الأخلاق في السياسة

الأخلاق في السياسة
الثلاثاء 15 شتنبر 2026 - 21:26

أين نحن من الأخلاق في السياسة؟

إنّ ما نراه ونتابعه عبر وسائل الإعلام المرئية والسمعية والمكتوبة والإلكترونية من حوارات مع شخصيات حزبية قيادية ونوابها. وما لاحظناه من ترحالات متعددة الأوجه لشخصيات وازنة – وإن كان البعض يسميها انتقالات – من حزب إلى حزب آخر، وربما إلى حزب يتناقض تماماً في مرجعياته مع مرجعيات الحزب الأول. وكذا الإعلان عن ترشيحات أغلب الوجوه المألوفة لدى المواطنات والمواطنين في الوسط القروي ومختلف المدن، دون تجاهل تقديم بعض الأحزاب للوائح تتضمن نسبة مهمة من الشباب والنساء.

ولا يجب أن نغض الطرف عن أهمية ما أسمته إحدى الصحف الأسبوعية المغربية بـ”حزب المقاطعين”. الذي تحتاج حالته إلى دراسات سوسيولوجية وسياسية ترتكز على أحدث النظريات، لأنّ زمن العولمة والرقمنة ليس هو زمن ما قبل سقوط جدار برلين في 1989 وانهيار النموذج السوفياتي السابق. وتحتاج إلى دراسة النماذج والتجارب التي عاشتها وتعيشها دول تشبهنا في الجنوب.

كل ذلك وغيره من الظواهر الاجتماعية الشبابية والاحتجاجية التي يتابعها المواطنون، رجالاً ونساء، بالعين المجردة، يشكّل وقائع تستفز كل من ينتظر تغييرات إيجابية في السياسات العامة الوطنية والجهوية والمحلية. وهو ما يفرض من باب المسؤولية الاجتماعية، التعجيل بإعادة طرح السؤال الجوهري: أين نحن من الأخلاق في السياسة؟ إن نحن نريد فعلاً تدارك ما يمكن تداركه ربحاً للزمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. لكن قبل ذلك نعيد طرح السؤالين التاليين:

ما السياسة؟ وما الأخلاق؟

يذهب المفكر والسياسي عبد الله العروي في كتابه “من ديوان السياسة” إلى أن الفكر السياسي القديم ينطلق دائماً من النوازع، إذ يعتبرها المادة الأولى للسياسة ممارسة وتنظيراً. فالنفسانية هي أساس الاجتماع والسياسة، بل السياسة هي فن توظيف النوازع. وجاء العهد الحديث مع مؤسسي علم السياسة بالمعنى الضيق، فافترقوا إلى معسكرين: معسكر الواقعيين ومنهم “ماكيافيلي”، الذين أحبوا الفكر القديم برمته، فبنوا السياسة على النوازع. والمقصود هنا بالنوازع: الطمع، والولاء، والخوف، والطموح، والاستبداد (…). ومعسكر المثاليين ومنهم “روسو”، الذين تجاهلوا النوازع وشيدوا نظرياتهم على أساس الفرد الحر العاقل المتحكم في كل نوازعه.

وأما فيما يتعلق بمعنى الأخلاق، فتفيدنا القراءة المتواضعة في مجموعة من معانيها، وتبقى الكلمة للباحثين في الفلسفة وعلوم الدين، (تفيدنا) في تسجيل ما مضمونه أن الأخلاق في معناها البسيط والسائد هي منظومة من القيم المنسجمة مع ثقافة مجتمع ما، متفق حولها، ويعد تجاوزها تجاوزاً للنموذج الذي “اختاره” المجتمع المعني.

ومن جانب آخر، يشكل الالتزام بهذه القيم التي تكوّن في مجموعها منظومة المجتمع المعني معياراً وقياساً للمصداقية. وهو ما يجعل من الملتزم بها نموذجاً يقتدي به الناس. ويكون المتشبع بهذه القيم قادراً على التأثير في الغير، وعلى كسب ثقة المواطنين.

فأين نحن من الأخلاق في السياسة؟

أجدني ممن يعتقدون أنه لملامسة الإجابة على هذا السؤال المركب، لابد من تغيير مجرى البحث عن مدى الأخلاق في السياسة، من اعتبار الأخلاق مدونة أو منظومة للقيم المنسجمة مع ثقافة المجتمع المعني كما سبق الذكر، إلى البحث عن مداها علاقة (en relation) بالخطاب السياسي/الحزبي، وعن مداها علاقة بالفعل السياسي، وهو ما يعني بشكل مباشر أو غير مباشر بالفاعل السياسي.

ففي المستوى الأول: يتعلق الأمر بمدى توفر الخطاب السياسي لأي حزب من الأحزاب على القدر المطلوب من التماسك الداخلي، أي أن يكون الخطاب متناغماً مع مرجعية أو مرجعيات الحزب المعني به. فمرجعية الحزب تشكل الإطار العام الذي يحدد شكل خطابه السياسي، وبالتالي يميزه عن خطابات الأحزاب الأخرى. وفي هذا المستوى نتحدث عما يسميه الباحث المغربي محمد بنحمادة بأخلاق الخطاب وأخلاق الاعتقاد.

وفي المستوى الثاني: يتعلق الأمر بعلاقة الأخلاق بالفعل السياسي، وهنا الحديث عن أخلاق الفعل. والقصد بذلك العلاقة بين ما يعد به الخطاب السياسي (الوعود) لهذا الحزب أو ذاك، وبين ما يحققه على أرض الواقع إذا تولّى زمام تدبير الشأن العام.

وهنا بيت القصيد، فكثيراً ما تكون الوعود مبالغاً فيها، بينما لا يحقق الفاعل السياسي إلا اليسير من الإنجازات. وقد تكون هذه الإنجازات بسيطة لا قيمة لها عند المواطن العادي الذي ينتظر تحسين ظروف عيشه وصحة وتربية وتعليم أبنائه، إذا ما تم قياسها بوعود الحزب المعني بها.

إن ما يقع في الواقع هو أنّ الصراع بين الأحزاب السياسية من أجل امتلاك السلطة وحصد أكبر حصة من الأصوات في الانتخابات للظفر بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان وأكبر عدد من المجالس على مستوى الجماعات الترابية، يجعل الفاعل السياسي تحت تأثير ضغط المجال السياسي والخضوع لقواعد اللعبة السياسية، وهو ما يرغمه عن وعي أو عدم وعي على التخلي عن “أخلاق المسؤولية”.

ويقصد بأخلاق المسؤولية حسب الباحث بنحمادة قدرة الخطاب على الامتداد في الواقع، وقدرة السياسي على تحويل كلماته ووعوده إلى أشياء ملموسة لدى المواطن العادي من خبز، ووظائف، وتطبيب، وتعليم (…).

فما المطلوب لنتحدث فعلاً عن وجود أخلاق المسؤولية؟

تتطلب هذه الأخلاق صياغة وعود وبرامج وخطابات تلائم بين الحاجيات الحقيقية للمواطنين من جهة، وبين ما يمكن تحقيقه في ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية وزمنية من جهة ثانية.

وبالمقابل، فإن الفعل السياسي يطارد “باللاأخلاق” عندما يكون الخطاب متخماً بالوعود المغرية التي تغازل عواطف ووجدان المواطن وتجذبه بقوة إلى التصويت عن منسجمة (منسجم هذا الخطاب التضليلي)، بينما لا يكلّف السياسي نفسه عناء تحقيق هذه الوعود حينما يتمكّن من امتلاك السلطة. كما أن لهذه الأزمة أوجه أخرى في الخطاب السياسي للعديد من الأحزاب يمكن الإشارة إلى بعضها:

فأحزاب صغيرة تطرح بشكل انفرادي برامج مضخمة جداً، مفرطة في الوعود، بينما هي تفتقر إلى أبسط الأدوات التي تمكّنها من تحقيق هذه الوعود، وتفتقر إلى تقنيات التواصل السياسي التي تمكّنها من خلق تكتل في ما بينها لتقوية دفوعاتها عن حقوق المواطن في البرلمان إذا تمكنت بالفعل من ولوجه وتكوين فريق لها في المعارضة.

والنتيجة، يضحّي الفاعل السياسي بأخلاق المسؤولية في سبيل تدبير الصراع السياسي، وفي سبيل البحث عن موضع قدم في الخارطة السياسية، لأن صياغة البرنامج الانتخابي لم تتم بناء على دراسات علمية لحاجيات المواطن الحقيقية من جهة أولى، ولم تتم بناء على ما يتلاءم مع مرجعية الحزب من جهة ثانية، وبما يسمح به السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من جهة ثالثة. بل، تتم صياغة البرنامج الانتخابي بناء على علاقة الخطاب بالبنية النفسية للمواطن، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى القول: إنّ الخطاب السياسي في كثير من الأحيان يتاجر في مشاعر المواطنين ويبني بها جسوراً نحو السلطة.

إننا عندما نقرأ خطاباً سياسياً، أو نسمع قائداً سياسياً يستظهر برنامج حزبه الانتخابي، فإن ما يستوقفنا هو ضخامة الأرقام التي يعد هذا الخطاب بتحقيقها، وضخامة المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية… التي يطرحها، والتي تتجاوز في أحيان كثيرة مطالب المواطنين وسقف توقعاتهم، فيتجاوز الخطاب التعبير عن الحاجة إلى التبشير بالترف والرفاه. لكن عندما نقارن بين هذه الوعود وبين الظرفية الاقتصادية التي تقرّ بها الدولة، نجد أنه من الاستحالة تحقيق هذه المشاريع المبشّر بها في الخطاب السياسي. وغالباً ما لا تنسجم مع الوعاء الزمني المسموح به لبقاء هذا الحزب أو ذاك في السلطة.

خلاصة القول، إنّ الصراع بين الأحزاب السياسية من أجل المشاركة في ممارسة السلطة ضرورة سياسية ومجتمعية. لكن لا سياسة في غياب الأخلاق. وتعني الأخلاق في السياسة أمرين:

وفاء الحزب السياسي لمرجعيته أو لمرجعياته المعلنة للخاص والعام من المواطنات والمواطنين.

وفاؤه للوعود التي يقدمها للمواطنين رجالاً ونساءً وشباباً في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، والخطابية بصفة عامة عبر مختلف وسائل التواصل والإعلام.

-إعلامي وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 7

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00 1

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38 4

تفاصيل دعم النقل