الاستنارة المنضبطة

الاستنارة المنضبطة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 14:57

يعود تعثر النهضة، أو ما أصاب التحديث والحداثة من انتكاسة في العالم العربي الإسلامي، لا إلى مقاومة داخلية من القوى المحافظة السائدة في المجتمع الإسلامي، بل إلى الدور التخريبي الذي قام به الوجه الآخر للحداثة الأوربية، وقوامه الداخلي “القوة” و”المنافسة”، بينما تطبيقه الخارجي “التوسع الاستعماري” و”التنافس الأوربي الإمبريالي”.

وإذا كنا نقر بأن الفكر التنويري ساد وجه الحداثة في أوربا، خلال القرن الثامن عشر، إلا أن الوجه الآخر، سرعان ما أخذ يزاحم بشكل فظيع هذا الوجه التنويري داخل أوربا نفسها، بل وفي أوساط الثورة الفرنسية ذاتها التي كانت التعبير العملي لإيديولوجيا ” الأنوار” ، والتي امتزج مجراها بما يتناقض مع مبادئها المعروفة كتبرير امتلاك المستعمرات. وحينما وفدت على مصر الحملة الفرنسية في السنة الأخيرة من القرن الثامن عشر ( 1789م) أيقظت بشكل ملموس في المصريين ذكريات قديمة لغارة المسيحيين على العالم الإسلامي.

مما قادهم إلى الاعتقاد بأنها غارة جديدة، لا تلبث أن تتحطم أمام صدمات المماليك القوية، وما لبثوا أن أدركوا أن عهد المماليك العظام قد مضى، وأن المماليك الذين يحكمونهم ليسوا إلا ظلالا زائفة لبطولة انقضى عهدها، وأدركوا أيضا أن شيئا جديدا قد حدث لا عهد لهم به، قد أيقظتهم عليه مدافع الإمبراطور نابليون بونابرت التي قصفت فرسان المماليك، وكأنها كانت تقصف في الوقت ذاته عقولهم وقلوبهم معا، ليلاحظوا بداية الاهتمام بالعلوم” الحديثة” من جهة، ومن جهة أخرى كي يشاهدوا رجالا كالشيخ حسن العطار يتصلون بعلماء الحملة الفرنسية، ويطلعون على كتبهم وآلاتهم الفلكية والهندسية وعلى بعض تجاربهم العلمية فتعتريهم الدهشة أولا ثم يلي ذلك الإعجاب.

لم يكن حسن العطار، يقصد بذلك بوجه عام إلا العلوم الحديثة التي رأى طرفا منها عند الفرنسيين الغزاة، ولم يكن ذلك إلا أملا منشودا، هو انعكاس للشعور بأن هوة عميقة باتت تفصل العالم الإسلامي عن العالم الغربي، و يظهر أن هذا الوضع أدرك تفاصيله محمد علي باشا(1805-1848م) الداعية إلى تشييد معالم مشروع الدولة الحديثة المستقلة عن الإمبراطورية العثمانية، مما يتطلب بنظره بناء جيش قوي وإرساء دعائم اقتصاد متطور، ولتحقيق مسعاه هذا عمل على إيفاد البعثات العلمية إلى فرنسا.

لولا انتهاز محمد علي باشا، والي مصر، فرصة مرور السفينة الحربية الفرنسية بمصر، واستجَابةِ قُبطانها ” روبيار” لطلب محمد علي باشا، الداعي إلى أن يحمل معه إلى مارسيليا أكبر البعثات العلمية المصرية إلى فرنسا عام 1826م، لاستحال الحديث عن شخصية رفاعة رافع الطهطاوي، ومنجزه الفكري والإصلاحي، الحامل لمشعل التنوير الرامي إلى تحقيق النهوض. ولم يكن اختيار الطهطاوي للسفر من جانب محمد علي باشا، بل رشحه أستاذه الشيخ حسن العطار، شيخ الجامع الأزهر، للوالي ليكون إماما للطلبة.

والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، أن الطهطاوي قرر أن يتجاوز مهنته في الغرب، فانتظم في سلك الدارسين، وصدرت أوامر الحكومة المصرية بضمه إلى أفراد البعثة، وكانت استجابة الطهطاوي لقرار الحكومة المصرية رائعة؛ تجلت كما يبدو في إقباله على إتقان فن الترجمة من الفرنسية إلى العربية، ونهمه في الترجمة وهو في باريس. وما كان يفرغ من قراءة كتاب في أي علم من العلوم، أو فن من الفنون حتى يقبل على ترجمته، و يعود إليه الفضل في ترجمة أول “دستور” باللغة العربية، قبل عودته إلى مصر، ولا يمكن أن ننفي بأن تحركاته العلمية، تستجيب لدعوات وإرشادات أستاذه مسيو جومار.

بعد خمس سنوات (1826-1831م)، قضاها الطهطاوي في باريس، والتي تعد أهم الأعوام في حياته، عاد إلى بلاده لا ينكر من حضارة الغرب إلا ما رآه مخالفا للدين والملة دون تزمت، وقد راهن على المعرفة والوعي، ووجد تقارير أساتذته سبقته إلى محمد علي باشا ودوائر حكومته، سيما تقارير أستاذه جومار التي تعلّق عليه الآمال.

عاد الطهطاوي إلى مصر ومعه كتابه الأشهر”تخليص الإبريز في تلخيص باريز” الذي قدم فيه وصفا للمجتمع الفرنسي، كما شاهده أثناء إقامته هناك، ويضم وصفا كاملا للمؤسسات السياسية في فرنسا، والأحداث السياسية الكبرى التي شاهدها. ومن خلال هذا المؤلف قدم لقرائه قضايا تخص النساء، والأحوال الدينية والعادات والتقاليد الفرنسية، وسعى إلى إبراز ما للتقدم العلمي من أثر كبير في النهضة الحضارية الغربية، وعبر عن حاجة العالم الإسلامي إلى التزود بالعلم حتى يرقى مدارج التقدم، وبطبيعة الحال، فكل دعواته وتحركاته لا تخلو من الرؤية النقدية الثاقبة.

بحكم استلهام الطهطاوي لحقيقة الفكر التنويري – حيث قرأ أعمال فولتير وروسو ومونتسكيو وغيرهم من مفكرِي القرن الثامن عشر – فقد رأى أن بلاده بحاجة ماسة إلى طبقة من العلماء الأكفاء في الآداب العربية وفي آداب اللغات الأجنبية، ليضطلعوا بمهمة تعريب الكتب سيما الفرنسية، وليكونوا صلة الاتصال بين الثقافة الشرقية والثقافة الغربية، وينهضوا بالأداة الحكومية في المناصب التي تعهد إليهم، وهذا بالتحديد قاده إلى الاقتراح على محمد على باشا إنشاء مدرسة الألسن. وكان من مزايا محمد علي باشا أنه يحسن تقدير الاقتراحات، والآراء السديدة التي تعود على البلاد بالخير والتقدم، فبادر إلى إنفاذ الاقتراح، وفي عام 1836م أنشأ مدرسة الألسن بالقاهرة، مما يدل على مبلغ عنايته بشأنها، وكانت تعرف حين إنشائها بمدرسة الترجمة، وعرفت بعد ذلك بمدرسة الألسن، وعهد بنظارتها فى السنة التالية الى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي.

وإلى جانب عمله بالمدرسة وقلم الترجمة، أسندت إليه مهمة التفتيش على المدارس، وكان عضوا فاعلا في اللجان الخاصة بالتعليم والامتحانات، ومحررا لجريدة الوقائع المصرية التي كانت تصدرها الحكومة باللغتين العربية والتركية، وكانت أول صحيفة تصدر في مصر. وما يشد النظر أن في عهد عباس الأول ( 1848-1854م) تركت مدرسة الألسن لتمضي على طريق الاضمحلال وأغلقت رسميا. كما أبعد رفاعة الطهطاوي إلى الخرطوم عام 1850م، وأضحى ناظرا لمدرسة ابتدائية تقرر إنشاؤها هناك، وكان هذا النقل في الحقيقة نفيا وإبعادا للطهطاوي وغيره من الأساتذة الذين قامت على كواهلهم تجربة التعليم العالي في عهد محمد علي؛ فقد كره عباس الغرب، واعتبره مسؤولا عن انتكاس مشروع جده.

لكن عندما انتقل الحكم إلى إسماعيل باشا (1863 – 1879م) الذي كان شديد الحماس للثقافة الفرنسية؛ أعاد افتتاح مدرسة الألسن، وقلم الترجمة، وعين رفاعة ناظرا لهما، واستأنف معهم حركة ترجمة جديدة تواصلت مع تلك التي بدأها في عهد محمد علي باشا. وفي الوقت ذاته أسندت إليه مهمة تحرير مجلة “روضة المدارس” التي أصدرها ديوان المدارس، وظل رئيسا لتحريرها حتى وفاته. وصوب نشر أفكاره عن التحضر، ونقده لبعض العادات والتقاليد السائدة، استخدم الطهطاوي مقالاته الافتتاحية، كما نشر على صفحاتها ثلاثة من كتبه منجمة، أولها”القول السديد في الاجتهاد والتجديد”، ثانيها “رسالة البدع المتقررة في الشيع المتبربرة” التي كانت دراسة في الحضارة الإنسانية. وثالثها”نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز”، وهي أول دراسة حديثة للسيرة النبوية وتاريخ صدر الإسلام.

كما صدر له كتاب “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” الذي أعده ليكون كتاب قراءة في المدارس، وكان فتحا جديدا في الفكر العربي الحديث، حيث حدد معالم الطريق لتحقيق النهضة المصرية، وبين كيفية الاستفادة بعلوم الغرب وثقافته مع الحفاظ على ما هو إيجابي من الموروث الثقافي العربي والإسلامي، وصاغ المفاهيم الأساسية للوطن والوطنية، ورفض لادينية العلمانية الفرنسية، حيث نبه إلى ضرورة التمييز بين رفض هذه اللادينية وبين الإشادة والاستفادة بما لدى فرنسا من علوم حكمية، وقد عبرعن هذه المعادلة التي رآها عند أهل باريس – شعرا – فقال :

أيوجد مثل باريس ديار شموس العلم فيها لا تغيب

وليل الكفر ليس له صباح أما هذا، وحقكم، عجيب!

أما كتابه ” المرشد الآمن للبنات والبنين” الذي أودعه خلاصة فكره الاجتماعي والثقافي، وكان أيضا كتاب قراءة في المدارس، فقد طبع في العام الذي افتتحت فيه أول مدرسة لتعليم البنات عام 1873م، وهو العام نفسه الذي توفي فيه. دعونا نؤكد في نهاية هاته الأسطر، مرة أخرى أن الطهطاوي – كما لمس ذلك أستاذه المستشرق “كوسان دي برسفال” – لم يكن مجرد مثقف، يستمتع ويترفه بالفكر والثقافة، ولم يكن مجرد ناقل لفكر العالم الغربي وحضارته إلى اللغة العربية، وإنما كان مناضلا يروم إيقاظ أمته ووطنه بل والشرق و”أهل الإسلام” عامة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة