلا أمر دولة لا تنتبه إلى المؤشرات الكارثية حول غياب الاستثمارات وضعف النمو والبطالة القاتلة والفساد الذي ينخر مؤسساتها! وما فائدة التقارير والدراسات التشخيصية والإحصائية إذا كانت الدولة لا تعيرها اهتماما؟ وما الجدوى من تنبيهات المنتخبين ومطالب النقابات ومرافعات الجمعيات واحتجاج الحركات الاجتماعية؟ وما معنى أن تنزل الدولة بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والمالي في مناطق دون غيرها مُكرِّسةً بذلك حقيقة مغربٍ تمييزيٍّ يسير بسرعتين؟ وما معنى أن يستهزئ رئيس الحكومة بأهل الريف مدعياً جهله حتى بموقع مدينة الحسيمة على خريطة البلاد وهي تكاد تقف على أعتاب كارثة العصيان الشامل نتيجة الإهانات المتلاحقة؟

الحقيقة التاريخية التي يرفض البعض استيعابها هي أن الدولة – أية دولة – لن يكتب لها النجاح في حيازة الشرعية والمشروعية، إلا بمقدار تحقيقها لوظيفتها الأصل؛ أي وظيفة الإدمـاج المتوازن، لأنه في غياب ذلك قد تتحول إلى عبئ على حاضنها؛ أي المجتمع، وحسبي أنه مصيرٌ مأساويٌ قد يصيب كيانها في مقتل.

‫تعليقات الزوار

13
  • سام
    الخميس 9 فبراير 2017 - 18:49

    كلام جميل رغم ما يحمل في طياته رسالة استعراض عضلات الفكر الانفصالي الناتج عن حنين لحقبة استعمارية بالمنطقة الخليفية ولت و رحلت مع صاحبها و لم يبقى منها سوى حالات شرود تظهر بين الفينة و الأخرى من من لم يستوعبوا بعض ان المغرب يتسع للجميع و لا مجال للتفرقة و العصيان المدني في مجتمع جميع شرائحه مغاربة

  • amazigh
    الخميس 9 فبراير 2017 - 22:32

    الى 1- سام
    "ما حاس بالمزود غير لي المخبوط بيه"… لو كنت ريفيا أو بالأحرى أمازيغي تقطن جبلا لا ماء و لا كهرباء و لا طرق ولا مستشفى و لا إدارة ولا مدرسة و لا جامعة أو معهد أومملعب أو دار للشباب أو الكهول ولا أي مرفق عمومي أنت الدي كل شيء بجانبك : محلات تجارية و حافلات و معاهد و مدارس و انارة ليلية تخول لك السهر البادخ ….. لو كنت ريفيا محروما من كل ما تقتسمه مع اخوانك المغاربة و وطنك و واعيا بواجب الدفاع عن وطنك صبرا و فقرا و جوعا بل وحكرة فحولته لاستعراض العضلات لأدرفت دموعك دما …الريف يبقى ريفا شامخا كما ينتمي لمغرب أزلي … ادا كنت أنا ريفي ادا أنا مغربي و ادا لم أكن ريفي فأنا لست مغربي

  • عبد الرحيم فتح الخير
    الخميس 9 فبراير 2017 - 22:59

    رايه الانفصال هي البعبع الذي يشهره الغوغاء من أهل الريف كلما حاولو لي يد الدولة وابتزازها في تماهي غريب غير بريء مع ما يقوم به بعض الخونة من ساكنة الجنوب .
    الركوب على هذه الموجة يفقد مطالب الشمال تعاطف الشرق والغرب كلنا مغاربة وكلنا نبحث عن الكرامة وعن العدالة الاجتماعية غير أننا نفعل ذالك دون استفزاز حاملين راية بن تاشفين هاتفين صارخين ملئ الحناجر نريد كرامة نريد عدالة

  • اطلسي
    الخميس 9 فبراير 2017 - 23:20

    المطالبة بالحقوق المشروعة هي في حد ذاتها تعبيرعن المواطنة. لمن يعيش مرتاحا في المغرب النافع، الرباط و كازا، كلش حداه عليه ان يخرج الى الريف و الاطلس و الجنوب الشرقي و يرى حقيقة عيش الشباب العاطل و انعدام البنية التحتية و مرافق الصحة … و الا ماكافيش فليعش في جلد هؤلاء الشباب سنة واحدة و يفهم مدى صبر هذه المناطق بل سيكون اكثر ثورية … لا نريد مغربا بسرعتين، المغرب قوي بكل جهاته و هدوك شباب الريف شباب مغاربة هم من خيرة شبابنا و لهم الحق في التظاهر السلمي و المطالبة بحقوقهم … المغرب لكل المغاربة.

  • سعيد
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 01:23

    أريد في البداية أن أشكرك على طرح هذا الموضوع, أشرت إلى بعض النقاط التي لايختلف معك أحد, كالتهميش,والمقاوة الشريفة لاهل المنطقة, أما في ما يخص الجهوية وما آلت إليها فكان عليك أن تنتقد ولي نعمتك الذي أرادها أن تكون كما هي, أما ما أشرت إليه كون أن رئيس الحكومة لا يعرف أين توجد الحسيمة فهذا بهتان ما بعده بهتان لأنني سمعت شخصيا ذالك التصريح لكوني إبن المنطقة كنت أريد أن أعرف الحقيقة. لذا عليك بالموضوعية في تناول هكذا موضوع, المعقول ثم المعقول. ليس بأساليب التحكم نكسب القضايا الكبرى. نعم.بالحكامةالجيدة.والحكم الرشيد

  • سام
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 05:01

    الى رقم 2 : الفقر و الحاجة و الحرمان و قلة التنمية ظاهرة كونية في عديد من الأماكن من المعمور و لا تخص المغرب وحده كما لا يستثنى منها إقليم او جهة او دوار عن باقي اقاليمه و جهاته و دواويره و مع ذلك تبقى تلك المعظلات بليست سببا تدفع لكي يتنكر المواطن عن وطنه إلا إذا كان يحمل من تبعيات الحقبة الاستعمارية فكرا انفصاليا ناتج عن تعصب قبلي و عنصرية عرقية تحتاج الى تقويم الفكر و تهذيب النفس قبل كل شيئ

  • سليم
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 08:49

    للناس ظاهر والمظاهر تخدع
    فلا تحكمن بالذي ترى وتسمع
    ليس كل ما ترى دل على الورى
    فالعين ترى لكنها لا تتوقع.
    إلى كل من يعارض الريف ومطالب الريفيين أقول له من أين أنت؟

  • Amazigh n Arif
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 10:17

    بالملموس .
    خلال الزيارة الملكية للحسيمة سنة 2010 كان قد أعطى انطلاقة اشغال توسعة الطريق الوطنية رقم 2 (140 Km ) لرابطة بين تازة والحسيمة بدأت الأشغال سنة 2011 وبعد سبع سنوات لم ينجز سوى بعض الكيلومترات والباقي في حالة كارثية زادت من محنة الساكنة وعزلتها بسبب غياب وسائل النقل ( الحافلات والطاكسيات الكبيرة والنقل السريع) بعضها توقف أو غير الاتجاه بسبب صعوبة الطريق والأعطاب الميكانيكية التي تتسبب فيها الطريق.

    anti-arabisation

  • اميرة
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 10:20

    حسبنا الله ونعم الوكيل لو كانت بلاد الريف تحظى ولو بنسبة 1في المئة لما وصلوا الى هدا الحال وماصبرنا الا بالله

  • أطلسي
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 12:41

    الفقر و الحاجة ليست سببا لكي يتنكر المواطن عن وطنه كما قال الأخ سام، لكن الحقيقة اكبر من ذلك بكثير فالفقر كاد ان يكون كفرا كما روى أمامنا مالك … على اصحاب القرار الوفاء بوعدهم و الله يحظر البأس و صافي.

  • سام
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 14:02

    اعرف جيدا ابناء الحسيمة انهم فعلا نخبة اهل الريف كرما و استقامة من الذين يوثرون على انفسهم و لو كانت بهم خصاصا و ما عرفت قط احدا منهم يتنكر لهويته المغربية ولو كان الفقر كفرا فاللهم جنب الحسيمة كل مكروه و احفظها من هؤلاء الذين يفسدون في الارض و يحسبون انهم يحسنون صنعا اقول قولي هذا و استغفر الله العظيم لي و لمن قال من بعدي آمين

  • Simo
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 17:52

    اصحاب الريف اغنياء بغنى النفس و الجود و الكرم كما شأن باقي المغاربة. الفقراء الحقيقيون في هذه البلاد هم ناهبي المال العام مال الشعب، الكونت عامر و النفس فقيرة حقيرة. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها و ما بطن.

  • ناظوري
    السبت 11 فبراير 2017 - 19:07

    ما دمت قياديا في البام، وانتم من تسيرون معظم جماعات الريف، وانتم من ترأسون الجهة التي تحتضن الحسيمة وتاركيست وتطوان وطنجة (الريف الأوسط والغربي) وما دمتم ترأسون الجهة التي تحتضن الناظور والدريوش (الريف الشرقي) ماذا قدمتم للريف؟
    اين هي وعودكم للساكنة؟
    فيم تصرفون تلك الملايير التي قدمت للجهات؟؟
    كفى من هذا الاستغباء وتعليق شماعة الفشل على الاخرين، والتلاعب بالكلمات…

صوت وصورة
الرياضة في رمضان
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 23:50

الرياضة في رمضان

صوت وصورة
هيسطوريا: قصة النِينِي
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 22:30 7

هيسطوريا: قصة النِينِي

صوت وصورة
مبادرة مستقل لدعم الشباب
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 21:19

مبادرة مستقل لدعم الشباب

صوت وصورة
إشاعة تخفيف الإغلاق الليلي
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 20:41 17

إشاعة تخفيف الإغلاق الليلي

صوت وصورة
التأمين الإجباري عن المرض
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 15:15 3

التأمين الإجباري عن المرض

صوت وصورة
رمضانهم في الإمارات
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 15:00 3

رمضانهم في الإمارات