في البدء كانت الكلمة. هذه العبارة تقول الكثير، لكنها تسكت عن أهم شيء، إذ في البدء كان السرد، وتحديدا السرد القصير.
أستطيع القول بدون شعور بأي نوع من المجازفة، إنه إن كان هناك من جنس أدبي يشرع في تكوين وعي الإنسان وصوغ أساليب تلقيه للعالم وإدراك الذات والوجود، فإنه سيكون السرد، والسرد القصصي على وجه التحديد.
إن القصة قد صاحبت الإنسان مذ كان الوجود طفلا لا يزال، طفلا يتشكل رويدا رويدا، مليئا بالخوف والأساطير والصيد والرقص والضواري والآلهة والمخبوءات التي لم تتكشف بعد… ولعل ذلك ما يفسر رغبتنا المزمنة في الاستماع إلى الحكي. لنا أن نتذكر كم من مرة طلبنا وطلب منا أن نحكي شيئا ما!…
لنا أن نتساءل لماذا نبحث عن الحكاية/القصة، في الفلم والقصيدة واللوحة والأغنية والجنس والرقصة والسياسة والطبخ واللباس والعمارة والتاريخ والدين والعلم والحب والطلاق والحرب والسلم!…
لكل هذا، ألا يمكن عدُّ الإنسان كائنا قاصا بطبعه؟؟
في اللغة، نجد من معاني القص: الإخبار واتباع الأثر. (وقالت لأخته قُصِّيه… الآية). أي أنها تتبع لأخبار الإنسان في هذا الوجود واقتفاء أثره ومصيره الشائك وواقعه المتهافت وآماله الشبيهة بمهور لا تؤمن باللجام، وبالتالي، ففعل القص نقيض الفناء، وهو بذلك صنو الحياة وشيةُ تحققها وتجليها، إذ تبحث القصة، رغم صغرها، عن الباقي في عالم زائل، عن الخالد في وجود موشوم باللحظي مجبول على الانتهاء، تسكنه روح تجري على نحو محموم، نحو الانتفاء…
إن القصة القصيرة، والتي قد تتقحَّمها عين من لا يدرك ماهيتها ووعورة مسالكها وخطورة شعابها، هي المعادل الموضوعي للحياة نفسها. ألا منكم من مخبر عن حياة عرفها أو سمع بها، ووجدها حياة طويلة؟ أليست الحياة بنت القصر؟ أليست الحياة، كل حياة، قصة قصيرة؟!
وعظمة القصة القصيرة تتبدَّى في كونها قبس النار لا النار،
القصة القصيرة هي الندى لا المطر،
هي الحذف لا الكلام..
هي البياض النادر القليل، الذي يقول ما يسكت عنه السواد الكثير…
في الثقافة العربية نثقفُ تمثلا يربط القصر بالمكر، وأحسب أن القصة القصيرة أليق بهذا التمثل، بالمعنى الإيجابي للمكر، فهي ليست ثرثارة ولا ثخينة ولا طويلة، لكنها تقول العالم، كل العالم، بطبيعته وواقعيته وتناقضاته وعجائبيته، في كبسولة، في شكل مضغوط، حي، حار، وخاطف…
إنها مذهب القلة، وكل قليل عزيز…
إنها بلاغة القصر التي تناهض بلاغة البدانة، هذه البدانة التي تدعو إليها الرأسمالية في كل شيء، وتريد أن تجعلها معيارا لكل جميل ولائق وحداثي وابن الوقت !…
إن المتابع للشأن الإبداعي، الكوني والمحلي، يلحظ أن هناك مسعى نحو تمكين الرواية، عبر الجوائز والإعلام والجامعات ودور النشر وكل المتدخلين في بورصة الأدب. لكن المتأمل، ولو قليلا، سيدرك أننا نعيش زمن “الزابينغ” زمن سريع خاطف خُلبي، ولعل القول بأن ليس هناك من شكل أدبي قادر على مسايرة هذا العالم والإمساك به وإعادة “تدويره” وقوله وفق رؤية فنية أدبية، مثل ما تفعل القصة، بعض الرجاحة…
إيمانا بدور القصة المغربية في مزيد من الانوجاد، من الاستمرار، من المغايرة، ورغبة في مزيد من الضوء، من النوافذ، من التمكين، دعت جمعية النجم الأحمر للتربية والثقافة والرياضة والتنمية الاجتماعية، إلى اعتبار يوم 28 أبريل من كل عام يوما وطنيا للقصة، ولعل في هذا الابتداع الحسن ما يدفع باقي الجمعيات والكيانات المهتمة بالأدب والفن، حكومية وغير حكومية، بأن تنشغل بهذا الشكل الأدبي الذي لا يكبر، لا
يشيخ، وكأنه حازَ ما لم يحزه جلجامش في الأسطورة…
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.