القري: شغب الملاعب يحول المدرجات إلى مرآة مكبرة للتوترات المكبوتة

القري: شغب الملاعب يحول المدرجات إلى مرآة مكبرة للتوترات المكبوتة
كاريكاتير: عماد السنوني
الثلاثاء 5 ماي 2026 - 02:00

يرى الكاتب المغربي إدريس القري أن كرة القدم تبدأ بوعد بسيط: لعبة توحّد البشر، غير أن هذا الوعد لا يصمد دائماً أمام ضغط الانفعال الجماعي، حيث تنقلب المدرجات، في لحظة كثافة عاطفية، إلى طاقة انفجارية تكشف هشاشة الإنسان حين يُستدرج إلى الحشد.

وأفاد القري، في مقال خص به “هسبريس” حول عنف الملاعب، أن ما يظهر في مشاهد الشغب لا يختزل في سلوك عابر، بل يكشف عن بنية اجتماعية ونفسية مركبة، يتلاشى فيها الفرد داخل جماعة فاقدة للحدود، تتحرك بمنطق مختلف عن منطق الأفراد. لافتاً إلى أن عنف الملاعب لا يمكن فهمه بوصفه حادثاً معزولاً، بل ظاهرة اجتماعية ونفسية ومادية معقدة تمس الأمن والنظام العام، في وقت تُجمع فيه الأبحاث المتخصصة على أن ما يحدث داخل المدرجات يعكس اختلالات أعمق في منظومة التربية والإعلام، وفي بنية الأسرة، ويرتبط أيضاً بضعف أدوار الأطر الاجتماعية من أحزاب ونقابات وجمعيات، ضمن سياق تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وسجل الناقد المغربي أن ملعب كرة القدم يتحول، في هذا السياق، إلى مرآة مكبرة لتوترات مكبوتة يعيشها المجتمع، حيث تجد البطالة والهشاشة والشعور بالإقصاء وفقدان الأفق طريقها إلى المدرجات. مبرزاً أن المشجع لا يأتي فقط لمتابعة مباراة، بل يحمل معه شحنة انفعالية واجتماعية وسياسية يسعى إلى تفريغها، وهو ما يجعل فهم الشغب رهيناً بفهم الشروط التي ينتج فيها.

وفي قراءته لديناميكيات الحشود، اعتبر القري أن السلوك الجماعي لا يعكس مجموع السلوكيات الفردية، بل يفرز نمطاً جديداً من التفاعل تحكمه آليات ذاتية التنظيم، وهو نمط يقود في كثير من الأحيان إلى انفجارات مفاجئة، حيث يفقد الفرد وعيه الأخلاقي والمدني لصالح ما يشبه “العقل الجماعي” ذي الطابع القطيعي. منبهاً إلى أن العنف داخل الحشد ينتشر بسرعة كما تنتقل الإشارات العصبية داخل الجسد، في انسجام مع ما ذهب إليه غوستاف لوبون حين أكد أن الحشود تنفعل أكثر مما تفكر، وهو ما يفسر تحول الصراخ إلى سلوك عدواني في زمن وجيز.

وفي ما يتعلق بدور التعصب، أبرز الكاتب المغربي أن الدراسات تؤكد أنه عنصر حاسم في توليد العنف، إذ إن خسارة الفريق قد تدفع المشجعين إلى حالة من القلق والغضب والانفعال السريع، لأن الفريق يتحول لديهم إلى امتداد للذات، وتُستقبل الهزيمة كإخفاق شخصي. الأمر الذي يترجم الإحباط إلى سلوك عدواني، كما يفسر تحوّل بعض المباريات إلى مواجهات رمزية بين جماعات ترتبط أحياناً بعوامل طبقية أو إثنية أو سياسية، وفق ما توضحه الأدبيات المتخصصة في تفسير الشغب.

وفي تقييمه لدور الفاعلين داخل المنظومة الرياضية، نبه إلى أن اختزال المسؤولية في الجمهور وحده يبقى تبسيطاً مخلاً، إذ إن سلوك اللاعبين داخل الملعب وقرارات الحكام وطبيعة المعالجة الإعلامية تشكل جميعها عناصر تسهم في تأجيج التوتر. مع تسجيل أن بعض الدراسات تشير إلى أن تصرفات اللاعبين نفسها قد تكون عاملاً مباشراً في تفجر العنف إذا غابت عنها روح الانضباط، وهو ما يجعل الملعب يتحول إلى منظومة متكاملة لإنتاج التوتر، تتفاعل داخلها كل المكونات في اتجاه التصعيد.

وفي سياق أوسع، توقف القري عند ارتباط عنف الملاعب بأزمة المعنى في الرياضة الحديثة، مستحضراً قول الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو: إن كرة القدم حين تتحول إلى صناعة تفقد جمالها. معتبراً أن هيمنة المال والسياسة والرهانات غيّرت طبيعة اللعبة، بحيث لم تعد المباراة دائماً مجالاً للمتعة، بل تحولت في حالات كثيرة إلى ساحة صراع رمزي، تصبح فيها النتيجة مسألة شرف أو كرامة أو حتى انتقام.

وعلى المستوى التربوي، سجل أن نسبة مهمة من مثيري الشغب تنتمي إلى فئة الشباب وأحياناً القاصرين في ظل غياب التأطير، مع الإشارة إلى أن بعض هذه السلوكيات ترتبط بسياقات الانحراف أو تعاطي المخدرات، ما يعزز الطابع الاجتماعي للظاهرة، ويؤكد أن جذورها تربوية بالأساس، في ظل ضعف التأطير الأسري والمدرسي وغياب برامج جدية لغرس القيم الرياضية، الأمر الذي يجعل الملعب فضاءً بديلاً للتعبير عن العنف بدل أن يكون مجالاً للتنافس المنضبط.

وفي تحليله لوظيفة العنف، اعتبر الكاتب المغربي أن غياب قنوات التعبير السلمي داخل فضاءات الشباب من مدارس وأحياء وجمعيات يدفع إلى تحويل العنف إلى لغة بديلة، حيث يلجأ الجسد إلى الصراخ أو الضرب حين يعجز الكلام. وهو ما يعكس، في نظره، أزمة أوسع في التعبير الاجتماعي والثقافي والفني والسياسي، ويطرح أسئلة عميقة حول أسباب لجوء بعض الشباب إلى العنف لإثبات وجودهم، وحول تحوّل لحظات الفرح المفترض إلى لحظات تدمير.

وفي ما يتعلق بسبل المعالجة، شدد على أن الحل الأمني وحده لا يكفي، مستنداً إلى تقارير تدعو إلى اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية وتطبيق القانون وإشراك المجتمع. معتبراً أن العنف ليس مجرد جريمة بل عرض لخلل اجتماعي أعمق، وهو ما يستدعي إعادة تأهيل الثقافة الرياضية، وتعزيز التربية على الاختلاف، وتحسين شروط عيش الشباب، وتنظيم الإعلام الرياضي، إلى جانب إشراك الجماهير في تحمل المسؤولية.

وختم القري بأن عنف الملاعب يطرح سؤالاً يتجاوز الرياضة نحو فهم الإنسان داخل الجماعة، حيث لا يكون المشجع مجرد فرد يصرخ، بل كائن يبحث عن معنى وانتماء واعتراف. وعندما يغيب ذلك في المجتمع يعيد إنتاجه داخل الملعب ولو عبر العنف، في مؤشر على أزمة أعمق تتحول فيها الاختلافات غير المدارة إلى صراعات مفتوحة تكشف الكثير عن طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة وعن حدود قدرة المجتمع على استيعاب توتراته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • H A
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 04:18

    بالطبع معروف أحوال أكثر المشجعين الالتراس

    جهل بالدين
    عطالة
    إدمان
    تدخين
    مستوى دراسي معدوم أو متدن
    الا من رحم الله

  • الزرواطة
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 04:46

    تراخي رجال الامن في استعمال الزرواطة وتثبيت الامن في الملاعب زاد في هده الجرائم هدا يدل على ان المغرب غير مؤهل لاستظافة التظاهرات العالمية

  • سام
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 05:45

    شغب الملاعب يجب أن ينظر اليه كخلل نفسي و اضطراب عقلي و ليس كجنحة مما يتعين وضع المشاغب في مشفى الامراض العقلية حيث المكان الصحيح للاستشفاء مما سيقلل كثيرا من الشغب في الملاعب حيث سيكون المشاغب يفكر كثيرا قبل اقدامه على الشغب بحكم الى ما سيؤول اليه كمريض عقلي و ليس كجنحي

  • بابلو
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 07:41

    هذا كما أن بعض الصحفيين المعروفين و أصحاب صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يؤججون الوضع و يَصُبُّون البنزين على النار لغرض في نفس يعقوب و من هذا المنبر ندعوا لإستدعائهم و التحقيق معهم تحقيقا معمقا

  • متتبع
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 07:50

    علينا الاستثمار في العلم و الانسان، أما الملاعب و المهرجانات فستنجب لنا جيل بدون أخلاق و بدون وزن

  • ابو آدم القنيطري
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 08:36

    ما وقع بين الجيش و الرجاء مؤخرا في ملعب الكبير بالرباط اصبح لزاما علينا اعادة التظر في المنظومة الجماهيرية المغربية التي ابانت عن قلة التربية و افتقار للحس الوطني اتجاه هذا البلد العظيم مما جعل بعض الاقلام العدائية للبلد مادة دسمة للضرب في المغرب !! حان الوقت للضرب من حديد على كل من يسيئ للبلد خاصة و نحن مقبلون على تظاهرات عالمية تستوجب منا خلق قوانين زجرية عاجلة من اجل الحفاظ على سمعة الرياضة في بلدنا الحبيب المغرب..

  • ملاحظة
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 08:52

    من قال :الانسان عاقل. عليه ان يذهب الى ملعب الكرة ليتاكد ويتحقق من صدق مقولته. الاكيد انه سيغير مقولته سواء رافق المباراة التي سيتابع عنف ام لا.

  • 01010101
    الثلاثاء 5 ماي 2026 - 12:24

    ماقاله الكاتب في معظمه على الراس والعين كما يقال لكنه يحمل في طياته ترددا في الحسم حول ما العمل ؟ هل تترك الأمور للوقت لكي تحل من تلقاء نفسها مادامت المسؤوليات في هذا العنف غير مرتبة حسب الأهمية لأن القول بتضافر عوامل وأسباب سياسية واجتماعية وتربوية وغيرها رغم أهمية التحليل النظري لا تساعد على التقدم نحو الحلول على المديين القريب والمتوسط بل تعطي الإنطباع باستحالة الحل مما يضيف حججا لمن يقول بمنع كل أنواع التظاهرات الرياضية والفنية والغريب هو إقحام النقابات والأحزاب في هذا الأمر. وهناك من يبسط الأمر ويربطه بالسن والمستوى التعليمي وكأنه لا يلاحظ ما يحدث بين مشاهدي المباريات في المقاهي حيث يتبادل الكثيرون العنف اللفظي وأحيانا الجسدي رغم كبر سنهم وتعليمهم العالي والمهن المحترمة والمستوى المعيشي المقبول .من الحلول الآنية الضبط الأمني الصارم لجمهور الملاعب كما فعل الانجليز مع( الهوليغانيسم) وعدم توقيف التظاهراتالرياضية والفنية لأي سبب كالعنف حتى لا يتحول إلى الوسيلة المفضلة لفرض الآراء، ومن بين ما ظهر في السنوات الأخيرة فصائل الألتراس والتي يمكن أن يتحول بعضها إلى ضد ما تكونت من أجله ،

صوت وصورة
رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 4

رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 5

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم