الفن أو العفن

الفن أو العفن
الخميس 28 ماي 2015 - 21:45

كثيرة هي الأفلام والمسلسلات المغربية التي تعالج قضايا ومشاكل اجتماعية، التي أضحت تؤرق المجتمع ككل ، كما أنها تتفانى في عرض و تعرية هذا المجتمع الذي بدأ يطلب الستر والصفح عنه ،فعلى كل حال، نحن لن نكون أقل جرأة، معذرة ، جسارة من المخرجين والفنانين الغربيين الذين يبصمون في أعمالهم على وقائع ومشاهد يختلط فيها الحابل بالنابل ، فلا الوقار ولا الحشمة يعرفان طريقهما إلى الشاشات الغربية، وحتى اللقطات الساخنة والحميمية التي لا يمكن الإفصاح عنها إلا بغرف النوم ، وبين الأزواج فقط ، أصبحت تدخل هي الأخرى في خانة الجرأة السينمائية ، فبإمكاننا أن نعتبر هذه الجرأة الزائدة عن حدها، وفي مجتمع غربي لا تضبطه أية ضوابط لا أخلاقية ولا دينية، أمرا عاديا ،

أما الطامة الكبرى حين يُنفق الإعلام المغربي أموالا طائلة ،تكفي لإطعام كل الفقراء والمحتاجين في هذا البلد العزيز، لامتلاك حقوق بث مشاهد العري “ وقلة الحياء “، وما يزيد الطين بلة حين يتبنى مخرجونا وفنانونا الأدوار الإباحية، التي لا تقل وقاحة وجسارة عن التي غزت قنواتنا العربية تحت ذريعة ملامسة الواقع الاجتماعي للشعوب ، أو تحري المصداقية والأمانة الفنية في سرد وعرض المشاكل الاجتماعية،في الحقيقة هم يتحرون المصداقية في كشف عورات المرأة،و إبراز أدق تفاصيل جسدها، كأنها سلعة يباع ويشترى فيها، وتارة أخرى يتم إدخالها إلى المزاد العلني، فيكفي ما تعرضت له من تشهير واحتقار حين ألصق جسدها بكل المنتجات والمحلات التجارية، وكذلك اللوحات الإشهارية ، ليسيل لعاب العادي والبادي ،و في نفس الوقت ليزداد الإقبال على المنتوج، ولِّي مَا شْرَا يِتْنِزَّه ، فالمرأة بصفة عامة هي أمهاتنا ،وزوجاتنا ،وأخواتنا، فلا داعي للإساءة لهن أو تشييئهن، كما أننا نقول لمنتجينا ومبدعينا ليس منا من لا يعرف ما يروج في الأحياء الشعبية والأسواق من تحرشات جنسية وسرقات واعتداءات وسب وشتم ،

من منا لا يعرف ما تنتهك من أعراض وما يمارس من فساد أخلاقي في المكاتب الإدارية خلسة ، والحانات والملاهي الليلية والسهرات الماجنة علنا؟ من منا لا يشاهد بأم عينيه أطوار اشتباكات دامية بين قطاع الطرق والعصابات التي تستخدم جميع أنواع الأسلحة ، البيضاء منها والسوداء ، لتصفية حساباتها ؟ فكل هذه الأحداث والمشاهد لا تتطلب استخدام عدسات الكاميرات لالتقاطها أو تسليط الضوء عليها وعرضها في قاعات السينما أو على الشاشات الصغيرة ،فالمواطن المغربي يتعايش معها صباح مساء حتى ألفها ، وبالتالي لا يمكن أن نعتبر من “ تقيأ “حاشاكم” ، هذه الأحداث والمشاهد على القنوات الفضائية ، عملا إبداعيا أو جرأة فنية، فالجرأة التي نتمنى أن يتمتع بها مبدعونا هي أن يساهموا بأعمالهم في اقتراح حلول واقعية لهذه المشاكل التي يتخبط فيها الشعب المغربي ، وأن تكون لهم الجرأة لتخصيص قسطا من مداخليهم الفنية لبناء مؤسسات تعليمية وخيريات ، ونواد رياضية لانتشال أطفال الشوارع والمدمنين من الضياع ، وأن تكون لهم الجرأة كذلك في فضح المفسدين الذين استباحوا أموال الشعب و اغتنوا من وراء تعاسة الفقراء والمحتاجين والأرامل،

وحتى الأموال التي اختلسوها من شح أومن حرام، أومن انتهاك للملك العام ، ليتم إبعادها في آخر المطاف عن أرض الوطن لتملأ بها بطون البنوك الغربية ، في مس صارخ للروح الوطنية والانتماء الوطني ،فنحن ومن هذا المنبر نحمل المسؤولية كاملة للقائمين على أمور الفن والفنانين بالمغرب ،وهنا نخص بالذكر، المركز السينمائي المغربي ، الذي يساهم، بطريقة أو بأخرى، في التشجيع على الرذيلة ،وذلك بالترخيص، أو تمويل الأفلام التي تسيء إلى العقيدة السمحة ،وتخدش الحياء على مرأى ومسمع الوزارة الوصية ،و الساهرين على الشأن الديني ،فكم تمنينا أن يقدم لنا الفن المغربي رسالة إنسانية وتربوية يستفيد منها الجاهل والأمي، وتقوم وتهذب سلوك المنحرف وتنمي ملكة الإحساس والذوق الرفيع في الطفل، و المتعلم بصفة عامة، وتكون علاجا لمجموعة من المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع، كالفقر ، والبطالة ،والإدمان ، والمحسوبية ، والفساد الأخلاقي والإداري …

التي لم تفلح إلى حد الآن المؤسسة التعليمية والسياسية والاجتماعية في احتوائها، وإيجاد حلول ناجعة لها. فأمام غياب دور هذه المؤسسات يبقى المجال مفتوحا لنبيل عيوش وأمثاله لدغدغة الجهاز التناسلي للشباب المغربي ، والإلقاء به في دهاليز الفسق ، وبراثين المحرمات . وخلاصة القول ولمن يهمه الأمر ، الفن رسالة وتربية ، أما من يعتمد في الفن على الكلام النابي والساقط، سواء تعلق الأمر بالإنتاجات السينمائية الإباحية أو الغنائية السفيهة، لمعالجة قضايا إنسانية فأنتم في الحقيقة تنتجون عفنا لا فنا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Naoufal
    الجمعة 29 ماي 2015 - 10:09

    Bravo, Bravo, Bravo. Un article bien fait et fructueux

  • hamidou
    السبت 30 ماي 2015 - 18:45

    كل ما جاء بالمقال صحيح إلى أبعد الحدود، يبقى الإشارة إلى أني أعتقد أن العديد من الأطراف تحاول إحراج حكومة السيد بنكيران عبر تقديم أشياء ساقطة سواء أفلام كفيلم المخرب عيوش أو مهرجانات فاضحة كما وقع في موازين ونقله عبر الشاشة الوطنية حتى يقال إن الحكومة الحالية تشجع الرديلة وإذا قامت بمنع هذه الأنشطة يقال لها حكومة تضيق على الحريات الشخصية وهذا هو بيت القصيد الذي ينبغي أن يعلمه الجميع

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود